«هناك مثقفون عرب يتباهون باستقبال الديمقراطية القادمة على ظهر دبابة أمريكية... وهناك منهم من يستطيع الترويج ليس للزمن الأمريكي فقط وانما للزمن الاسرائيلي...» *محمود درويش (الشروق 19/2/2004 ص39) يبدأ الاشكال بتقصي تعريف يليق بالمثقف، هل هو المتعلم ام العصامي؟ هل هو خازن لذاكرة الجماعة أم مبدع؟ فرس جامح أم حاجب للأمير؟ مثقف عضوي أم طليعة وجسر؟ أم كل هذا معا؟! شائكة هي لعبة الأسماء والتعريف، ومركبة هي مهمة استخراج «حالة مدنية» للمثقف في زمان عاد بمحض ارادته الى قانون الغاب ومكان يتوحش فيه القرنفل وينتحر الضباب. ربّما يكون التقرير الأمني هو أيسر السبل لتشخيص الحالة. اذ يبدو ان «بروفيل» المثقف يكاد يتطابق مع إمرئ بدون مأوى S.D.F او هو بدون مستقر اسمنتي حسب تعبير سليم دولة يقيم ويترحّل بين قلق وقلق، او كما يقول دولوز «هو الذي لا يتعب من الترحال الدائم لكشف مناطق ومجالات جديدة تصلح لابتكار المفاهيم او استقبالها وزرعها في أوطانها وحقولها» (الفكر العربي المعاصر / العدد 126 127 / ص65. إن المثقف القلق (فتحا وكسرا) يسكنه رغم المضاربات العقارية توتر وجودي ومجتمعي مرشح في أحيان كثيرة الى ان يتحوّل الى تشنج نفسي عضوي مزمن، وذلك نصيبه من الجباية التي لم تجد له مدخلا للاقتطاع على دخله المادي الذي احترف لعبة الحضور والغياب. ويتواصل الاشكال بل يتعمّق عندما ننظر للمثقف على أنه حمّال نوازل وقضايا، قد تكون مغرقة في الأنانية والذاتية، لكنه لا مفر لها من ان تعلق في شباك الهواجس الجمعية والكونية بالقدر الذي يتحمله مرجل الاعتمال والاشتغال على الكلمات والأشياء. إن قدر المثقف من قدرة الخلق، خلق واجتراح عوالم موازية، غريبة، مثالية، جديدة، عادلة... تمزّق ألفة المألوف.. تُلهب السحر رتابة الزمن اليومي، تخلخل رواسي المسلّمات وتوجه بحبل التواطؤ السري فعل المريدين تلك هي البذرة التي تنبثق منها سلطة المثقف ومنها تمتد فروعها. بذرة هي موطن لخطورة استراتيجية، خطورة هي من الاهمية بحيث تحوّل خطأ المثقف الى خطيئة، وصمته الى جريمة. ولما كانت سلطة المثقف بلا حدود مجالية زمانية لأنها سلطة رمزية (بورديو / Bourdieu) فإنها أخشى ما يخشاه الامير. اذ هي تنافس نفوذه وتنتصر عليه بتجاوزها للحيز الضيق الذي يشغله «فن الممكن»، وفي هذا السياق يقول الدكتور سهيل فرح / الجامعة اللبنانية قسم الفلسفة. ما يلي : «غالبا ما يكررون ويتابعون أفكار المفكرين واهل الابداع...» (الفكر العربي المعاصر ص: 67). بين هاجس «ما يجب» الذي يشغل المثقف وديدن «ما يمكن» كتعريف لشأن السياسي، لم يتوقف الاستقطاب والتجاذب، والالغاء والاقصاء، فقد تعددت محن المثقف مع السلطان من خلاف سقراط وحكام أثينا واختلاف أفلاطون مع دينسيوس السرقوسي والمتنبي وغيرهم كُثر، بينما كانت فرص اللقاء نادرة وكان من أهمها تتلمذ الاسكندر المقدوني على أرسطو واتحاد الثقافة والسلطة مع فاكلاف هافل، هل يعني ذلك أن في المسألة انفصال جذري بين قطب سياسي يحكمه «العجز النظري» وقطب ثقافي يلازمه «عجز الاجرائي»؟ قبل الخوض في معالجة هذه المفارقة المزمنة يجدر بنا ان نلتفت الى ظاهة مرض السلطة لدى المثقف وتطرف تسلطه، فإن بدا المثقف أعزل فإنه مع ذلك يحتكر انتاج المعرفة والمفاهيم والوعي. يصنع خطاب الولاء ويزيّن نداءات العصيان. وهو دور وموقع سيزيده مستقبل الايام مركزية ورسوخا مع حلول مجتمعات المعرفة والذكاء وسيادة الاقتصاد اللامادي وامبريالية الاتصال التي هي بشكل ما، وباعتبارها منظومة لتبادل العلامة من صناعة المثقف. عندما تتورم سلطة المثقف تتحوّل الى تسلّط ترزح تحت أثقاله ذات المثقف نفسه عندما يصاب بداء التقوقع والتعالي النرجسي. كما تدفع الجماعة الثمن باهضا عندما تقتات على ثقافة الايهام والتبرير والأدلجة. اذ يقول ميرلوبونتي في الغرض : «الأفكار بعد فترة معينة من الامتداد، تتوقف عن التكاثر والحياة، وتهبط الى مصاف التبريرات والذرائع» (نفس المرجع / ص65). يتسلط المثقف عندما يُنصّب نفسه خازنا على مفاتيح الجودة والجدارة السائدة وضابطا لشروط الابداع المستهلك وخاتما لرسالة الحقيقة المكتملة الصافية. هو ذات المثقف الذي يشتكي من العزلة متعللا بجهل العامة ومتذرعا باستباقه لعصره، يزحف بصخبه التبريري على فضاءات التعبير، مؤسسا بذلك لاستتباب الصمت وديمومة الخوف. وفي ما يتعلق بمقولة «العجز الاجرائي» للمثقف، وما تتضمنه من حصر وتخصص في الفكر والتفكر فهي تعد نوعا من الارتهان لسلطة المعرفة في برج التأملات ومتاهة التهويم والتجريد. والحال أن الرأي القائل بغير ذلك دلّل نظريّا وعمليا على امكانية انزال المثقف فقد توسع الفرنسي التوسير ALTUSSER وأفاض في التنظير لمفهوم «البراكسيس» Parxis معتبرا الممارسة الفكرية شريطة علميتها والتزامها الثوري فعل وإن كان نظري فهو متعالق جدليا مع الفعل المادي المنتج. أما في صورة النظر الى «عقم المثقف» من زاوية ضآلة دوره في الحياة السياسية بمفهومها الاحترافي الصرف، فإن ذلك ليس اتهاما له او استنقاصا من مكانته، لأن المثقف غير مدعو لتعليق مساره / مصيره بحلة الامارة أو جبّة الحاشية. لا لشيء الا لأن اهتمامات المثقف لا تُعنى وجوبا بإدارة الموجود وملاحظته بل هي معنية أكثر بتحويله واعادة تشكيله و هدمه إن اقتضى الامر. منذ زمن سيادة القبيلة انبرى المثقف يقول هويتها ومجدها وصراعها الدامي من اجل البقاء، قولا هو عين الفعل، اذ هو الشاعر والفارس والكاهن والملك أحيانا. وعندما حانت لحظة التجاوز تحمّل وحده عبء مغامرة «الصعلكة» مجترحا عالما موازيا ومهلكا، عالم العيش على الهامش، خارج مجال المضارب. يقتات من الريح، ويفتح مساحات أرحب مغالبا باسم القوم المجهول والخارق : من جنّ وغيلان وشياطين. ولذلك فإن المثقف الاصيل ملزم ذاتيا بالعيش على حافة الهلاك وتخوم الحتف، بسيره الدؤوب عموديا نحو «شجرة المنتهي» مؤسسا ومشرّعا ومخرّبا. وقد يطال التدمير ذات المثقف في حالة صدق قاتلة (خليل حاوي، لويس ألتوسير...). يرى بعض المفكرين ان مسار المفكر الفيلسوف نموذجا هو ممارسة «القول الفاضح» بمعنى احتراف الكشف عن الحقيقة، بسلوكه الكلابي Cynique وهو يمتشق مصباح ديوجين Deogène في وضح النهار ممتلكا الشجاعة والتماسك الذي مكنه من ان يقول للاسكندر المقدوني : «تنحى عن شمسي» ُtes-toi de mon soleil أليست هذه احدى الاوامر كعلامة للسلطة المشرعة للقول المؤسس؟ للسلطة التي تليق بالمثقف؟