بقلم: عبد الرحمان مجيد الربيعي (القسم الأول) المفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان غني عن التعريف فهو صاحب تجربة عريضة في العمل السياسي من خلال انتمائه المبكر للحزب الشيوعي العراقي الذي كان يستقطب عددا كبيرا من الأدباء والمثقفين، ونتيجة لانتمائه هذا فقد عرف أيضا التشرد المبكر والنفي، وبعد كل الذي جرى ويجري مازال الرجل يعيش خارج العراق (في لبنان حاليا). وقد كان للدكتور شعبان نشاط واضح في المعارضة العراقية التي انقسمت هي الأخرى إلى تيارات فيها ما تحمس إلى قانون ما سمي بتحرير العراق (تيار أحمد الجلبي) ومنهم من عارض هذا. وقد انساقت أحزاب وشخصيات مع التيار الأول وزيّنت للأمريكان عملية احتلال العراق وبأن كل شيء يتمّ بلا مقاومة ويستتب الأمر للغزاة ومن والوهم ودخلوا معهم، ولكن ها هو المشهد مازال يختبط والتفجيرات متواصلة آخرها صبيحة الثلاثاء الماضي حيث تمّ قتل عشرين رجلا بريئا أنزلوهم من سيارة كانت تقلهم مع أسرهم وتم نحرهم بدم بارد!! د. عبد الحسين شعبان ونظرا لمعرفته بالمجتمع العراقي كان أحد الذين رأوا ما وراء الأشجار القادمة وفق الرؤية الزرقاء بما فيه كما ورد في الحكاية العربية الشهيرة. وأضيف أن الكثير من المتحزبين العرب خاصة إلى الأحزاب العقائدية (الشيوعيين بشكل خاص) قد تقبلوا الوصايا الماركسية ولا أقول الأفكار الماركسية كمسلمات غير قابلة للنقاش، واقتنعوا أن كل الأجوبة فيها ولا يمكن مناقشة أي مشكل خارجها فكيف بمناقشة التطبيقات الماركسية، هنا أو هناك، تلك التطبيقات التي لم تراجع ولذا سقط المعسكر الاشتراكي الذي كان يشكل أملا للعديد من شعوب العالم الثالث أمام الغول الامبريالي الذي خلا له الجو فعاد يرسم خارطة العالم على هواه، ومن ليس معه فهو ضده بالنسبة لما سمي بمحاربة الارهاب وفق تخريجات اليمين المتصهين الأمريكي وواجهته بوش الابن. ويمكن القول ان كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان المعنون: «تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف» الذي هو في الأساس مجموعة حوارات متمحورة حول الماركسية وتطبيقاتها أجراه مع الدكتور شعبان الكاتب العراقي خضيّر ميري. وقد قسم ميري الكتاب على ثلاثة أقسام كل قسم منها توزعت أسئلته على مجموعة محاور فالقسم الأول (حوارات القاهرة انطولوجيا الحوار) وورد اسم القاهرة هنا لأن الحوارات هذه أجريت فيها حيث أقام د. شعبان لبعض الوقت هناك، وكان ميري فيها قبل رجوعه إلى العراق. أما القسم الثاني فعنوانه (حوارات بيروت أصوات الحوار وديناميته» وأيضا جاء ورود بيروت في العنوان لأن حوارات هذا القسم جرت فيها بعد تحول د. شعبان إليها. أما القسم الثالث والأخير فجاء تحت عنوان «مقاربات الحوار: الذات والتاريخ الماركسية والقومية». ويبدو لقارئ هذا الكتاب وقد قرأته على مراحل أن يجري الحوارات خضير ميري كان مؤهلا لاجراء هكذا حوارات مع مفكر ممتلئ من طراز د. شعبان، ولو لم يكن ميري هكذا لما تكاملت هذه الحوارات في كتاب واحد ربما كان وبلا مبالغة منا أحد أهم المؤلفات العربية التي قرأت الماركسية واستوعبها ثم سجلت ملاحظاتها عليها وعلى تطبيقاتها، فقد من الداخل وليس من الخارج أو أن «الماركسية» مثل «ليلى» وكل واحد يدّعي وصلا بها كما ورد في المثل «كلّ يدّعي وصلا بليلى». وقد رأى جيلنا الذي هو جيل المؤلف د. شعبان انشقاقات التسميات والمصطلحات في فترة ما بعد ثورة تموز (جويلية) 1968 فهناك الماركسيون الذين لا وجهة لهم غير موسكو، وهناك من وحدوا الطريق في خيارات ماوتسي تونغ في الصين. وهناك من وجد الطريق بالمضي نحو كوريا الشمالية وأفكار زعيمها الماركسي كذلك كيم إيل سونغ ولا ننسى وجهة يوغسلافيا حيث تيتو وظهر في العراق تيار شيوعي تيتوي له امتداداته العربية كذلك، وقد اقترن كل هذا بعد ذلك بأدبيات الثورة الكوبية (كاسترو وجيفارا) وما كتبه عن الثورة الكوبية ريجين دوبريه الفرنسي، كذلك كتابات مكسيم رودنسون وروجيه غارودي. ذلك الاختباط العجيب حيث تداخلت الآراء وتخالفت واتفقت، لكن كتاب د. شعبان يظل قراءة ممتعة صافية للذي جرى في رحاب الماركسية زمن مدّها زمن انحسارها. (ولنا عودة)