بقلم: الاستاذ جمال الدين بوغلاّب يوم الثلاثاء 2 مارس لم يكن يوما عاديا بجهة الساحل، لا أذيع سرا ان قلت ان ما حركني لم تكن «دعوة» لحضور زيارة رئيس الدولة والحزب للمنطقة لإحياء ذكرى 1934 . ورغم ان الاستجابة للدعوات علامة وفاء. ولكن الدافع ابعد مدى ووقعا في النفس. قلت في نفسي كم يختزن هذا الرجل لعلامات فارقة وتدخلات فيها ما فيها من الجرأة، والوفاء والدلالات وكم يكون للوطن ان ينتظر مبادراته حيث سها الآخرون؟! الثاني من مارس 1934 والثاني من مارس 2004 . «سبعون» ميخائىل نعيمة ورديفتها لوطني، ذات يوم حيث كانوا ولم نكن، اردت استغراق المسافة والمعنى، في لحظة تصوف وتماثل. جمع للبداية والمآل وتسوية لبرهة المولد مع لحظة الوعي لفعل الزمن وثبات العقل المدوي بأرجاء الخضراء رغم ذهاب «الابدان» ومن قال ان المولد قدوم لكيان من عدم؟ بل هو مولد العقل من غياهب النسيان، ليظل الانسان وان غادر سجلا للحظته وعصره والباقيات فكرة فدولة فسيادة فاحتضان للمشروع Le legitime بالمشروع أليس هذا من ذاك وزيادة تعقبها ريادة!؟ وكان الثاني من مارس 2004 وكانت اللحظة والقلم. وإشارة خطاب «قصر هلال» لدلالة حملتها اكناف العبارة لتتجاوز دور المسؤول الى دور المبشر بعصر والمنذر من مخاطر راهن ينوء بحمله العقلاء فيبادرون ولا يضيرهم من انكر بعد انعقاد مؤتمر «الولادة الجديدة» صدر بجريدة «الارادة» يوم 6 مارس 1934 مقال معنون كالتالي: «مؤتمر احلام الفلاسفة» وعلى نفس الوقع والايقاع عزفت جريدة «النديم» وفي ذات التطابق الزماني من مارس 2004 نقول حقا انه كذلك «للفلاسفة» ومتى كان التفلسف نقيصة في صاحبه، وانها لتهمة يحتمي بها «البلهاء» من «النبهاء» حتى درج عند بعضهم قرن التفلسف بالإبهام كناية على إغراق الانكار والقطع مع الآخر. فما عساه يقال ذات نفس اللحظة من سنة 2074؟ عن لحظة «الشروق» على «الأمس» الراهن الماثل». وفي علم الاجتماع السياسي يمكن اعتبار مبادرة الرئيس زين العابدين بن علي بمثابة الاشارة والايحاء ان للنخبة السياسية او لسائر المؤسسات الراصدة والمدرسة للتاريخ السياسي والعلوم السياسية بألا تجحف هذا الشعب حقه. ولي ان اتساءل وانا رجل القانون كم من باحث داخل اسوار الجامعات والكليات المتخصصة افرد هذه المناسبة وظاهرة؟ العمل الوطني الحزبي بشيء مما تستحق؟ وكم هو عدد الطلبة الذين بحثوا في الأمر؟ وعدد الاطروحات التي قدمت في مادة العلوم السياسية في هذا المبحث؟ انها لحظة توقف لإنصاف الذات. فلا يعقل ان يعرف الباحث عن محمد علي مصر وسعد زغلول والكواكبي وأحمد عرابي ومحمد نجيب وماوتسي تونغ، أكثر مما يعرف عن عبد العزيز الثعالبي وحسن القلاتي، ومحمود الماطري وحسن بن عبد العزيز والصادق حميدة. ان ما انجزه رئيس الدولة في هذه المناسبة، يضعنا امام مسؤولياتنا التاريخية بصنفيها فهي مسؤولية عن تأريخ الماضي وحفظه ومخزون الوعي ليس الا ضميرا جماعيا لابدّ من التعاطي معه للفهم. فمن يجهل ماضيه يستحيل عليه الوعي بواقعه والتخطيط لمستقبله. وفي ذات السياق نرصد ان تكوين الحزب الجديد جاء اثر فشل النقاط الاربعة عشر لمشروع الرئيس الامريكي «ويلسون» الداعية الى تحرير الشعوب. وما اشبه اليوم بالبارحة، فنحن ازاء «فكرة ومشروع» «الشرق أوسط الكبير» من موريتانيا الى أندونيسيا. وابرز ما فيه هو اعادة صياغة «الأمة» على اساس «عمق جغرافي» كأرضية لتسويق المشروع الصهيوني باعتبارنا سوقا تلغى فيها الخلفيات الحضارية والتاريخية. ولا مجال لإقامة سد دافع لهذا الغزو الا باستعادة ذات القيم والأدوار مع الاستفادة من التجارب والرصيد. وهي من المؤشرات التي ترفع من شأن المبادرة باحياء الذكرى وتحيلها الى محطة تعقل وافادة. فضمير الأمة يهمه ان يهتم الدارس لمائوية اصدار مجلة الالتزامات والعقود كظاهرة نصية بما يحفظ التوازن في التكوين والوعي فلا نغلب المهم على الأهم. لذلك احدثت هذه «اللمسة» الواعية رجة في بنية المتعارف من سياقات المعرفة. ووضعت المثقف التونسي امام مسؤوليته التاريخية تجاه «زمانه» و»المستقبل» من اجل إعمال النظر والاستفادة فربوع هذا الساحل الجميل شهدت مولد دولة حرة. وعبر قراه المناضلة من «المكنين» عبر «طبلبة» الى عرين الأسد بالوردانين» وعبر كل مدن وقرى تونس الحبيبة خط التاريخ الملحمي لمسيرة «مواطنة» تقطع مع نظام ملكي ذي اصول اجنبية جلب الاستعمار والدمار. وأسست لنموذج انقذه التغيير من التكلس والجمود. واستسمح الاديب محمد الحبيب براهم لاستعير مفرداته الدالة على الوفاء: «لحظة زمن نادرة. انها ومضة تبرق في حياة من حضرها وشاهدها وتظل شاهدا للتاريخ على كياسة الحضارة في بلد صغير كبير، وأحنى الحاضرون رؤوسهم امعانا وتفكيرا وجاشت بالصدور امنية وحيدة، وهي ان تتاح للناس فرصة ملامسة هذه اللحظة من النبل الحق...» وشيعنا مع الرجل عبقرية منعها من التلاشي مع ضباب السنين. ومسحة الهيبة الكامنة في كل ايحاءاته. وأفقت من انبهاري على وقع يد شيخ تربت على كتفي وحلمه ان يرى رجل الابداع والاتباع يزور قريته، وحُقّ له ذلك. او ليست اول من اشعل الثورة في 1952 وأخمد الفتنة وحسم «قرار» وضع السلاح. وآثر على نفسه يعلو البناء في كل الاركان الا في ربعه. وكأنه موقد الطائي الدال على انه وهب الكل ونذر النفس ليحيا الوطن . ولكننا نظل قلب الوطن لم يشتهر فينا من غرّد فينا على وقع دون وقع الوطن.