تبعثرت كل الصفحات التي عكفت على تنظيمها طويلا وتناثرت كل أفكاري، ولم تعد نفسي تعي واقعها... رأيت جراحي واندثاري وصور الماضي التي احرقتها جميعها، انتقلت بكل آلام الإنسانية التي احتويها وتحويني، وتعايشني وتكونني... التفت دون فهم الاشكال والمعنى، وتقاذفتني أمواج من البرد والتيه، واختفيت عن نفسي خجلا منها وخوفا عليها... أردت أن أستوعب شيئا قليلا من وقع الواقعة، واختلطت عليّ الأمور ، وانبعثت في عقلي أصوات مفزعة تنذر بطوفان جديد، وتبين لي في لحظة ما أن القدر لا يمكن أن يسير على وتيرة غير التي ينتهجها كانت الحقيقة بالنسبة لي تتسم بمرارة العلقم، لكن الحوادث تصير عادية لمن تعود على تجرع مرارتها... وفي لحظة لم يتسن لي تحديدها، توقف كل حسي ومدركاتي وتواترت على مخيلتي صور وأحلام وخيالات ورؤى قد غلب سواد المشهد على معظمها... شاهدت نفسي عبدا لا سيد له، وتاجرا لا بضاعة له، وطفلا صغيرا لا مرضعة له... وخلت الحياة تفقد معناها... حتى الحيرة نفسها، في مثل موقفي وموقعي تحتار في الاختيار واخترت أن أهرب من نفسي وغيري.... شعرت أن كيانا دقيقا انفصل عن ذاتي... وتحرك بعد برهة زمنية قصيرة في عاطفتي حنين كبير إلى ماض ولى وإلى أحلام قبرت والى ذكريات اختفت معالمها... ندت عن أعماقي صرخة لاإرادية وانفجر الغموض وتجلت الحقيقة... حقيقة أن الماضي أصل الإنسان رغم أن الإنسان هو ما هو الآن، وليس ما كان... قنعت بأنه عليّ الارتحال الى عالم بشري رفيع وانتهاج المثال سبيلا مما تبدلت الأزمان وقررت أن أواصل الطريق مهما كان المسلك مهترئا أو قديما أو شائكا، واقسمت أن أعتنق الانسانية بعد الإسلام، دينا، وأن انبذ كل ما يسيء إلى القيم الفاضلة والنبيلة قولا وعملا.