في اطار أنشطته العلمية نظم المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية مؤخرا لقاء خصصه لتقديم كتاب جديد باللغة الفرنسية يؤرخ لنضالات الحركة الطلابية بتونس في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. الكتاب يحمل عنوان «تاريخ مدرسة للإطارات الاتحاد العام لطلبة تونس». وهو من تأليف السيد مختار العياشي أستاذ التاريخ المعاصر ومدير متحف التربية. فما هي الأهمية التي يكتسيها هذا الكتاب؟ وكيف عالج صاحبه نضالات المنظمة الطلابية في علاقتها بنشاط الحركة الوطنية التونسية عموما؟ من التلقائي إلى المنظم ففي عرضه لمحتوى الكتاب أكد الأستاذ عادل بن يوسف أن هذه الدراسة ثمرة سنوات عديدة من البحث والتنقيب. وقد جاءت لتثري المكتبة الطلابية بعمل رصد مرحلة التأسيس، وتتبع عملية الانتقال من التلقائي الى المنظم في النضال الطلابي بتونس. وأضاف أن صاحب الكتاب انطلق في دراسته من أهمية حركات الشباب، ودور الحركة الطلابية باعتبارها مدرسة فعلية لتكوين الحركة الوطنية ببلادنا. وقد تطرق المؤلف الى جمعية طلبة شمال افريقيا وجمعية الطلبة التونسيين بهدف التمهيد الى انبعاث الاتحاد العام لطلبة تونس الذي تأسس في جويلية 1953 بباريس. ومن أجل رصد النشاطات التأسيسية لهذا الاتحاد قسم الأستاذ مختار العياشي كتابه الى 4 أقسام كما يلي : * الالتزام السياسي للحركات الطلابية : ركز المؤلف في هذا القسم على أنشطة المنظمات الطلابية التونسية، والتحركات النضالية والنقابية للمحيط المدرسي أثناء أحداث 1952. * الأنشطة المطلبية للإتحاد : احتوى القسم الثاني على عدة أبواب أهمها القانون الأساسي للاتحاد العام لطلبة تونس، وبرامجه، وعرض للمؤتمرين الأولين في تاريخه. * علاقة الاتحاد بالحركات الطلابية التونسية والمغاربية والعالمية : استعرض الكاتب في القسم الثالث من دراسته قضية توحيد ومراقبة النشاط الشبابي بتونس وخاصة الجدل الزيتوني (1952 1954) وعلاقة الاتحاد بصوت الطالب الزيتوني في تلك الفترة الحساسة في تاريخ البلاد. كما أشار الى العلاقات التي كانت تربط الاتحاد آنذاك بسائر الاتحادات في المغرب العربي وإفريقيا والعالم. * الاتحاد والمنظمات الوطنية والدولة التونسية : القسم الرابع والأخير خصصه صاحبه لعلاقة الاتحاد الطلابي باتحاد الشغالين، والحزب الدستوري الجديد الذي أصبح في ما بعد الحزب الحاكم والمشرف على قيادة الدولة، ثم انتقل الى رصد علاقة الاتحاد بالدولة الناشئة. قضايا واسهامات وأثار الكاتب في الأقسام الأربعة عدة قضايا واشكاليات منها أن العلاقة بين الاتحاد وصوت الطالب الزيتوني كانت جيدة في العموم رغم التباعد بينهما وبين الرافدين الزيتوني والمدرسي أثناء فترة المواجهة مع الاستعمار الفرنسي. كما أشار الكاتب الى توتر العلاقة بين الاتحاد والدولة الناشئة منذ أوائل الستينات بعد مساهمته الفعالة في تحديد الاختيارات الوطنية من خلال اللجنة العليا للتعليم. وأكد الكاتب في دراسته أن القانون الأساسي لهذا الاتحاد كان طلائعيا في تكريسه لمفاهيم تونسة التعليم وتعميمه والنهوض بالتعليم العمومي وديمقرطيته. كما كشف عن أن الاتحاد أسهم في تكوين النخبة الوطنية التي تولت قيادة البلاد بعد نيل الاستقلال والدليل أن الاتحاد قدم لتونس في الفترة البورقيبية 19 وزيرا (47.5) من مجموع 40 وزيرا ينتمون الى المنظمات الوطنية. وذكر الأستاذ مختار العياشي في تعقيبه أن هذه الدراسة تطرح قضية تواصل الأجيال وتعمل على تذكير الجيل الجديد بأهمية النضالات الطلابية والوطنية في تاريخنا المعاصر. وهي تدخل في اطار تغذية الذاكرة الجماعية وتكريس قيم الحوار والتسامح التي ميزت نضالات الوطنيين بتونس.