أقام الشاعر علي أحمد سعيد الشهير بأدونيس بيتا في قريته القصّابين وجمع فيه تحفا ولوحات وذكريات وبنى فيه قبرا لينام فيه حين يدركه الموت.. الجريدة الثقافية الصادرة في بيروت»زوايا» نشرت حوارا مع أدونيس هذا أهمّ ما جاء فيه. * ألا تعتقد ان الشعر العربي الى انحسار ؟ إن عزاء الشعر، في زمن الوسائط المستحدثة، أن ما يخسره أفقيا، أظنّ أنه يربحه نوعيا، حين يخرج الشعر من وظيفيّته التقليدية (المديح والهجاء)، يدخل في عمق الروح الانسانية، لأنه الشكل الأرقى الذي تتمثل فيه هوية الاسنان، لا الفلسفة ولا التاريخ ولا أي شكل من أشكال التعبير الأخرى يمكنه أن يفصح عن الهوية كالشعر، لا أنكر بالطبع أن هناك أزمة تلقّ، وهي ظاهرة عالمية، لأننا نقف على عتبة انقلاب شامل، فلسفيا ومعرفيا وجماليا، فالقيم القديمة تهتز وتتراجع، ولو أقيمت أمسية موسيقية اليوم لعملاق مثل بيتهوفن في أي عاصمة عربية أو عالمية، وأمسية أخرى لمايكل جاكسون أو شاكيرا، سيكون جمهور شاكيرا أكبر من جمهور بيتهوفن، عموما ليست حزينا لهذا التراجع، لأنه سيسهم في إعادة النظر في علاقة القارئ بالشعر، وعلاقة الشاعر بتجربته، فمن دون سهر على التجربة، ومن دون نحت متواصل للشخصية الداخلية، لن نصل الى ابتكار أشكال جديدة تغني الشعر نفسه وإذا كان ثمة أزمة في الشعر العربي فهي ليست أزمة كتابة بل أزمة قراءة وفي تقديري أن الكتابة الجديدة لا بدّ أن تخلق قراءة جديدة. * بشكل عام أنت شاعر «غير جماهيري»؟ لا يهمني الجمهور بالمعنى السياسي والايديولوجي، لأنه جمهورسطحي، يسيء الى القصيدة التي يسمعها. وشاعر مثل نزار قباني أعتقد أن قراءه ظلموا شعره، لأنهم صادروا قصيدته، ووضعوا حوله حجاجا كثيفا، فالمرأة التي كانت تسمع شعره، انما كانت تبحث عن صدى لمكبوتاتها، وتتوهم، وهي تصغي إليه، إنها تتحرّر من تلك المكبوتات، وتعيش حريتها! وبهذا المعنى أقول ان قراء نزار قباني وهو شاعر كبير يشكّلون غالبا أكبر إساءة إلى شعره. أنا شاعر قرأه أفراد، ولست شاعر جمهور، وقارئي ليس قارئا عاديا جاهزا، بل هو شاعر آخر يعطي للنصوص التي يقرأها بعدها الفني. إنه يخلق القصيدة باستمرار، تبعا للفضاء المعرفي والجمالي الذي اقترحه. * لماذا تلازمك صورة الشاعر المثير للجدل؟ حين بدأت الكتابة، لم يكن هدفي الوصول الى الآخرين وإنما إلى نفسي. لم أنشغل بصورتي لدى الآخرين. لم يكن هدفي أن أتوسّع في الخارج، بل سعيت لأن أتعمّق في الداخل.. لذلك حرصت على أن أروض نفسي، وأي شاعر حقيقي، ستجد أن مشكلته مع نفسه : كيف يعرفها وينميها ويقيم علاقة بينها وبين العالم، ولا أنكر أنني شاعر اشكالي، بل أعتز بذلك.. ولو لم أكن كذلك لاستوجب عليّ أن أشكّ في نفسي، وفي صحة مساري الشعري والفكري. * لكنّك لم تتورط في مواجهة أي نظام عربي أونقده..؟ تحاشيت على الدوام الدخول في دوامة الصراع مع الأنظمة،لأنني كنت أعتقد ولا أزال، أن الأنظمة ليست إلا الجزء الظاهر من جبل الجليد، لكنّ المرض العربي ليس محصورا في الجسد السياسي، إنما هو مرض ثقافي وحضاري شامل.. لذلك كان نضالي الدائم ضد البنية السائدة للعقل العربي، والواقع السياسي جزءا منها. ولم أمتلك يوما، خلافا لآخرين، أوهاما حول اسقاط النظام العراقي السابق مثلا، لا أعتقد أن تغيير صدام حسين أو سواه سيحل المشكلة، لأن بنية الاستبداد ستظل قائمة. المرأة والموت والمنزل الأول * ما الذي قادك إلى الرسم ؟ لا أعتبر ما أقوم به رسميا، بل هو شيء أسميه «رقيمة»، ومحاولة لابتكار شيء يكون نتاجا لكولاج من خامات مختلفة. و»رقيمة» كلمة عربية تشير الى التشكيل والكتابة. أنا أحاول القيام بتشكيلات، وأستخدم الكتابة كخلفية لونية. ويبدو أن اللوحات التي أنفذها تعجب الناس.. إلى حد أنني دعيت الى عرضها أكثر من مرة. لكنني لا أعتبر نفسي رساما. وأرى في أعمالي التشكيلية مجالا للتعبير عن الأشياء التي لم تجد مكانا في شعري. * تلجأ في ديوانك الجديد «أول الجسد، آخر البحر» (دار الساقي) إلى مقاربة الحسي واحتدامات الجسد، هل وصل مركبك الشعري الى ضفته الأخيرة؟ التجربة الابداعية لا ضفاف نهائية لها، وأظن أن الموت نفسه لا ينهيها. بعد الموت ستُقرأ التجربة بطريقة أخرى، واليوم نقرأ المتنبي كأنه حيّ بيننا. والشاعر لا يؤكد وجوده حقّا إلا بقدر ما يتصارع مع أعماقه الداخلية. أما قصائدي الأخيرة فهي رحلة مكابدات صوفية تتجاذبها ريح الحواس والمطلق. ولم أكتب عن المرأة إلا بوصفها الوجه الآخر لذاتي، والبعد الكينوني الذي لا يكتمل وجودي كشاعر إلا به. فالمرأة تكون دما آخر في دمي، وضوءا آخر في القنديل الذي يضيء لنا العالم. تكون ذاتا في ذاتي، ولها وتساؤلا، وسيرا في مجهول الكون. جدل الأنا والآخر. فالشاعر وهو يتوغل في تضاريس الجسد، إنما يكتب به و معه وفيه، وهذه التوجهات ليست جديدة لدي لتكون «الملاذ الأخير». لا بدّ من اعادة قراءة أعمالي لتصويب هذه الفكرة، خصوصا في «كتاب التحولات»، وفي «مفرد بصيغة الجمع»، وفي «المطابقات والأوائل»، وربما في شعري كله. * قصائدة الجديدة تنطوي على نوع من «الحنين إلى المكان» ؟ علاقتي بالمكان قديمة. المكان يتيح لي التقاط تفاصيل الحياة اليومية، والتكلّم عن أشياء لم يتح لي تناولها في قصائد أخرى. والمكان ليس مساحةجغرافية، كما أنه ليس خطا أفقيا، وإنما هو بعد عمودي، جزء من التجربة البشرية. إنه عندي نوع من الرد على مكان غالب في الشعر العربي، هو الصحراء، لأن المكان الذي أعرفه أنا هو المدينة. وفي شعري محاولة للكشف عن العلاقات المعقدة التي نشأت فيه. وهناك نوع من التذكير بما حاوله أبو نواس، ثم بودلير بعده بحوالي ألف سنة، من حصر العلاقة بين ما هو عابر وما هو أبدي، ومحاولة التوحيد بينهما. وهذا جوهر اهتمامي بالمكان. * بنيت بيتا ومكتبة وقبرا في مسقط رأسك في سوريا التي غادرتها عام 1956 الى لبنان.. هل تفكر بالاستقرار نهائيا في قريتك قصابين؟ أرغب أن أموت فوق الأرض التي ولدت فيها. قد لا يتاح لي ذلك، لكنها رغبة لا أملك تفسيرا علميا لها. ولاأظنّ أن هذا راجع الى ماتسميه «الحنين إلى المكان»، وإنما هو نوع من العودة الى طفولة المكان. أنا لا أعرف الطفولة بالمعنى الذي يتحدثون عنه، فمنذ وعيي المبكر وجدت نفسي أعمل مع الفلاحين في الحقول، وأعيش مثل الكبار، ومع تقدمي بالعمر أشعر أن لديّ ميلا لاكتشاف طفولتي. فأنا أتذكر ماضيّ كلما تقدمت نحو مستقبلي. والمستقبل في النهاية هو الموت، بمعنى ما. الموت طفولة ثانية. تذوبنا في كينونة العالم. * هل يتجلّى تمرّد الشاعر في حياتك اليومية؟ أريد أن أبقى سرا. وكل حياتي قامت كما أعتقد على تهديم نفسي باستمرار، الى درجة أنني، وبصدق كامل، أعتقد أنني لم أفعل شيئا إلى الآن. وما أحلم به وأحاول أن أفعله، أن تكون حياتي عملية هدم مستمرة، كي أصل إلى حياة أجمل.