أشهر من نار على علم في مدينة الهوارية وعشقه لعالم الطيور والجوارح دفع بعضهم الى تسميته بالعصفور، عمل حارسا لمدة 33 عاما في جزيرة زمبرة وعندما تقاعد من العمل ترك ابنه يحرس احدى أبرز المحميات في تونس. هو عبد الله بن ظافر، له 11 ابنا، دخل زمبرة عن طريق الصدفة حيث التقى ذات مرة بشخص ألماني اسمه «فنزال» تدخل لفائدته لدى السلط آنذاك وأقنعهم بأنه أفضل من يحرس زمبرة. يقول العصفور عن هذه الواقعة: «لم يصدق الالماني أنني تونسي، ومن سكان الهوارية، فهيأتي أوحت له على ما يبدو بأنني رجل أجنبي. وبعد تبادل الحديث خرج بقناعة مفادها بأنني خلقت للعيش بين الطيور والعصافير والكواسر». * صياد ماهر لكن كيف تمكن هذا الرجل من التأقلم مع حياته الاستثنائية؟ يجيب عبد الله بن ظافر بكل فخر واعتزاز: «حبي للطيور لا يوصف، لذلك كنت أحب البقاء في زمبرة، وأمارس مهنتي بكل حب وتفان. كما أنني صياد ماهر بشهادة الالماني «فنزال» وسكان الهوارية أنفسهم فأنا قادر بخرطوشة واحدة على إصابة سيجارة في فم أحد الاشخاص، مما أهلني للبقاء في زمبرة والسهر على حراستها في ظروف صعبة جدا. وكنت أترك الجزيرة كل 3 أشهر ونيف لرؤية أفراد عائلتي ثم أعود اليها مسرعا كأنها تنتظرني ونادرا ما تتجاوز مدة غيابي عنها أكثر من 3 أو 4 أيام». وماذا عن ظروف العيش في الجزيرة قبل أن ينضم الى صفوف المتقاعدين منذ حوالي 12 عاما؟ يقول العصفور في هذا الصدد: «كنت أستخدم القنديل للاضاءة وإذا أصابني مرض أو توعك أستعمل الاعشاب والطرق الطبيعية والتقليدية في العلاج، أما الآن فإن الوضع تحسن كثيرا، وأصبحت الحياة في الجزيرة عادية». ويضيف العصفور كاشفا المزيد من الاسرار عن حياته في المحمية المشهورة: «في احدى المرات اضطررت الى تناول المقرونة بالسكر لمدة 8 أيام بعد أن نفد الطعام. كما أنني كنت أستعين بشعاع الشمس أحيانا لاشعال النار في غياب أي طريقة أخرى. لقد كانت حياتي أشبه بحياة المغامرين من أمثال «روبانسون كروزوي». فقد قمت باستغلال الارض لزراعة الخضروات مثل الطماطم والفلفل والبصل. كما كنت أربي الدجاج في مكان خصصته للغرض. هكذا كانت حياتي لكنني لم أشعر لحظة بالضجر أو الخوف». * حب خرافي وسألت العصفور عن إحساسه بعد التقاعد؟ فقال: «بمجرد الدخول في التقاعد أصابتني نوبة بكاء وأردت الانتحار لكن الاصدقاء أقنعوني بأن الجزيرة موجودة وبالامكان زيارتها في أيوقت وهذا ما دأبت على القيام به منذ تقاعدي فأنا أزور الجزيرة وأمضي فيها في كل مرة أسبوعا أو أسبوعين. فأنا تربيت بين أشجارها وطيورها وطبيعتها الجميلة وحبي لها يفوق الوصف». وختم العصفور حديثه طالبا العفو من زوجته التي تعبت كثيرا في رعاية الابناء وكانت خير سند له. يقول عبد الله بن ظافر: «زوجتي امرأة غير عادية، تكبدت الكثير من المتاعب في سبيل تربية أبنائي والسهر على راحتي. وأرجو منها أن تسامحني على هذا الارهاق والتعب بسبب تحملها المسؤولية العائلية بمفردها وتربية عدد كبير من الابناء. وما كان لي أن أنجح في مهمتي الشاقة لولا صبر زوجتي وتفانيها في خدمتي. أما على المستوى الشخصي فقد ساهمت التجربة العجيبة داخل جزيرة معزولة في تقوية عزيمتي والرفع من قدرتي على تحدي الصعاب مهما كان حجمها وكان جزائي الشهرة داخل الهوارية وخارجها وعدة جوائز في تونس، ومن منظمة اليونسكو نفسها تقديرا لاجتهادي في العمل. * الهادي الجويني