العلم العراقي الجديد صدم جلّ العراقيين كما صدم العرب أجمعين.. صدمهم بشكله وبتصميمه وبألوانه وكلها عناصر تجمعت لتمثل قطعا مع تاريخ طويل ومع ذاكرة جماعية عزيزة على العراقيين... وتختزل حقيقة المؤامرة التي تنفذ ضد العراق والهادفة إلى اقتطاعه من محيطه العربي وسلخه عن كل ما يذكره بانتمائه العربي... ولتكتمل الدائرة فقد جاء هذا العلم أشبه ما يكون بعلم إسرائيل وهو ما ندّد به عراقيون كثيرون.. لماذا أقدم أعضاء ما يسمّى مجلس الحكم العراقي على هذه الخطوة ومجلسهم يلفظ أنفاسه الأخيرة؟ وماهي الأبعاد الكامنة وراء خطوة مماثلة؟ منذ الوهلة الأولى يبوح هذا العلم الجديد بالخفايا والنوايا ويكشف حقيقة الأيادي التي هندسته في الخفاء وأخرجته بمثل هذا الوجه الذي يحيل رأسا على العلم الإسرائيلي الذي يلتقي معه في الشريطين الأزرقين وفي الألوان الزرقاء والبيضاء والتي أضيف إليها شريط أصفر للتمويه... وهي الملاحظات التي أبداها الكثير من العراقيين الذين تهافتوا على شراء العلم القديم صونا لتاريخ امتد على مدى 80 عاما وحفظا لذاكرة جماعية توارثها العراقيون جيلا بعد جيل.. قد يقول قائل : ومادخل العرب في مسألة كهذه يفترض أنها تخص الشعب العراقي دون سواه؟ وللإجابة نقول أن هذا الاحتراز يكون وجيها ومقبولا في الظروف العادية.. فلو كان العراق مستقلا ولو كان الشعب العراقي يتمتع بسيادته ولو كانت هناك حكومة مستقلة وعرضت المسألة على استفتاء شعبي أو نظمت استشارة شعبية قال فيها العراقيون كلمتهم بكل حرية ودون أية ضغوط لكان هذا الاحتراز مقبولا... أما وأن هذه الخطوة جاءت والعراق يرزح تحت الاحتلال وبواسطة مجلس حكم مؤقت يلفظ أنفاسه الأخيرة.. كما أنها تمت دون استشارة الشعب العراقي الذي لم يعبّر عن إرادته الحرة واختياره المستقل.. أما وأنها استهدفت حضارة العراق وعروبة العراق وانتماء العراق لأمته العربية فإنها تعنينا بالكامل.. تعنينا من باب نصرة شعب شقيق استبيحت سيادته وكرامة شعبه وتداس حريته تحت نعال المحتلين وجنازير دباباتهم.. ويخضعون فوق هذا لأخبث عملية سلخ ومسخ.. سلخ من محيطه ومن انتمائه العربي.. ومسخ لذاكرته ولكل شيء شده إلى تاريخه وحضارته وأمته العربية.. كما تعنينا من باب الوفاء لهذا الشعب الذي كان على الدوام في الصفوف الأمامية يدافع عن شرف الأمة وكرامتها ويقارع الصهاينة ويرد كيدهم في فلسطينالمحتلة وفي ساحات النزال في الجولان وفي سيناء.. والأكيد أن الحاقدين الذين دبروا وخططوا وتواطأوا لإدخال العراق إلى هذا النفق المظلم يريدون من هذا العراق الشامخ أن يدفع الفاتورة ثم ينسلخ نهائيا عن جذوره وعن أمته العربية ليصبح كيانا بلا لون ولا رائحة يصلح مرتعا للصهاينة ومخزن نفط ينهبه المحتلون وبقعة أرض ليتخذونها منطلقا لتنفيذ مخططاتهم الاستراتيجية للمنطقة وللعالم. فماذا يعني أن يغيب اللون الأسود والأخضر والأحمر والتي شكلت ثوابت العلم العراقي لمدة 80 عاما بما يجعلها ضاربة في التاريخ وبعيدة عن النظام السابق. وما معنى أن يصدم العراقيون والعرب بتلك الأشرطة الزرقاء والبيضاء والتي تحيل إلى ألوان العلم الإسرائيلي وتبقى قابلة للتأويل لتوحي بدل دجلة والفرات بالنيل والفرات وهما الحدود الصهيونية لما يسمى إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات؟ وما معنى أن يرمز لأكراد العراق وهم أقلية (وان كان يرجع للعراقيين تخصيصهم بشيء لو أرادوا) دون أن يرمز لعرب العراق وهم الأغلبية الساحقة وهم العنوان الأول والآخر للعراق منذ الدولة العباسية وما قبلها بكثير؟ وما معنى أن يتخذ مجلس هذه الخطوة وهي بالتأكيد من بين آخر قراراته قبل جلاء الاحتلال دون الرجوع للشعب العراقي؟ وما معنى أن تأتي هذه الخطوة في سياق هجمة صهيونية حاقدة تهدف إلى عزل العراق عن محيطه العربي في حركات لا تخلو من رمزية من قبيل تعمّد طلاء سيارات الشرطة العراقية باللونين الأزرق والأبيض (يا للمصادفة) ومن خلال تكرر هذين اللونين في الكثير من المواقع الراجعة لهذا المجلس الموقر. أسئلة تبقى تطارد هذا العلم الجديد إلى اليوم الذي يستعيد فيه الشعب العراقي سيادته واستقلاله ويعبّر عن إرادته بعيدا عن أية وصاية أو ضغوط فيعمد إلى إلغاء هذه «الهدية» الجديدة التي قدمها مجلس الحكم للمحتلين والحاقدين تحت لافتة القطع مع النظام السابق.. لأن القطع في واقع الحال تم مع ذاكرة شعب وتاريخ دولة وعنوان انتماء... وهذه ثلاثية مقدسة لا يجوز المساس بها والبلد يرزح تحت نعال المحتلين.. والأكيد أن هذا العلم الجديد سوف يعطي الشعب العراقي سببا إضافيا للثورة واسترداد سيادته وتصحيح هذه القطاعات التي ترتكب في حق العراق وشعبه العظيم..