مجلس الدولة الليبي يرفض أي تسوية تخالف الاتفاق السياسي    تونس ...صالون للابتكارات العلميّة والتكنولوجيّة التلمذيّة    في قضية مخالفات ديوانية وجبائية.. عامان وخمسة اشهر سجنا ضد شفيق جراية    سليانة ...نجاح تظاهرة الملتقى الجهوي للمسرح    كانت ستباع في الضاحية الشمالية ...أسرار الكشف عن صفقة مخدرات في حدائق قرطاج    لجنة الفلاحة بالبرلمان تستمع الى مقترح قانون لتسوية وضعية الآبار الفلاحية العميقة غير المرخصة    حلم دام 30 سنة بصفاقس ...جمعية «الرفيق» للأطفال فاقدي السند تدشّن مقرها الجديد    الفنّانة التشكيلية «ملاك بن أحمد» ... تقتحم مناخات الحلم بفرشاة ترمّم جراحات الروح وبقايا الألم    لحياة أسعد وأبسط.. 6 دروس في الاكتفاء الذاتي    البطلة جنى بالخير، سفيرة المعرفة، تفوز بالكأس في البطولة الدولية للحساب الذهني بتركيا    تعديل في نظام المراقبة المستمرّة    نواب يعارضون مقترح اختيار أعضاء هيئة الانتخابات من قبل البرلمان    هيغسيث: الاثنين والثلاثاء سيشهدان "أكبر عدد من الضربات" على إيران منذ بدء الحرب    وزيرة الصناعة تؤكد على ضرورة النهوض بأنشطة البحث والاستكشاف في قطاع المحروقات    الخميس 09 أفريل الجاري ... وكالة احياء التراث والتنمية الثقافية تنظم يوما تطوعيا لتنظيف وصيانة الموقع الاثري بأوتيك    الدورة 34 من الأيام الوطنيّة للمطالعة والمعلومات من 15 أفريل إلى 15 ماي 2026    البنك المركزي: إرتفاع عائدات العمل المتراكمة بنسبة 6،5%    المركزي الفرنسي يحقق أرباحا بنحو 13 مليار يورو من ذهب مخزن في الولايات المتحدة    مصر.. حكم بحبس مرتضى منصور    نسبة الاستثمار تنخفض إلى 8%: شنوا يعني هذا للتوانسة ؟    عاجل/ ترامب يتوعد ايران في حال رفضت الاستسلام..    مواطنة أوروبية تعتنق الإسلام في مكتب مفتي الجمهورية    رابطة أبطال أوروبا: قمة نارية بين ريال مدريد وبايرن.. وأرسنال في اختبار سبورتينغ    غرفة التجارة والصناعة للوسط تنظم بعثة اقتصادية إلى الصالون الدولي للبلاستيك بميلانو من 8 إلى 11 جوان 2026    الإتحاد الوطني للمرشدين السياحيين يستنكر قرار مراجعة معاليم الدخول إلى المواقع والمتاحف الأثرية دون التشاور مع الأطراف النقابية المتداخلة في القطاع    المرشدين السياحيين غاضبون من قرار الترفيع في أسعار الدخول للمتاحف    فتح مناظرات الدخول لمدارس المهندسين 2026-2027...سجّل قبل هذا التاريخ    باك 2026 : هذا وقت الامتحانات التطبيقية في المواد الإعلامية!    شنوّا أفضل لصحتك؟: التنّ بالماء ولّا بالزيت؟    شنوّا يصير لجسمك كان تأكل قشرة البطاطا الحلوة؟    بطولة الكرة الطائرة: برنامج الجولة الثالثة من نصف النهائي    الترجي الرياضي: اصابة كسيلة بوعالية وشهاب الجبالي وغيابهما عن لقاء صان داونز    وصول 11 تونسيا إلى مطار تونس قرطاج بعد اجلائهم من هذه الدولة..#خبر_عاجل    كيفاش تنجم تتحصل على سيارة شعبية؟    عاجل/ يهم الزيادة في أجور موظفي القطاع العام والخاص: رئيس الدولة يعلن..    قيس سعيد: يحاولون التفويت في ملعب المنزه والصيدلية المركزية...لكن لن نسمح بذلك    شوف شنوا ينجم يفيدك قشور الليمون والفلفل في كوجينتك!    تونس في أسبوع شمس وسخانة: لكن توقع عودة الأجواء الشتوية الباردة بهذا التاريخ    ظافر العابدين: الانفتاح على الثقافات طورني فنياً و هذه التحديات اللى عشتها    محل 40 منشور تفتيش..تفاصيل الاطاحة بعنصر خطير بباردو..#خبر_عاجل    عاجل: قيس سعيد يعد الشعب التونسي بالكشف عن حقائق    الرابطة المحترفة الثانية: برنامج الجولة الثانية والعشرين    الرابطة الأولى: الترجي الجرجيسي يغرق في سلسلة النتائج السلبية    عاجل-شوف منين تشري: تذاكر الترجي ضد صان داونز موجودة عبر هذا الرابط    أحكام تصل إلى 50 عاماً سجناً في قضية شبكة دولية لترويج "الإكستازي" بتونس    الخطايا المرورية : شنوا حكاية المخالفات القديمة اللى ظهرت للتوانسة ؟    د أسامة فوزي: حسن أحمديان قدّم أداءً لافتاً على الجزيرة    شوف جدول مباريات الجولة العاشرة إياب: كل الفرق والتوقيت    إيران وأمريكا تتلقيان خطة لإنهاء الحرب    اغتيال رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري الايراني    طقس اليوم: ارتفاع درجات الحرارة    البطولة الفرنسية : موناكو يفوز على مرسيليا في ختام الجولة 28    في اليوم ال38 من الحرب ... رؤوس متفجرة تسقط في حيفا في ظل مفاوضات "الفرصة الأخيرة"    مع الشروق : «كروية الأرض» شاهدة على أن التاريخ لا يموت في اسبانيا!    ظهرت في أغنية كورية لثوانٍ.. ابنة أنجلينا جولي وبراد بيت تشغل التواصل    طبيب مختص: قريبا اعتماد الأوكسيجين المضغوط في تأهيل مرضى الجلطة الدماغية    وزارة الشؤون الدينية تنشر دليلا مبسطا حول أحكام الحج والعمرة    ظاهرتان فلكيتان مرتقبتان في تونس في 2026 و2027    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العرب وإيران.. إشكالية تعريف العدو : محمد بن المختار الشنقيطي


الروح الاستعلائية والذاكرة الموتورة
صناعة الأعداء واستدعاء الكارثة
نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية
الأصل عند أهل المنطق أن توضيح الواضح يزيده إشكالا. لكن لحظات انقلاب القيم وانكسار الموازين تحتّم تعريف المعرَّف وتوضيح الواضح. ولا يوجد أوضح في واقع العرب والمسلمين اليوم من أن إسرائيل هي العدو، وأن أميركا هي السند والمدد لذلك العدو. وأن إيران وغيرها من الدول المسلمة المحيطة بالعالم العربي ليست عدوا، مهما اختلف العرب معها في المصالح الظرفية أو المشارب المذهبية.
لكن بعض القادة العرب المتعلقين بأميركا تعلقا وثنيا مصرون على تصوير إيران على أنها الخطر الأساس على المنطقة العربية، يسعفهم في ذلك ميراث من الصور النمطية السلبية التي يحملها كل من العرب والفرس عن بعضهم البعض، وفقر مدقع في الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة من الشعوب العربية، وتحريض من الإسرائيليين المتمرسين بمهنة الإيقاع والدعاية.
وقد صرح نتنياهو في زيارته الأخيرة لواشنطن أمام تجمع اللوبي الصهيوني الأميركي المعروف ب"أيباك" قائلا "أستطيع أن أقول لأول مرة في حياتي إن العرب والإسرائيليين يرون اليوم عدوهم المشترك" يقصد إيران.
وزاد "إيليوت أبرام" الأمر تحديدا وتحريضا فكتب مؤخرا في صحيفة وول ستريت جورنال "يوجد صراع خطير اليوم في الشرق الأوسط، لكنه ليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وإنما هو صراع المتحالفين معنا (أي مع أميركا) ومن ضمنهم مصر والسعودية والسلطة الفلسطينية وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ضد إيران وقطر وسوريا وحزب الله والجماعات الفلسطينية الإقصائية".
والجدير ذكره هنا أن إيليوت أبرام هو أحد رموز المثقفين الحركيين اليهود المعروفين بالمحافظين الجدد، وقد عمل مستشارا للأمن القومي مع الرئيس السابق جورج بوش الإبن.
الروح الاستعلائية والذاكرة الموتورة
إن التوتر الحالي في العلاقات العربية الإيرانية ليس سياسيا فقط، بل له عمقه الثقافي والعرقي الضارب في القَدم. فقد اشتملت ثقافة كل من العرب والفرس على العديد من الصور النمطية السلبية تجاه الطرف الآخر، بعيدا عن مقتضيات الأخوة الإسلامية التي يفترض أنها هي قاعدة العلاقة بين الشعبين.
فقد عامل الكثير من العرب الفرس باستعلاء ظاهر، وتسمية الفرس عجما في اللغة العربية تشتمل على معاني الازدراء، إذ إن المعنى الاشتقاقي للكلمة يتراوح بين معنى العِيِّ ومعنى الحيوانية، فلفظ "العجُم" معناه الحبسة في اللسان، والعجماء البهيمة. وبينما يسمي الفرس أنفسهم "بني الأحرار" –كما نجد في شعر بشار بن برد- يسميهم العرب "موالي"، وهي لفظة تستعمل في العربية للأرقَّاء السابقين.
"
التوتر الحالي في العلاقات العربية الإيرانية ليس سياسيا فقط، بل له عمقه الثقافي والعرقي الضارب في القَدم, وقد اشتملت ثقافة كل من العرب والفرس على العديد من الصور النمطية السلبية تجاه الطرف الآخر، بعيدا عن مقتضيات الأخوة الإسلامية
"
وقد ازدحمت كتب الأدب والأخبار العربية بالقصص التي تحمل صورا نمطية سلبية عن الفرس ونظرة استعلائية تجاههم. نجد ذلك مثلا في كتاب "الكامل" للمبرد و"عيون الأخبار" لابن قتيبة وغيرهما. ومن طرائف ذلك أن نافع بن جبير وهو رجل من قريش كان إذا مر على جنازة سأل عنها، فإن قيل قرشي قال: واقوماه، وإن قيل عربي قال: وابلوتاه، وإن قيل مولى أو أعجمي قال: اللهم هم عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت.
وكان أحد الزهاد من قبيلة بني الهجيم يقول: اللهم اغفر للعرب، وأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. وروى الأصمعي أنه سمع أعرابياً يقول لآخر: أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة؟ فقال الآخر: أرى ذلك والله بالأعمال الصالحة، فقال الأعرابي: توطأ والله رقابنا قبل ذلك. والأصمعي هو نفسه القائل: "ثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يُعرَفوا: رجل شممتَ منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعتَه يتكلم في مصر عربي بالفارسية، أو رأيتَه على ظهر الطريق ينازع في القدَر". فانظر كيف وصل الاستعلاء العرقي حد اتهام الشخص بالدناءة لمجرد أنه يتحدث بلغته.
وفي مقابل هذه الذاكرة الاستعلائية تجاه الفرس التي نجدها لدى بعض العرب حتى اليوم، نجد لدى بعض الفرس ذاكرة ثأرية موتورة تجاه العرب. فالفردوسي مؤلف الشاهنامة التي تعد الملحمة الشعرية الكبرى في الأدب الفارسي يعبر عن احتقار عميق للعرب، ويقول عن الفتح الإسلامي لبلاد فارس "لقد بلغ الأمر بالعرب أن ينتقلوا من شرب لبن النوق وأكل الضب إلى الطموح إلى تيجان ملوك الفرس، فتعسا لك أيها الزمن الدوار".
ولا يختلف بعض شعراء الفرس الذين كتبوا بالعربية عن الفردوسي الذي كتب بالفارسية، بل إن التشابه في الصور النمطية وأنماط المجاز المستعمل تشابه مدهش. واقرأ للمتوكلي -وهو من شعراء الشعوبية الفرس الذين عاشوا خلال العصر العباسي- قوله مخاطبا العرب:
أنا ابن الأكارم من نسل جمّْ ** وحائز إرث ملوك العجمْ
وطالب أوتارهم جهرة ** فمن نام عن حقهم لم أنمْ
فعودوا إلى أرضكم بالحجاز ** لأكل الضِّباب ورعْيِ الغنمْ
ومثله قول بشار بن برد:
تُفاخرُ يا ابن راعية وراع ** بني الأحرار حسبك من خسارِ
وكنتَ إذا ظمئتَ إلى عُقار ** شركتَ الكلب في ولغ الإطارِ
وتتّشح الشمال للابسيها ** وترعى الضأن بالبلد القفارِ
ولا تزال بعض الصور النمطية السلبية عن العرب شائعة في الأدب الفارسي الحديث، كما شرحته بإسهاب الباحثة الأميركية جويا بلندل في كتابها "صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث". وفي مقابل ذلك دعايات كثيرة لدى بعض القوميين العرب والإسلاميين السلفيين اليوم تتهم الفرس بالجبن والنفاق والإباحية، وحتى بالمجوسية.
"
لا تزال بعض الصور النمطية السلبية عن العرب شائعة في الأدب الفارسي الحديث، وفي مقابل ذلك دعايات كثيرة لدى بعض القوميين العرب والإسلاميين السلفيين اليوم تتهم الفرس بالجبن والنفاق والإباحية، وحتى بالمجوسية
"
بيد أن الصورة ليست باللون الأبيض والأسود، بل هي صورة ملونة ومركبة. إذ توجد صورة إيجابية جدا للفرس في بعض النصوص العربية، وللعرب في بعض النصوص الفارسية. فابن بطوطة مثلا يصف في رحلته سكان مدينة شيراز الإيرانية بأنهم "حسان الصور نظاف الملابس"، كما يقول إن "أهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف، خصوصا نساءها، وهن يلبسن الخفاف، ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهم شيء، ولهن الصدقات والإيثار... وليس في معمور الأرض أحسن أصواتاً بالقرآن من أهل شيراز".
وعلى الجانب الآخر نجد بعض أعظم شعراء إيران -مثل عمر الخيام وسعدي الشيرازي وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي- متضلعين بحب العرب مشيدين بذكرهم.
وفي بداية ومنتصف القرن العشرين كان هناك اهتمام عميق وتبادل ثقافي ثري بين الطرفين، نجده في دراسات وترجمات الأدباء المصريين المبدعين (عبد الوهاب عزام، أحمد رامي، إبراهيم دسوقي شتا... إلخ) لأعمال أقطاب الشعر الفارسي، كما نجده في اهتمام الإسلاميين الإيرانيين بالفكر الإسلامي الصادر بالعربية، ويكفي أن نعرف أن مرشد الجمهورية الإيرانية الحالي علي خامنئي هو مترجم كتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب إلى اللغة الفارسية، وأن د. علي نوري زادة -مستشار الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمى- ترجم أعمال أهم الشعراء العرب المعاصرين إلى الفارسية. بيد أن هذا التواصل قتلته القطيعة التي بدأت مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، وصعود التيارات التكفيرية، وتعمق التغلغل الأميركي في المنطقة.
صناعة الأعداء واستدعاء الكارثة
لقد صدرت مؤخرا دراسات إستراتيجية عديدة عن احتمال هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، وعن العلاقات الإيرانية الأميركية، والعلاقات الإيرانية العربية. وأذكر هنا أربع دراسات على قدر كبير من الأهمية، وهي:
* "دراسة عن احتمال ضربة إسرائيلية للمنشآت النووية الإيرانية" Study on a Possible Israeli Strike on Iran's Nuclear Development Facilities وهي في 114 صفحة من إعداد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن.
* "إسرائيل وإيران نووية" Israel and a Nuclear Iran وهي في 96 صفحة من إعداد جمع من المؤلفين الإسرائيليين، بتحرير إفرايم كام من مركز "جافي" للدراسات الإستراتيجية في تل أبيب.
* "العلاقات السعودية الإيرانية منذ سقوط صدَّام" Saudi-Iranian Relations since the Fall of Saddam وهي في 158 صفحة من إعداد مؤسسة راند الأميركية.
* "خطيرة لكنها غير قديرة: استكشاف مدى وحدود القوة الإيرانية في الشرق الأوسط" Dangerous but not Omnipotent: Exploring the Reach and Limitations of Iranian Power in the Middle East وهي في 233 صفحة من إعداد مؤسسة راند أيضا.
"
إذا كان بعض القادة العرب لا يملكون شعورا إسلاميا أو إنسانيا حول موت مئات الآلاف من الإيرانيين الأبرياء، فهلاَّ ملكوا حسا وطنيا أو قوميا تجاه الشعوب العربية المجاورة لإيران التي ستكون في مدى التسرب الإشعاعي إذا ضربت إيران
"
وتبدو دراسة مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أكثر الدراسات أهمية، فهي دراسة عسكرية مفصلة ومدعمة بالصور والخرائط عن احتمال ضرب إسرائيل للمنشآت النووية الإيرانية. وأهم ما في هذه الدراسة وأخطره بالنسبة لموضوع العلاقات العربية الإيرانية، هو ما ذكره المؤلفان من آثار ضرب إسرائيل لمفاعل بوشهر النووي الإيراني.
فقد بين الباحثان أن ضرب مفاعل بوشهر سيؤدي إلى مقتل آلاف الأشخاص المقيمين قريبا من المفاعل فورا، ثم موت مئات الآلاف بالسرطان ممن يقعون في دائرة التسرب الإشعاعي. أما هذه الدائرة المميتة فهي تشمل "بشكل يقيني البحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة".
ويتعجب قارئ هذه الدراسة وما تكشفه من نتائج كارثية مذهلة كيف فقدَ بعض القادة العرب الشعور الإنساني والبصيرة السياسية في تحريضهم على ضرب إسرائيل وأميركا لإيران. فإذا كان هؤلاء القادة لا يملكون شعورا إسلاميا أو إنسانيا حول موت مئات الآلاف من الإيرانيين الأبرياء، فهلاَّ ملكوا حسا وطنيا أو قوميا تجاه الشعوب العربية المجاورة لإيران التي ستكون في مدى التسرب الإشعاعي.
وتدل الدراسات الإستراتيجية الصادرة مؤخرا على التخلف الذهني لدى قادة ما يدعى "معسكر الاعتدال العربي" وضعف حسهم الإستراتيجي، فقد أجمعت هذه الدراسات الأربع على أن البرنامج النووي الإيراني قد خرج من عنق الزجاجة، ولم يعد من الممكن وأده، وأن من الأصلح لأميركا ولإسرائيل التعامل مع إيران باعتبارها دولة نووية من الآن. وقد أكدت الدراسة الإسرائيلية على أن الوقت في صالح إيران كما أن الظروف الدولية في صالحها.
أما دراستا مؤسسة راند فتؤكدان على أن المحاولات الأميركية لبناء طوق عربي حليف لخنق إيران لن يجدي من الأمر شيئا. وربما كان هذا هو السر في هلع بعض "المعتدلين" من الساسة العرب، فقد أحس هؤلاء أن قيمتهم الوظيفية للاستراتيجية الأميركية أصبحت رخيصة، وهم لا يرون لأنفسهم قيمة سواها.
"
الدراسات البحثية تنصح القادة الأميركيين بالتعامل مع إيران منذ الآن بمنطق الردع والاحتواء، لا بمنطق المواجهة الهوجاء، فثمن المواجهة سيكون كارثيا على كل الأطراف
"
وتجمع الدراسات الثلاث الصادرة عن المؤسستين الأميركيتين (راند ومعهد الدراسات الإستراتيجية والدولية) على نصيحة القادة الأميركيين بالآتي:
* التعامل مع إيران منذ الآن بمنطق الردع والاحتواء، لا بمنطق المواجهة الهوجاء، فثمن المواجهة سيكون كارثيا على كل الأطراف، بما فيها الطرفان الأميركي والإسرائيلي.
* تطوير نظام إقليمي في المنطقة يشمل إيران، وهو ما يعني حمل الدول العربية على قبول إيران جزءا من منظومة النظام الإقليمي الخليجي شاءت أو أبت.
* مراعاة المصالح والمطامح الإيرانية في المنطقة. ومنها طموحها في أن يكون لها نصيب من النفوذ في المنطقة العربية التي هي الآن في موقع المتأثر لا المؤثر الإستراتيجي.
أما الدراسة الإسرائيلية فتنصح قادة اليمين المتعصب الذين يمسكون زمام الأمور الآن في الدولة العبرية أن يعدوا أنفسهم من الآن عقليا وعمليا للتعاطي مع إيران مسلحة بسلاح نووي قادر على الوصول إلى إسرائيل، كما تنصح بعدد من الخطى الاستباقية الآن، ومنها التخلي عن لغة التصعيد والدعاية حول الخطر الوجودي الإيراني، والبحث عن وسائل التعايش معها، وحل القضية الفلسطينية بسرعة سدا للذريعة أمام المواجهة النووية.
نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية
ويبدو أن العلاقات العربية الإيرانية كما وصفها الدكتور على نورى زاده هي "علاقات غريبة يمتزج فيها الحب والكراهية". ويظهر أن سكان الخليج من العرب هم أقرب الناس إلى إيران جغرافيا وأبعد الناس عنها ثقافيا، كما تجده في التعبير الدارج "عيمي" (أعجمي) الذي لا يزال يوصف به الإيراني في بعض اللهجات العربية الخليجية.
وما من ريب أن الصور النمطية السلبية موجودة في كل الثقافات، بيد أن الأمم الواعية تفكك هذه الصور وتفضح جوانب التحيز فيها، حتى لا يكون مستقبل الأمة رهينا لماض ظالم أو مظلم. ويكفي أن نجد رجلا أفريقيا أسود يقود أميركا اليوم، بينما كان الأميركيون منذ قرنين فقط يتجادلون هل السود بشر كاملو البشرية أم أنهم حاصل تناسل البشر مع القردة؟
"
وجود سلاح نووي بيد إيران يمكن أن يكون مفخرة لكل المسلمين، وعزة للعرب، ورصيدا لمكانتهم الإستراتيجية، وذودا عن حماهم المستباح من طرف الصهاينة ومددهم الدولي، لكن بشرط أن يتم نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية عن عينيْ صانع القرار العربي
"
إن وجود سلاح نووي بيد إيران يمكن أن يكون مفخرة لكل المسلمين، وعزة للعرب، ورصيدا لمكانتهم الإستراتيجية، وذودا عن حماهم المستباح من طرف الصهاينة ومددهم الدولي، لكن بشرط أن يتم نزع الغشاوة الإسرائيلية الأميركية عن عينيْ صانع القرار العربي.
ويكفي للتدليل على أهمية السلاح النووي الإيراني للعرب الاستفتاء الذي أجراه مركز الدراسات الإيرانية بجامعة تل أبيب ونشرت نتائجه صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 01/01/2009. فقد بيَّن الاستفتاء أن حوالي الربع من الإسرائيليين يفكرون في الهجرة من إسرئيل نهائيا حالما تعلن إيران عن حصولها على سلاح نووي.
ويبدو أن سوريا المتحالفة مع إيران، وقطَر المحافظة على مستوى من الحياد الإيجابي في علاقتها بإيران، هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان استوعبت قيادتهما المعادلة الإستراتيجية الجديدة في المنطقة. أما القادة العرب الآخرون فيبدون عاجزين عن التفكير لأنفسهم، فضلا عن التخطيط لمصائر شعوبهم. وسحقًا لمن ينتظر من نتنياهو دروسا في تعريف العدو والصديق.




المصدر: الجزيرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.