فجيج بني خداش بين الأمس واليوم بقلم المربي: عبد الله العياشي (قابس) خلال شهر سبتمبر 1964 اتصلت بتسميتي كمعلم بفجيج بني خداش ولم تكن لي أية فكرة عن تلك المنطلقة وأنا في التاسعة عشر من عمري، رافقني والدي آنذاك ولما وصلنا مدنين وأردنا التوجه الى بني خداش لم نجد وسيلة سوى حافلة غريبة النوع. إنها شاحنة كبيرة الحجم أدخلت عليها تحسينات وتغييرات كي تعبر تلك الطريق الصعبة والمعقدة بعضها معبدة والكثير منها مسالك يصعب تعبيدها. وما إن خرجنا من مدنين حتى بانت لنا سلسلة جبال شاهقة تناطح السماء محاطة بأرض قاحلة أتلف خضرتها وجرد أشجارها جفاف سنوات متتالية ضرب الجهة. وما أن بلغنا جبل عين العنبة حتى تغير صوت محرك الحافلة وأصبحنا نسلك مسلكا جبليا ملتويا. وتعالت الدعوات كي نجتازه بسلام نظرا لصعوبة المسلك الجبلي التي أدت الى عديد من الحوادث القاتلة. بعد عناء كبير وخوف شديد بلغنا قمة الجبل وبانت لنا قرية بني خداش بجبالها الرائعة التي تبهر السائح وترهب الساكن بين أحضانها، حمدنا ا& على سلامة وصولنا الى وسط القرية ولكننا تعرضنا الى مشكلة النقل الى مركز عملي بالفجيج الذي يبعد عن القرية خمس كيلومترات وبعد عناء طويل ساعدنا بعض أعيان الجهة حيث اتفقنا مع صاحب شاحنة صغيرة اوصلنا الى المدرسة وهي عبارة عن قاعة ومسكن وحيد يسكنه المدير. لم أشاهد أبنية ولا أناسا سوى بعض الحفر تحت الارض كاد ينهار بعضها لأن أصحابها غادروها في حين استغل الباقي للسكن اذ أصرت بعض العائلات على البقاء متحملين الصعوبات المادية والمعنوية. انها منطقة جبلية تنعدم فيها أبسط المرافق الضرورية أولها المسكن والمستلزمات اليومية. قضينا الليلة الأولى (أنا ووالدي) عند السيد مدير المدرسة ومن فجر الغد نهض والدي وطلب مني العودة معه وترك العمل هنا لكن حب الاكتشاف ومحبتي المفرطة للتعليم فرضا علي البقاء. باشرت عملي في ظروف صعبة للغاية حيث قطنت حجرة تحت الارض ودفعت ثمن حفرها من مرتبي وهي خير شاهد على ذلك الى اليوم. كما ان ذكاء تلامذتي شجعني على البقاء رغم كل المعاناة والمشاكل والصعوبات. كانوا قليلي العدد متعطشين الى العلم راغبين في الخروج من ظلمة الجهل الى ما هو أفضل وأسمى. أطفال ريفيون يعملون بكد وجد رغم قسوة الطبيعة والفقر والفاقة. كنت متيقنا من أنهم يريدون الخروج مما هم فيه من ظلام ولكن في حاجة الى يد مرشدة ولهذا رسمت لنفسي هدفا هو المساهمة بكل ما أوتيت من قوة كي أكون نعم اليد المرشدة وأساهم في تغيير أوضاع هذا المكان الذي لمست بالمحسوس فيه طيبة قلوب أهله وحسن معاشرتهم. تواصلت تجربتي هناك سنتين ثم انتقلت راض بما قمت به تجاههم تربية وتعليما. بقيت على اتصال بذلك المكان الذي كانت تصلني عنه دوما أخبار مفرحة ولما أحلت على التقاعد دفعني الحنين الى زيارة تلك القرية الصحراوية فاذا بي إزاء قرية عصرية بها كل المرافق الصحية: منازل مجهزة بالماء والكهرباء مكان الأكواخ أحداث يتعاطون أنشطة ثقافية متعددة التي كانت حلم أوليائهم سابقا. والذي انشرحت له كثيرا هو توظيف تلامذتي في مراكز محترمة وحتى الذي لم يتمم تعليمه فقد شق طريقه بثبات في ميادين اخرى هنيئا للجميع .