بعد أن رأينا أهم اختصاصات محكمة الناحية، نواصل النظر في المسائل الاجرامية والمعرفة القانونية، هذه المرة في كل ما يتعلق بالمحكمة الابتدائية التي تشكل العمود الفقري للنشاط القضائي بتعدد اختصاصاتها وانتصابها بمقر كل ولاية، فهي تستوعب ما يقارب 70 بالمائة من مجموع نشاط كافة المحاكم بمختلف درجاتها. وللمحكمة الابتدائية مكانة متميزة في التنظيم القضائي التونسي سواء من جهة موقعها الجغرافي أو من جهة اختصاصها المزدوج، فهي من ناحية أولى محكمة ابتدائية الدرجة اذ تنظر في جميع الدعاوى عدا ما خرج عن نظرها بنص خاص، وهي من ناحية ثانية محكمة استئنافية، اذ تقضي نهائيا في القضايا المحكوم فيها ابتدائيا من قبل محاكم النواحي أو مجالس الشغل أو قضاة الضمان الاجتماعي الراجعين لها بالنظر. وتدعّم النشاط القضائي للمحكمة الابتدائية في المادة المدنية طيلة السنوات الأخيرة بموجب الاصلاحات التشريعية التي أدخلت على عديد القوانين والتي جاءت مواكبة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد، ويتضح ذلك بالخصوص من خلال احداث خطط قضائية جديدة على غرار قاضي الأسرة وقاضي السجل التجاري وقاضي المؤسسة وقاضي الضمان الاجتماعي، وبعث دوائر تجارية ودوائر جبائية مختصة. كما تعزّز هذا النشاط في الميدان الجزائي من خلال ارساء المشرّع لآليات جديدة ترمي الى توفير مزيد من الضمانات في طوري المحاكمة وتنفيذ العقوبة على غرار التقاضي على درجتين في المادة الجنائية وإحداث مؤسسة قاضي تنفيذ العقوبات وتدعيم صلاحياته. وتنامي دور القاضي في هذه المنظومة القضائية من خلال دوره في الصلح في المادتين المدنية والتجارية وتحميله واجب بذل العناية قصد التوفيق بين الأطراف المتنازعة قبل النظر في الخصومة. كما أصبح بإمكان النيابة العمومية اجراء الصلح بالوساطة في المادة الجزائية في الحالات التي حددها القانون. وسيتمّ التطرّق خلال هذا الركن الى اختصاصات المحكمة الابتدائية في المادتين المدنية والتجارية بفرعيها القضائي والولائي والى اختصاصاتها في المادة الجزائية في الجانبين القضائي والاداري من خلال الرجوع الى ما أصدرته التفقدية العامة بوزارة العدل وحقوق الانسان (دليل اجراءات المحكمة الابتدائية) أو الى المجلات القانونية المختصة.