مجموعة البنك الأفريقي للتنمية تستضيف حوارًا تشاوريًا بشأن الهيكل المالي الافريقي الجديد    التونسية للتموين تطلق أسطولا من السيارات الكهربائية لفائدة أعوانها    يهم المواطنين: تأجيل سداد أقساط القروض في تونس..ما القصة..؟    إيران تعلق حركة السفن عبر مضيق هرمز عقب هجمات الإحتلال على لبنان    التفاصيل الكاملة للبنود العشرة التي اقترحتها إيران لإنهاء الحرب..#خبر_عاجل    عاجل/ ترامب يعلن اتخاذ هذه الاجراءات على هذه الدول..    نتائج قرعة أمم أفريقيا للناشئين: تونس، المغرب ومصر في مواجهة نار!    شراكة أمنية واستراتيجية: تمرين ميداني رفيع المستوى بالمنطقة البترولية برادس    قرابة 7500 فيزا مهنية : فرص سفر وعمل للتوانسة في فرنسا    ضربة موجعة لمافيا "السموم البيضاء": الإطاحة بشبكة خطيرة بحي التضامن وحجز 4 آلاف قرص مخدر    الكاف: ما يقارب 700 حاجا وحاجة في لقاء اقليمي تدريبي على مناسك الحج    بعد الضجة التي أثارها: هذا ما تقرر بخصوص الكلب الموجود بالمستودع البلدي بالمنستير..#خبر_عاجل    النادي الإفريقي: اليوم العودة إلى التمارين .. ورفع شعار "رد الإعتبار"    أبطال أوروبا: برنامج مواجهات الليلة    عاجل/ مصر تطالب بوقف فوري للعدوان على لبنان بعد إعلان ترامب..    مجزرة إسرائيلية في لبنان.. عشرات الشهداء والجرحى بالغارات الأخيرة    حاول سرقة أسلاك نحاسية..إصابة شاب بحروق بليغة..#خبر_عاجل    بعد التقاعد: علاش كبار السنّ يحسّوا بأوجاع مزمنة؟...دكتورة تكشف الحقيقة    يهم الراغبين في زيارة المتاحف والمواقع الأثرية..الدخول مجانا..    بشرى للتونسيين..ودعا ل"باقات" الفارينة..    الاحتفاظ بلاعب كرة سلة بشبهة استهلاك مادة مخدرة    صادم: شاب يطعن شقيقه ووالده بسيف..والسبب صادم..    تونس تشارك ب13 رياضيا في بطولة العالم للتايكواندو للاواسط والوسطيات بطشقند من 12 الى 17 افريل    هذا علاش علّوش العيد غالي    الطب: حميدة مقديش التركي تتوج بجائزة عالمية للتميز!    عاجل/ إحباط عملية ترويج أجهزة غش في الامتحانات..وهذه التفاصيل..    تأجيل النظر في قضية مغني الراب سامارا إلى 23 أفريل    بلاغ هام للجامعة التونسية لكرة القدم..#خبر_عاجل    درّة زروق تتحدث عن تجربة الإجهاض: ''مازلت نحلم بالأمومة''    الدكتورة حميدة مقديش تتحصل على جائزة من المنظمة العالمية للأمراض الجلدية    هافرتس يقود أرسنال للفوز 1-صفر على سبورتينغ لشبونة بذهاب ربع نهائي رابطة ابطال اوروبا    توقيع اتفاقية شراكة بين الإدارة الجهوية لشؤون المرأة والأسرة بنابل والجمعية التونسية للنهوض بالصحة النفسية    ترامب: اتفاق الهدنة قد يمهد ل'عصر ذهبي' في الشرق الأوسط    بروفيسور فنلندي: قبول ترامب بالشروط الإيرانية "استسلام شبه تام"    أغلى لتر ''essence'' في العالم في أي دولة...غير متوقع تعرفش    قبل ما تشري : شوف الفرق بين خبز الفارينة و خبز النخالة ؟    أذكار الاربعاء...ملازمكش تفوتهم    المرصد التونسي للمياه: 167 إنقطاعاً وإضطراباً في توزيع المياه الصالحة للشرب بكامل ولايات الجمهورية خلال شهر مارس 2026    موش كان التاكسي: إضراب 27 أفريل يهمّ برشا قطاعات نقل غير منتظم    هل قرّر يوسف المساكني الاعتزال؟    بين تراجع التزويد وتقاطع المواسم: ما سرّ غلاء المواد الغذائية في الأسواق؟    القائم بأعمال سفارة تونس بلبنان: لا إصابات أو أضرار ضمن أفراد جاليتنا    طقس اليوم: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة    تونس السيارة:أشغال صيانة على الطريق السيارة أ 1 الشمالية    تكريم الطاهر شريعة في الولايات المتحدة: مسار ثقافي بين نيويورك وبرينستون وواشنطن    تراجع أسعار النفط دون 100 دولار وارتفاع الذهب عقب إعلان هدنة أمريكية    جامعة كرة القدم تقر عقوبة الايقاف لمدة أربع جولات في حق اي حكم يرتكب أخطاء فنية    قبل فقدان الذاكرة.. إشارات خفية تكشف الإصابة بالخرف    الكتاب الورقي في مواجهة القراءة الإلكترونية ...صراع البقاء أم شراكةفي المستقبل؟    كيف تُغذّي الصهيونية المسيحية نرجسية ترامب؟    تونس تحتفي مع المجموعة الدولية باليوم العالمي للصحة تحت شعار " معاً من أجل الصحة/ ادعموا العلم"    المركز الثقافي الدولي بالحمامات يستضيف سلسلة من المعارض التشكيلية المتنوعة لفنانين من جنسيات مختلفة    سبادري TN الأسطوري : علاش غالي وعلاش يحبوه ؟    فتح باب الترشح للمشاركة في عروض الدورة 38 للمهرجان الدولي بنابل    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حذار من العقم الاستراتيجي أبو يعرب المرزوقي
نشر في الفجر نيوز يوم 10 - 07 - 2013

كيف نحمي الربيع العربي من أعداء الثورة فنجنب المدافعين عن قيمه الاستراتيجية العقيمة التي يتوخونها في مقاومة المعتدين عن الشرعية في ميادين مصر نيابة عن كل الشعب العربي أو على الأقل عمن شملهم الربيع العربي؟ كيف نبعدهم عن الخطاب والسلوك اللذين يكاد كلاهما أن يجعل النجاح شبه مستحيل لأنه يغفل أمرين جوهريين في كل استراتيجية:
أصل الفاعلية المحركة للجماهير في مقاومة طويلة النفس ومتعددة الكتل.
أصل التأثير في الرأي العام المحلي والدولي بيان الطابع الكوني للمعركة.
فنحن نعيش لحظة صار فيها الصراع على أرض العرب خاصة ودار الإسلام عامة رهانا كونيا. لكن هذا الرهان الكوني ذو وجهين متناقضين. فهو يمكن أن يترجم إلى أحد الرهانين التاليين:
رهان كوني مرغوب فيه دوليا هو رهان الحقوق والحريات ومن ثم فهو قابل للحصول على التأييد الدولي إذا تم التركيز على أبعاده السياسية والحقوقية تقديما لها على الأبعاد الخصوصية.
رهان كوني مرغوب عنه دوليا هو رهان حماية الاستقلال الروحي والقيمي ومن ثم فهو قابل للحصول على الرفض الدولي إذا تم التركيز على أبعاده الدينية والمذهبية تقديما لها على الأبعاد الكونية.
والمعركة هي بين صفين. فأما الأول منهما-صف الانقلابيين- فإنه يدعي تمثيل الرهان المرغوب فيه دوليا ويقدم نفسه جنديا ضد المرغوب عنه دوليا حتى يحصل على التأييد من مستعبدي البشرية فيحكم الناس دون رضاهم ليفرض عليهم تحكمه المستبد والفاسد خدمة للمافية الدولية التي تضفي عليه الشرعية رغم استبداده وفساده.
وأما الثاني منهما-صف المنقلب عليهم- فإنه يغفل عن أهمية هذا المأزق الذي حشر فيه حتى صار وكأنه تمثيله للمرغوب عنه يقتضي حتما العدوان على المرغوب فيه في حين أن الأمرين واحد عند الصادق من نزهاء البشر:
فالاستعمار لا يعادي الإسلام لكونه دينيا بل هو يعاديه لكونه دينا يريد للإنسان أن يكون حرا وكريما وأول شروط الحرية والكرامة أن يكون حاكم نفسه بنفسه.
ومن الحكمة إذن أن تكون الاستراتيجية التي علينا اتباعها ضامنة للنجاح بما نختار من خطاب وسلوك يدحض التهم المستمدة من رد المسألة إلى الرهان الثاني بعد حصرها في عداء لا حقيقة له للرهان الأول وإثبات المزايا المستمدة من رد المسألة إلى الرهان الأول دون التفصي من الرهان الثاني. وإنه لمن الغباء أن يبقى قادة الثورة عازفين عن محاربة الأعداء بسلاحهم فيكتفون بالتعبير عن أحوالهم النفسية أكثر من البحث عن الفاعلية. فحتى لو صح أن المعركة هي ضد الإسلام والمسلمين فإن التركيز على ذلك في الخطاب وفي السلوك تقوية للأعداء وإضعاف للذات. وليس معنى ذلك أننا نخجل من الدفاع عن الإسلام أو نخاف من نتائجه. ما نخجل منه هو في العجز عن الدفاع الناجح وما نخاف منه هو أن يكون المتحمس أكثر ضرر على القضية من أعدائها.
ولنبدأ بالخطاب
عندما تخاطب الجمهور بغير القيم المباشرة التي ثار من أجلها فتحول الكلام كله إلى خطاب ديني بل وأخروي لكأنك متصوف أو مسيحي بمعنى قريب منه خاصة في مجتمع لم يقع فيه اضطهاد ديني (مصر بخلاف تونس) فقد تكون بفعلك ذلك ومن حيث لا تدري داعيا إياه إلى الاستسلام إلى القضاء والقدر بفهم مخالف للفهم الذي جعله مبدأ ثوريا في الشعار المستمد من بيتي الشابي بمعنى الآية الكريمة التي كتب الله فيها على نفسه أنه يغير القوم الذين أرادوا أن يغيروا ما بأنفسهم.
وعندما تخاطب الرأي العام المحلي والدولي بكلام يشبه الدعوة إلى الجهاد ضد أعداء الإسلام حتى لو فرضنا أنك تواجه أعداءه بحق وليس ضد أعداء القيم المباشرة التي ثار من أجلها الشعب- ولها صلة بالعداء الأول لكنها من البعائد- فأنت تضيف إلى تغييب عامل التأثير المباشر الذي ثار من أجله الشعب جعل معركتك مع العالم كله الذي يعادي غالب نخبه الإسلام خاصة ليس بوصفه مجرد دين في مفهوم علماني للدين بل لأنه دين يريد للإنسان أن يحقق شروط الحرية والكرامة في التاريخ الفعلي ومن ثم فهو دين مقاومة للاستعمار سواء كان أجنبيا مباشرة أو بوساطةعملائه.
فإذا أضفت إلى ذلك أنك في بلد عشره من غير المسلمين كان كلامك قابلا لأن يحرف فيعتبر حربا على عشر شعبك الذين هم مسيحيون. وهكذا فأنت قد اخترت استراتيجية عقيمة ومضرة إذ هي تفسد عاملي الفاعلية المادي والرمزي: المادي لأن تحريك الجماهير يصبح مقصورا على الوجه الأخروي ورمزي لأنك تؤلب الرأي العام عليك دون أن تنصر الإسلام أو الثورة بل اكتفيت بالتفريج على النفس في شكل يشبه المنادب الشيعية ولا علاقة له بالمقاومة التي تؤكد على الوصل بين القيم السامية الإسلامية وترجمتها المباشرة التي حركت المواطنين ليثوروا:
الحريات وصلتها بالإيمان بينة لأن الإيمان بالله مرتبط بالكفر بالطاغوت والتحرر من العبودية لغير الله.
والحقوق وصلتها بكرامة الإنسان بينة لأن الله كرم الإنسان بالاستخلاف واستعماره في الأرض بالعدل.
لكنك لا تسمع في هذه التجمعات كلاما على الحريات ولا على الحقوق وحتى الكلام على الشرعية فلكأنه صار مقصورا على كون الرئيس من المتكلمين وليس لأنه صاحبها بصرف النظر عن انتسابه. ما يتردد هو خطاب ديني تعبدي أكثر منه معاملي يدافع عن الحقوق والحريات والشرعية على العموم فضلا عما يبدر فيه أحيانا من دعوات للجهاد ومزايدات غير مناسبة للمقام لأن الأمر من المفروض أن يكون متعلقا بمجاهدة سلمية من أجل الحريات والحقوق رغم الغضب المفهوم في مثل هذه الحالات. لكن الكلام على الجهاد عرضة لمد الإعلام الفاسد بأدوات التحريف والحجج فيصبح في خطابه دعوة للاقتتال الداخلي والفتنة بل والإرهاب.
أنت بخطابك هذا تغيب العلاقة بين القيم المذكورة في الخطاب الديني غايات قصوى للوجود الإنساني بينها وبين الغايات المباشرة ذات التحريك المؤثر والمباشر في معركة مدنية تهدف إلى المطالبة بالحريات والحقوق التي هي عين الوجود الكريم أعني ما ذروته هي الحرية الدينية والروحية. فالعبادة ليست أداة لما عداها بل هي غاية لذاتها. أما القيم المباشرة فهي كفيلة بتحريك الجماهير وقد يقوي فاعليتها التحليل الذكي الملمح لصلتها الوطيدة بقيم الثورة وقيم الإسلام.
ولا شك أن الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر ضد الشرعية رئيسا ودستورا ومؤسسات من حيث هو نفي للحريات والحقوق ذو صلة بينة بالخروج عن القيم العقلية والدينية ومن ثم بالقيم السامية الإسلامية في معناها الحقيقي. أما ما يزينه من إعلام فاجر فهو التجسد الفعلي لانعدام الأخلاق عامة وليس أخلاق المهنة وحدها.
لكن هذه العلاقة من بعائد المعاني وهي ما ينبغي تقريبه في الخطاب حتى يكون الدفاع عن القيم السامية في معناها الروحي والخلقي مرتبطا وثيق الارتباط بالقيم السامية السياسية والحقوقية في معناها الدنيوي: ذلك أن الدنيا لا تكون مطية للآخرة من دون هذه الحريات والحقوق لأنها هي الشروط التي تجعل الإنسان قادرا على تلبية ما يقتضيه كونه اختير بالتكريم وبالاستخلاف واستعماره في الأرض بأسباب التعمير العملية والعملية. وذلك هو الشرط الأول والأخير لمعنى العلاقة الحميمة بين الدين والسياسة في الإسلام.
ولنثن بالسلوك
من المبادئ الاستراتيجية ذات التأثير منقطع النظير في المعارك التي تدور بين صاحب القوة المادية (الانقلابيون هنا) وصاحب القوة الروحية (أصحاب الشرعية هنا) هو اختيار الأول حرب المناجزة طلبا للحسم السريع بالقوة العنيفة واختيار الثاني حرب المطاولة منعا للحسم السريع بالقوة اللطيفة. لذلك فالسلوك المناسب في هذه الحالة هو جعل استعمال القوة العنيفة مؤديا لعكس المطلوب منه أعني انتصار القوة اللطيفة وانهزام القوة العنيفة. وهذا لا يكون إلا بالاستغلال الأمثل لحيزي الصراع في كل صدام بين القوتين ولطبيعة التقابل بين نوعي القوة:
1-كيف نستغل الزمان: لا بد من المطاولة وتمطيط الصمود وهذا يقتضي التدريج في استعمال القوة الروحية وعدم صبها كلها دفعة واحدة لئلا تبرد العزائم وتتداول السرايا في الدفاع المدني المتحضر.
2-كيف نستغل المكان: لا بد من التوزيع في المكان لتشتيب قوة الخصم وجعله لا يهنأ له بال في كل أجزاء الوطن حتى تبرد عزائم زبانيته فتتوالى الهزائم.
كيف نستفيد من طبيعة التقابل بين نوعي القوة: جعل الخصم مضطرا لاستعمال العنف وتجنب العنف بصورة مطلقة والاقتصار على الرد السلمي المتمثل في العصيان المدني المتنقل في كل أرجاء الوطن وبتوزيع زماني مخطط ومفاجئ.
وفي الختام فإن المبدأ في حرب المطاولة هو المبدأ الشعبي القائل:"الدوام ينقب الرخام". والمعلوم أن الجيش لن يستطيع توفير ما وعد به مؤيديه الحاليين الذين يتصورونه منجيا لهم بعد فشلهم في التنافس الديموقراطي ويأسهم من مواصلة استعباد الشعب بالاستبداد والفساد. سيكون مؤيدوه الحاليين أولى ضحاياه لأن عودة الاستبداد والفساد لن تكون لصالحهم بل الجيش مضطر لأخذ القليل الذي أبقى عليه النظام السابق حتى لا ينافس الذين أعادوه إلى الجلوس معهم على مائدة امتصاص دم الشعب. فيضعف صفه ويقوى صف المدافعين عن الحريات والحقوق بدافع يتجاوز معناها المقصور على المباشر والدنيوي دون أن يقدم الأخروي على الدنيوي في سلم الأدوات رغم تقدمه في سلم الغايات.
منزل بورقيبة في 2013.07.10


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.