وزير الشؤون الاجتماعية : نعمل على إدخال تنقيحات على منظومة الكفالة تتيح للأسر التونسية رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة فاقدي السند    وزير التجهيز: أشغال مشروع مستشفى الدهماني ستبدأ فعليا سنة 2026    عاجل/ بسبب سوء الأحوال الجوية: ال"CTN" تصدر بلاغ هام وتعلن..    عاجل/ إسرائيل تعلن استهداف جامعة الإمام الحسين في طهران..    السيسي يوجه رسالة لترامب لوقف الحرب    بين تونس والبرتغال... هل خسر يوسف الشرميطي الرهان؟    بطولة النخبة لكرة اليد: مواجهات قوية في الجولة السادسة لمرحلة التتويج    برد، تبروري، وثلوج: عودة شتوية قوية للتوانسة الّي خفّفوا اللبسة..    توزر: اختتام المهرجان الدولي للطائرات الورقية بعد ثلاثة أيام من الورشات والخرجات السياحية    العلم يقول اللي أحكم قراراتك تاخذها في العمر هذا    مفاجأة علمية: مادة بسيطة موجودة في البيض واللحم قادرة تحميك من القلق !    بسيطرة مطلقة: المنتخب الوطني يفرض كلمته في بطولة إفريقيا للجودو    عاجل/ الحرس الثوري الايراني يعلن مقتل هذا القائد..    زلزال بقوة 5.1 درجة يضرب هذه المنطقة..#خبر_عاجل    عاجل/ تزامنا مع ارتفاع الاستهلاك: رئيس الغرفة الوطنية لموزعي قوارير الغاز المنزلي يكشف وضعية التزود بالغاز..    عاجل/ بشرى سارة للتونسيين بخصوص نسبة امتلاء السدود..    ركبتك توجع فيك؟ : هذه حقيقة ''البرد'' اللّي يهرّي القروش    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا بتهمة التجسس    تفاصيل صادمة: شاب راشد متهم بالاتجار بالبشر وقاصر يروج المخدرات    الرابطة الثانية: تعيينات منافسات الجولة الثامنة إيابا    الرابطة المحترفة الاولى: روزنامة بقية جولات البطولة    طهران: نحن من يحدد نهاية الحرب    عاجل: تقلّبات جوية بهذه المناطق وتحذير مهمّ لمستعملي الطريق    فرنسا تستعرض قوتها وعمق تشكيلتها في الفوز 3-1 وديا على كولومبيا    ترامب: إيران ستسمح بمرور 20 ناقلة نفط عبر مضيق هرمز    إسبانيا تغلق مجالها الجوي أمام الطائرات المشاركة في العمليات ضد إيران    البنك المركزي يوقف تمويل بعض السلع... شنوا يعنيلك هذا كمواطن؟    وزير الشؤون الدينية يفتتح الملتقى التكويني لمؤطري الحجيج التونسيين استعدادا لموسم حج 1447ه/2026م    عاجل: القيروان... يطلق النار على زوجة والده بسبب الميراث... تفاصيل صادمة    البطاطا والطماطم والفلفل... الأسوام اليوم في السوق البلدي بأريانة    حضور لافت للسينما التونسية في الدورة 15 من مهرجان الاقصر للسينما الأفريقية    البنك الافريقي للتنمية ينظم الدورة العاشرة لسوق الطاقة الأفريقية يومي 8 و9 أفريل 2026، بالغابون    منشور للبنك المركزي يحد من التمويل : شنوا تأثيروا على أسعار الكراهب ؟    تأجيل محاكمة والي منوبة الأسبق أحمد السماوي في قضية فساد    التلميذ التونسي يقرى بكتب مدرسية من عام 2004 !!!    السينما التونسية تتألق دوليا بتتويج ظافر العابدين في مانشستر... فيلم 'صوفيا'    بنزرت: إنقاذ كهل بعد سقوطه في البحر والبحث متواصل عن مرافقه    خطير/ كلاب سائبة تنهش سيّدة بكورنيش حمام الأنف..وهذه التفاصيل..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب    كأس تونس: برنامج مقابلات الدور ثمن النهائي    4 عادات يومية على مرضى السكري الابتعاد عنها... التفاصيل    وزير التشغيل يبحث مع مدير عام شبكة اليونسكو يونيفوك،أفاق تطوير المنظومة الوطنية للتكوين المهني    تصعيد رسمي مغربي بعد "استعراض مثير" للسنغال في باريس    معركة «هرمجدون» (Armageddon) في الرؤية اليهوديّة    سباق محموم على الذاكرة التونسية.. من يحمي ما تبقّى من تراثنا؟    من دراما رمضانية إلى منصة عالمية ...جينيريك مسلسل وادي الباي «ذيب شارد» يكتسح العالم    في معرض ليبيا للغذاء ...تونس تتألق وتعزّز حضورها الإقليمي    مع الشروق : من موقعة «الجمل» إلى موقعة الصواريخ فرط الصوتية !    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..#خبر_عاجل    قفصة: تنظيم التظاهرة الثقافية والرياضية والصحية "ربيع عليم" في دورتها الأولى بعمادة عليم بمعتمدية السند    الشيخ محجوب المحجوبي: هذي العادة في المقبرة غلط والدين يقول غيرها    عاجل/ فاجعة تهز هذه الولاية..شاب ينهي حياة زوجة والده بطلق ناري..!    جائزة أفضل مخرج لفيلم صوفيا بمهرجان مانشستر السينمائي الدولي    وزارة التجهيز.. استئناف حركة المرور بالمدخل الجنوبي للعاصمة    احسن دعاء للميت    بشرى سارة لمرضى السكري.. وداعاً للحقن اليومية..    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لوحة: نسيج الذاكرة
نشر في الشروق يوم 18 - 06 - 2005

طوت الكتب العلمية وطفقت تتأمل تموجات الروح بين طيات الجسد المتقد بالحركة. كتب الطب ما عادت تقنعها. الاجهاد لم يعد حافزا للراحة. العتمة تتراءى كستائر داكنة عند اليقظة من كابوس الهدوء. هل ثمة ما ينهك الذهن عدا حاجته للاسترخاء. هل ثمة ما يرسم الحياة في جسد نائم يحلم المستحيل؟ وهل ثمة ما يروي جذور الحركة في جسم قابع على كرسي في قارعة الطرق الساكنة؟ الحركة تشع نشاطا. تنهض على أشعة النور، تسكب زيت الوجود، وتحبل جنين الآتي المتوقد. وتزرع الطوق لمعانقة المجهول الكامن في تمثال الجهد، الحركة معاول تهدم الطين المتكلس، تنفض الغبار عن روح الجمال المنحبسة في القاع. الروح تتسع في شعاب القلب المشتعل، تدفق نافورة الجدوى في الجسد فينهض متموجا كما تندفع الأمواج في سيرها الأبدي نحو الشاطئ ويرتد إلى العمق مكسوا بالنبضات.
فتحت كتابا علميا، تصفحت صورة الجسد، كان متجزءا تبرز منه الشرايين والأوردة. وتنتفخ فيه العضلات وتتقلص وتتراءى الأعضاء الداخلية كقطع معطبة. ولا حركة تدل على عودة الحياة إليها. إنها تشعر بالغثيان كلما تمثل لها جسدها على تلك الصورة. وتتقيؤ القبح المنبعث من داخلها. كلما اكتست نفسها بالازدراء. وتصرخ:
ما هكذا تواجهنا صورة الجسد!
تحرك أطرافها، تدير رأسها، يتمرد جسدها على الاجهاد، تنهض، تدفع إحساسها نحو حركاتها المتناسقة وتدور كفراشة تهوى اللهب. تطوق يديها بحركات دائرية ثم تفتحهما فتنحل الدائرة. ثم تتشكل من جديد.. تتفتح الأيام وتنغلق. وتواصل الأرض دورتها مستنهضة الجسد المتوثب.
خمنت أنه بات من الضروري القيام ببعض التمارين الروحية الصعبة، فقد كانت تعود دائما إلى كتاب حول علم النفس العميق.. لأوسبنسكي.. تمرنت من خلاله على تمارين اليوغا، أضحت حاجتها لاكتساب قوة خارقة أمرا ملحا. فهناك عمل كبير ينتظرها. ذلك ما ردده أحد أساتذة.. أوسبنسكي: «لا يمكن أن نقوم بعمل كبير مادمنا مستسلمين لكل شيء عادي ومريح» فما كان منها إلا الرغبة في القيام بجهد ما عوض الاستسلام لحاجة جسدها المتعب، فتحت شباك الغرفة، لمحت بعض الأشجار المتعانقة وقد انتشر على أوراقها ماء المطر. فأضحت أكثر نصاعة وخضرة. تناولت كأس الماء وطفقت تنظر إلى الشجرة بتركيز. فثبتت عيناها في نفس الاتجاه أبصرت نقاط مختلفة تشكل صورة منقطة. بدت كمسامير دقت على لوح خشبي. توقف خيط تفكيرها وهي تربط هذه النقاط. النقاط تحولت إلى دوائر صغيرة، عمقتها قطرات المطر العالقة على الأوراق توجهت لماعة فانبسطت أسارير وجهها وقد راودها جمال المشهد. انفتح فمها تدريجيا. انبعثت منه أصوات خفيفة، بدا لها أنها تتكلم بلغة مختلفة تستمد حروفها من تلك النقاط التي شدتها بقوة مغناطيسية. لم تع تقلص عضلاتها وتجمد الدم في عروقها وثبات وقفتها. ولم تعد تنتبه إلى ما يدور حولها. دق الباب دقات متتالية، ثم دخلت أختها نادتها.
هدى.. هدى..
لكنها لم تعد تبالي بأي صوت بل صارت مشدودة إلى الشجرة. اقتربت منها ورتبت على كتفها تحاول ايقاظها من حالة الذهول واخراجها من دائرة الاستغراق.. فشهقت.. وسقطت الكأس..
اتجهت نحو باب الغرفة تغلقه. ثبتت يدها على المفتاح لتشعر أنها محاطة بأسوار آمنة وبباب مغلق. ضغطت على رقبتها بكلتا يديها وشعرت بحاجة لتواصل تمريناتها. تمددت، أرخت عضلاتها وركزت انتباهها على حاسة الشم. تناهت إليها روائح الخشب القديم وانبعثت في أرجاء الغرفة. حولت انتباهها نحو أذنها فتناهى إليها عزف الريح آت من بعيد. الرجل اليمنى صارت ثقيلة. أما اليسرى فقد توهجت بالحرارة. تكورت اليد اليمنى كأنها تمسك كرة حديدية ثقيلة تمدّها إلى الأخرى.
استمعت إلى نقرات المطر على الشباك تطرق نفسها بإلحاح. تطهر هواجسها. تؤكد لها أنها خارج ذاتها. طفقت تنظر إلى السقف بقلق كأنها تبحث عن منفذ من الغرفة والركض بعيدا.. الطقس في الخارج ينبئ بحالات متقلبة. اندفعت زخات المطر صاخبة ترتطم على النافذة والجدران كأمواج البحر العنيف. تراءت السماء مظلمة فعزفت عن رغبتها في الخروج.
بدت أجواء الغرفة حميمية وفرت لها الهدوء الذي تود تحقيقه وبلغت حالة قصوى من التركيز الذي لم تبلغه من قبل. فالريح التي تعصف بالأشجار لم تعد تضج بالصور الصاخبة، وشعرت بتفكيرها يجد نقطة الارتكاز التي ناشدها. نقطة تلتقط أصداء الروح وألمتها. تسترسل نقاطا لتتخذ أشكالا دائرية تنفتح كما تنفتح الزهرة فجرا. مضمخة بالندى وبعطر الجمال.
هل يبدأ التفكير من هذه النقطة، هل يتخذ الصور لتسطير تأملاته. أهل تصطدم أسطره بالمشاهد الممتدة حوله تنعكس عليها تعبيراته. بدا لها أن تفكيرها استرسل خارج الغرفة، خارج الطبيعة تضج من حولها. تجرّد من الصور واخترق ظلالها الداكنة وقوع ربى الحيرة في نسيج الذاكرة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.