الأستاذ محيي الدين بن عبد الجليل نعتقد ان حقوق الانسان بما هي قيم ذات معايير كونية أممية والكيل فيها بمكيالين ينحرف بها عن دلالتها لذا يتعين علينا كمجتمعات متحضرة أن نعتني بهذا الجانب بقدر عال من الشفافية والموضوعية وان يكون الانسان أينما كان ومهما كان لونه أو عقيدته محلّ رعاية من الأسرة الدولية ومن المخجل ان نتكلّم عن حقوق الانسان وشعوب بأسرها ترزح تحت الاستعمار بشكله القديم من خلال الاحتلال العسكري أو بشكله الجديد من خلال الهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية وما الترويج لنموذج سياسي أو اقتصادي أو ثقافي إلا ضرب من ضروب الاستعمار وهذا التوجه في تقديرنا هو الذي يقحم المجتمعات في دائرة الصراع الذي يولّد التطرف لدى الجانبين لدى الجانب المرسل ولدى الجانب المرسل إليه. ومن الواضح ان تترتب عن هذا الصراع انتهاكات لحقوق الانسان. فالدافع الأساسي للصراع هو الشعور بالقوة والتفوق والتأكد من ضعف الطرف الآخر حيث ان الصراع يختفي في ظل توازن القوة وهي اللحظة التي نسميها سلما ولكنها استراحة المقاتل في واقع الأمر. وهذا يعني تحديدا ان للقوي نظرته لحقوق الانسان وان الضعيف له أيضا تمثله لهذه الحقوق ومن هنا يبدأ التضارب والتباين حول قيم معاييرها كونية في الأصل. وبين من هذا أن الحقوق الانسانية للحلقة الأضعف في الصراع هي المنتهكة والمستباحة بل اننا نجزم ان القوي لا يرى في هذه الحقوق المشروعة والكونية الا قيودا للالتفاف على قوته وتطويقها وكل المؤشرات في السياسة الدولية تؤكد صحة ما نذهب إليه. فنحن إذا نظرنا إلى تركيبة أعضاء مجلس الأمن نجدها تركيبة حددها عامل القوة حيث أن الدول التي تتربع على عرشه متحصنة بحق النقض هي الدول التي خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية. فإذا كان الحق يكال بالقوة فأي فرق بين المجتمعات الانسانية والتجمعات الحيوانية المحكومة بمبدإ القوة. ان القوة في المحيط الحيواني لا يمكن إدانتها لأنها عنصر فاعل في التوازن البيئي. لقد أصبح من المسلمات القول بأن مسألة حقوق الانسان هي الغام زرعت في الدول الضعيفة ليس إلا لاستغلالها وابتزازها وتركيعها من خلال الهيمنة على قرارها السياسي ومقدراتها. فهي في نظرنا استكمال للمشروع الاستعماري القديم الذي نهب ثروتها. إن القوى الكبرى لا تتورع في استعمال آليات التجويع وتكريس التخلف والتبعية ومصادرة الفكر العلمي واحتكار التكنولوجيا وإشاعة الفوضى وإشعال الفتن بين هذه الدول وفي الدولة الواحدة فإذا كان الفكر العلمي نشأ بمجهود أممي فلماذا لا تتقاسم الانسانية ثماره بالتساوي. أليس العلم جزءا من الحقوق الإنسانية. الواقع ان لا وجود للاختلاف حول فهمنا لحقوق الانسان بما هي كذلك. ولكن الاختلاف ينحصر بالأساس في التطبيق والممارسة. ان هذه الحقوق التي تعتبر من أسمى ما اهتدى إليه العقل البشري كل لا يقبل التقسيم والتجزئة ولكنها في تقديرنا تخضع لترتيب الأولويات وفي هذا السياق تتوقف عند مقولتين وردتا على لسان سيادة الرئيس بن علي أراهما ذات دلالة عميقة تستحق التحليل: الأولى: قوله «لا يوجد نموذج جاهز للديمقراطية» واما الثانية فقوله: «الديمقراطية تسير وفقا لوتيرتنا الخاصة». إن الشأن الإنساني كما هو معلوم نسبي على الدوام وكل ما هنالك مقاربات لفهمه سواء تعلّق الأمر بالمسألة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو التاريخية أو السلوكية ومقصد هذا الكلام ان العلوم الانسانية حتى أكثرها تقدما وتطورا ليس باستطاعتها الجزم بقدرتها على فهم شامل للظاهرة الانسانية نظرا لعوائق معرفية نعلمها اليوم أهمها ان القضايا الانسانية من قبيل النوع لا الكمّ وأظن ان هذا هو فحوى المقولتين أي التذكير بأمرين أولا بحقيقة علمية مفادها ان التعامل مع الشأن الانساني يبقى متسما بالنسبية إذ لا توجد عدالة مطلقة أو حرية مطلقة ولا مساواة مطلقة وثانيا بواقع راهن يشير إلى ان الديمقراطية ليست وجبة غذاء جاهزة من نوع الهمبرغر يمكن تعليبها وتصديرها وهنا تأتي أهمية الواقع باعتباره المحكّ الذي يشهد على أو لصالح الممارسة. لقد سعى الاتحاد السوفياتي لتصدير نموذج الاشتراكية فسقط ووقع معه النموذج كما سعت الجمهورية الاسلامية الايرانية لتصدير مثالها وها نحن نشهد سيطرة الاصلاحيين الذين أخذوا على عاتقهم مراجعة المبادئ التي قامت عليها ثورتهم ولا نعتقد ان أية دولة في الغرب سواء كانت الولاياتالمتحدةالأمريكية أو غيرها ستكون استثناء من هذه القاعدة وما يمكننا أن نستخلصه من المقولتين كاستتباع منطقي هو العودة إلى مربّع الأولويات الذي يمثل الدعامة الثابتة والأساس المتين لحقوق الانسان والديمقراطية وهذه الأولويات هي القضاء على الفقر باعتباره أم الرذائل وتوفير السكن اللائق لأنه من شروط المواطنة وبه ينتسب المرء لوطنه ونشر المعرفة لأنها فريضة وتيسير العلاج المتطور اعترافا بالانسان كقيمة وكرأس مال للوطن. وفي هذه المجالات تشهد لتونس اعترافات الأعداء قبل الأصدقاء. ومن هذا المنطق فإن الحديث عن حقوق الانسان والديمقراطية في غياب هذه الأركان لا معنى له في تصورنا. فهل يستطيع الانسان أن يشارك في الحياة السياسية ببطن خاوية وبلا مأوى وبعقل تحيط به ظلمات الجهل وبجسد ينخره المرض ولا يجد لعلّته دواء. ومن هنا تبدو الديمقراطية بما هي المشاركة الفعلية للمواطنين في تصريف شؤون البلاد الخطوة الموالية بعد تثبيت الأولويات على أن تكتسب تدريجيا بكيفية عقلانية وكممارسة في شكل مقادير كالدواء تماما وهذا هو المطلوب من حكمة السياسي كما هو المطلوب من حكمة الطبيب حيث ان الجرعة الزائدة في المجال السياسي تؤدي حتما إلى الفوضى والمقدار الزائد في العلاج يؤدي بلا شكّ إلى تعكرات إن لم نقل إلى هلاك. وبناء على ذلك فإن الديمقراطية تستوجب تنمية على المستوى المادي وتهيئة على المستوى الذهني والنفسي. فيجتاز المواطن حاجز الحاجة والفاقة ويتعود على الاختلاف في الرأي وتقبل الآخر بنفس الحقوق التي له وتتجذر في ذهنه فكرة ان المسؤولية ليست لها إلا معنى واحد أي خدمة الشعب. والقراءة الموضوعية للتاريخ تدعم هذا الاتجاه لأن الديمقراطية في فرنسا لم تستقر كواقع إلا بعد مرور قرن ونصف على ثورة 1789 . فإذا كانت الدول الكبرى صادقة فيما تبديه من حرص على حقوق الإنسان والديمقراطية فعليها أن تكون صادقة في أفعالها وبذات المستوى من الحماس وان تساعد الدول النامية على تدعيم أولوياتها بدون شروط مجحفة أو تعجيزية وان تتوقف عن ازدواجية الخطاب والمعايير والكيل بمكيالين لأن شاشات العالم تنقل لنا يوميا انتهاكات واستباحة هذه الحقوق في العراق وفلسطين. إن لدينا من الثقة بالنفس وحسن النوايا والارادة الحازمة ما يضمن تحقيق الديمقراطية على الوجه الذي يرضي.