عادة لا يعلّق المواطن العربي أيّة آمال على القمم العربية بل انّ أغلبية الجماهير تعتبرها ملتقيات شكلية لتأكيد اختلافات العرب في ما بينهم وتبيان ضعفهم في ايجاد الحلول لأبسط الهنّات التي تعصف بوجودهم الجغرافي والتاريخي والحضاري والثقافي والسياسي. في هذا المنظور تنزّلت الخمس عشرة قمة الفارطة بما عرفته من انشقاقات وتباينات عمّقت الصراعات وسحقت في مهدها كلّ خطوة جرىئة كان بإمكانها اختصار رحلة الألف ميل الى لحظة نقد ذاتي يقطع مع الهودج ويعيد تنظيم وترميم قافلة الخلاص. وفي هذا المنظور تشكّل اليأس العربي وفي هذا المنظور أيضا فقدت الجامعة العربية شرعيتهاكمرجعية سياسية قادرة على إنتاج موقف موحّد بإمكانه التنزّل دوليا كقوة ضغط بل قوّة أمان يستند إليها العرب لحماية وجودهم ومصالحهم حاضرا ومستقبلا. خمس عشر قمة للوك نفس المشكلات على خلفيّة تناقضات ايديولوجية جوهرية حصرت أزمة العرب في القضية الفلسطينية كالشّعرة القاسمة لظهر البعير والشالّة لحركته والمعيقة لتقدّمه. والسؤال المطروح من يزعجه قيام البعير؟ إنّ القضية الفلسطينية بما تمثله من شعرة عالق بحلق ا لعرب تمّ استخدامها أحسن استخدام من طرف كلّ القوى المناوئة للوطن العربي وتوظيفها توظيفا استراتيجيا لإلهائه عن الانطلاق في بناء وحدته على أسس متينة وقواعد عقلانية من شأنها تبليط الطريق لتحرير فلسطين بعد تحرير الجماهير العربية من براثن التخلف والانطواء على تاريخها بشكل عاطفي لا يسمح بالقفز نوعيا ونقديا لكسر عقدتنا النفسية على أنه ليس بإمكاننا الالتحاق بالآخرين لا علميا (عسكريا) ولا ثقافيا ولا حتى اجتماعيا. وإن كان ولا بدّ من التذكير بأنّ القضية الفلسطينية تبقى قضية جوهرية فذلك لا يعني منع أصوات العقل من حرية التعبير عن رأيها في مشاكل العرب وطبيعة الأزمة التي يعاني منها. لا بدّ إذا من فهم موقف تونس على أنّها سعت الى أن تكون القمة السادسة عشرة قمة نوعية يتحدث فيها العرب بكل صراحة وبكل شفافية ويشخص فيها الداء على خلفيات عقلانية ونقدية بعيدا عن المصلحية الضيقة والاعتبارات الذاتيةالتي أيّما أفسدت قمم وعمّقت الهوة بين القيادات والقواعد. الديمقراطية والمجتمع المدني والمرأة والحريات هي الطريق شئنا أم أبينا لتحرير فلسطين والعراق وجزر أبي موسى والجولان ومزارع شبعا. هي الطريق كذلك لانقاذ السودان والصومال وجزر القمور هي الطريق أيضا للقطع مع التخلّف والفقر والجهل والمرض واليأس والاحباط. لا بدّ للمواطن العربي من خليجه الى محيطه أن يفهم أن المشروع التونسي مشروع شجاع وتقدّمي وثوري. البديل التاريخي لنصف قرن من المغامرات والمناورات والإفلاس العربي. وإن كان ولا بدّ أن تؤجّل القمة فلتؤجل على أن لا تنجز وقد فوّتت الجماهير العربية عن نفسها فرصة تاريخية أملاها الضمير على بلد رأى أن من واجبه أن يفطّن للمشكلات الحقيقية والجوهرية التي تعيق العرب عن التقدّم والرّقيّ.