سأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه الرّجل: أنت أويس بنُ عامر!... قال: نعم!... دقّق عمر يريد التأكّد: من مُرادٍ ثمّ من قَرَنٍ!... قال: نعم!... وثّق عمر نبوّة نبيّه صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم: كان بك برصٌ فبرَأت منه إلاّ موضعَ درهم!... قال: نعم!... زاد عمر: ألك (أو قال) لك والدة! قال: نعم!... قال عمر: سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: "يَأْتِى عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ"، فاستغفر لي... فاستغفر له!... صحابيّ جليل هو ثاني الخلفاء الرّاشدين، هو أوّل شهداء الخلافة الرّاشدة، هو أحد العشر المبشّرين بالجنّة، يطلب الاستغفار من تابعيّ كريم من أهل اليمن!... قصّة صحيحة وردت في الصحاح، ذكرها الإمام الخطيب محي الدين عوينات - خطيب مسجد الوقف الاسكندنافي في كوبنهاغن العاصمة الدّنماركيّة – حفظه الله وبارك فيه، في معرض حديثه عن برّ الوالدين!... هذا البرّ الذي رفع أويسًا البارَّ بأمّه إلى مقامات مستجيبي الدّعاء!... موضوع مهمّ قيّم خصّص له الشيخ عوينات سلسلة، حضرنا من حلقاتها خطبتين، قصد منه إصلاح المعوجّ وتثبيت حُسن الأخلاق ومكارمها، هدف به إلى ترقيق القلوب وتليينها وإغراء الأبناء – ونحن أبناء وإن غزا رؤوسنا الشيب – بثمرات طاعة الوالدين وبرّهما والإحسان إليها!... موضوع نبّه به إلى قيمة طاعة الوالدين وكيف ارتبطت بطاعة الله جلّ في علاه مستشهدا في ذلك بالآي الحكيم وبالحديث الشريف، مشيرا إلى أنّ الطريق إلى الجنّة – وكلّنا يريد الجنّة – لا تكون معبّدة إلّا بأمرين أساسيين: توحيد الله وطاعته ثمّ طاعة الوالدين وبرّهما والإحسان إليهما!... أكثر الشيخ من الشواهد حسنها وقبيحها، ما يُرغب فيها وما يُنفر منها، غير أنّه أخذني بقصّة أذابت منّي النّفس وأدمت فيّ القلب وأجرت لي العين بأحرّ مائها، أُورِدُها هنا للعبرة، أطمع بها في أوبة العصاة وإقلاع العاقّين عن عقوقهم آبائهم وأمّهاتهم!... قصّة قد يكون أكثركم سمع عنها من قبل ولكنّي أرى في إعادة سماعها خيرا مؤكّدا لمن استدعى نفسه إلى الوقوف بساحات العِبر، وإنّي إذ أحكيها بجملي ومفرداتي فلأنّي لم أحفظ مفردات الشيخ ولم أدوّن جمله، وإنّي إذ أتصرّف فيها أو في خاتمتها فلأنّي كنت أشعر بإحساس هذه الأم "العوراء" لمّا دمعت عيناي أثناء الخطبة: فقد كان الطالب متحرّجا من وجود أمّه "العوراء" ضمن عملة المطبخ المكلّف بإعداد وجبات الأكل لطلاّب المدرسة التي يزاول به التعلّم!... وقد كان يبذل كلّ الجهد كي لا يتفطّن أقرانه لما يربطه بتلكم "العوراء"... ويوم أن وقع في مشكلة تدخّلت المسكينة لمساعدته فما كان لمساعدتها شاكرا ولا بها معترفا!... مرّت الأيّام ثقيلة عليه في تلكم المدرسة!... نجح في الدراسة الإعداديّة فالثانويّة!... كان متفوّقا فاختير لإتمام دراسته بالخارج!... بذلت كلّ ما تملك من جهد لمساعدة فلذة كبدها!... سافر!... درس!... نجح فتجرّج!... بات من أعيان البلاد أو من أعلام التربيّة فيها!... تزوّج!... أنجب!... كبر الأطفال دون المرور بهم ربّما بدور المساكين لتليين قلوبهم وترقيق مشاعرهم!... نفذ صبر الأمّ "العوراء" فقرّرت زيارته بعد أن حصلت على عنوان بيته الجديد!... كان بالدّاخل متلهّيا ربّما بما أنساه حضن أمّه لمّا سمع صياح أولاده يستغربون وجود "العوراء" بباب دارهم!... يستهزئون بها!... يسخرون منها!... يخشون اقترابها أو التأذّي بهيأتها!.. كان رحيما بأولاده شفوقا عليهم!... نهرها ثمّ طردها شرّ طردة!... انكسرت قاومت تكسّرت ابتعدت عن بيته تكدّست اعتلّت لازمت الفراش ماتت!... سمع بموتها ككلّ من بلغه خبر الوفاة!... تحامل ثمّ حمل نفسه يحمّلها زيارة بيت أمّه، البيت الذي ترعرع فيه وكبر قبل أن يكابر ويغادر!... استقبله الجيران!... عزّوه كما لو كان ابنها!... سلّموه ورقة قالوا فيها وصيّتها!... قدّر ما في الورقة ولم يقدر!... فتحها قرأها، فإذا فيها: أردتّ ولدي أن أعلمك عن سرّ لم أرد أن يسكن معي قبري دون إذن منك!... فقد كنتَ صغيرا ولدي لمّا تعرّض أبوك رحمه الله وطيّب ثراه لحادث مرور مريع ذهب به!... يومها لم أصب فقط بفقده ولكنّي أصبت كذلك بفقد إحدى عينيك!... ولمّا كنت أنت حياتي وأعزّ وأثمن ما أملك؛ فإنّي لم أتردّد لحظة في التبرّع بعيني كي يستقيم نظرك وتكمل عافيتك وتستوي هيأتك بين النّاس!... واعلم يا ولدي أنّ أباك لم يكن معدما حتّى أعمل بمطبخ مدرستك التي طالك بوجودي فيها حرج أحسستُ به وعايشتُه، ولكنّي قد صرفت كلّ ما نملك عليك كي تسعد، وما كنت أحسب ولدي أنّك بأمّك "العوراء" لا تسعد!... دمت ولدي وأهلك وذرّيتك بخير وعافية وستر وأجاركم جميعا من العمى والعور فإنّهما ما نزلا ببصيرة إلاّ غشّياها!... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!... الدّنمارك في 17 مارس 2012