ليس في قرار تونس تأجيل القمة إلا نداء آخر لصحوة عاجلة لضمير غفا من سنين وعفا عليه الزمن.. إن في هذا القرار دعوة مكرّرة، مع نداء الواقع المأزوم، والغني بالمفارقات والخلل، ليراجع القوم حساباتهم، ويلتفوا في سبيل تدارك ما فاتهم.. ويجمعوا رأيهم مرة على ما ينفعهم ويعيدهم الى سطح الأحداث.. فما تجدي القمة الروتينية التي تعقد على عجل.. وما تضيف ولو كان العرب بين فكي سبع.. ومصيرهم بين أيدي غيرهم ومآلهم على كف عفريت.. إنّ في القرار الذي ذهل له وصعق وبهت الذي.. ألّف رسالة ومليون مفتاح هاد الى ترياق من شأنه معالجة أسباب الانهيار والانحدار بما يمكن أن يطبخ عندنا من أفكار ومشاريع حلول.. إن في ذلك التحدّي (السؤال) القرار مدخلا لأعمال الفكر والالتقاء بعيدا عن الحسابات الضيقة والتأويلات المفرغة من مضمونها، والنزوات القافزة على اللحظة والمكان.. عجبا لهم وتونس لمن ترهّلت ذاكرته القدوة والحكمة والفكر الرشيد حتى وإن كان الرأي في مرارة الدواء.. الذي لا بديل عنه لمن يبغي الشفاء.. وإن في تونس رأيا رشيدا وجمهورا واعيا يأبى أن يتنكب السبيل الى القضية، الى نصف حلها، ويرفض أن يستبدل بداية الحل بالحلم والشعار الجميل.. إن تونس التاريخ القريب والبعيد، وتونس المجد الحضاري العربي الاسلامي، وتونس العروبة والوطنية النابضة وتونس الحكم الرشيد والمجد التليد.. هي دوما حصن منيع لفلسطين وحضن للأشقاء.. إنها بيت العرب وإنها حاملة الأمل الذي لا يخيب.. انتظر العرب عقودا وسنين.. وهانت وفي كل مرة فوّت العرب موعدهم مع الزمان وكثرت المتاعب والتحديات والخطوب، وضاقت الدنيا عليهم.. وتأجل الموعد الى حين يفيق العرب وينتبهوا الى أن الأمر جدّ.. وأن العودة الى مصافحة التاريخ يستدعي شحذا للهمم وهبة صادقة.. هل يجدي لنا أن نخطئ من دعا الى احكام التشخيص لضمان أنجح سبل العلاج واستئصال الداء.،. ويعود سؤال الحلم المؤجل/ المغدور.. ما حقيقة ما جرى للمشروع العربي.. لماذا ظلّ الحلم حبيس أغنية الحلم العربي.. لماذا لم ينجح مشروع وحدة عربية واحد؟ لماذا لم يتم نزع فتيل نزاع بلدين عربيين إلا ليولد مصدر خلاف جديد.. إن حال العرب يؤكد ان الاجتماعات والندوات والدراسات ومراكز البحث، وهيئات التنسيق والتشاور والتعاون الثنائي والاقليمي لم تزدهم عن الأمل الأسمى إلا بعدا ونفورا.. وهو ما يشهد عليه مليارات من تابعوا على الهواء مسرحيات القمم العربية الأخيرة.. حيث كان بعض أبطالها أبعد ما يكونون عن مصاف الأمل المعلق عليهم.. يتدحرج مع الأيام الرصيد القومي العربي.. وينحسر على الصعيد الرسمي تنفيذ الحلم المشترك.. تتوحّد كل الأمم ويزداد مدى الفرقة بين الأقطار العربية حتى يجزم كل متابع محايد أن الحلم بات مستحيلا.. لأن أحدا لم يشأ.. ولم يصادر حلمنا أحد.