يعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل من أعرق المنظمات العمالية في الوطن العربي, فهو قد تأسس في 20 جانفي 1946م, وكان له دور ريادي في مقاومة الاستعمار الفرنسي عبر الدفاع عن حقوق العمال و برز دوره خاصة في الاحداث الشعبية الدامية بصفاقس سنة 1947م و بالنفيضة سنة 1950م ضد الاحتلال, وكدالك عبر قنوات الدعم المباشر لفصائل المقاومة المسلحة وعبر تواجده في المنظمات العمالية العالمية ( السيزل مند 1950م ), وقد دفع في سبيل دالك, حياة مؤسسه وأمينه العام الاول فرحات حشاد, الدي وقع اغتياله في ضروف غامضة, وقد وقع سجن ونفي الكثير من قادته الكبار, أمثال أحمد التليلي و الحبيب عاشور في فترة الاستعمار الفرنسي المباشر أو بعده. كما كان له شرف قيادة الانتفاضات الشعبية العارمة التي اندلعت في سنوات 1978 و 1982 م ضد نظام الحبيب بورقيبة, في عهدي وزرائه, الهادي نويرة و محمد مزالي, دفاعا عن لقمة عيش المواطن , وأودع في سبيل دلك الكثير من قياداته في السجون. تلك الانتفاضات كادت تطيح بالنظام و عجلت بانهياره في آخر المطاف. وقد عرف الاتحاد العام التونسي للشغل ايضا بدعمه الملموس للقضايا القومية وخاصة في كل من فلسطين و العراق و لبنان . هدا ولازال الاتحاد العام التونسي للشغل يعتبر الى الآن أكبر قوة جماهيرية, ب 600000 منخرط, تهابها السلطة, وتتمتع بقدر من الاستقلالية, و بمساحة لايستهان بها من الديمقراطية وحرية التعبير, برغم الهجمات العديدة التي تعرض لها من الحزب الحاكم ومن بعض الفصائل الماركسية للهيمنة على هياكله, من جهة , وتفشي ظاهرة البيروقراطية داخله و استكانة قيادته المركزية , لمهادنة النظام والتغاضي عن كثير من حقوق العمال وما يجري من تصفية للقطاع العام, من جهة اخرى. و تعتبر النقابة العامة للتعليم الاساسي من أقوى فروع الاتحاد العام التونسي للشغل, حيث تضم أكثر من 150000 منخرط, من اطارات مثقفة دات مستوى جامعي في أغلبها, لها تاريخ نضالي طويل , وتعتبر مؤتمراتها من أكثر المؤتمرات 'سخونة ', تتنافس فيها مختلف الحساسيات النقابية والفكرية والسياسية. ويتميز المؤتمر الحالي باشتداد التنافس بين قوائم يسارية وقومية وتجمعية ( تابعة للحزب الحاكم ) وبعض المستقلين القادرين على ترجيح الكفة لهدا الطرف أو داك , على ضوء مدى استجابة برنامج كل منها لمطامح العمال أولا وأخيرا. من هنا تبرز أهمية البرنامج النقابي, بعيدا عن الحسابات والصفقات الهادفة للوصول الى كرسي المسؤولية دون أي شئ آخر, والتيار القومي التقدمي, كمكون أساسي من مكونات النضال النقابي, دو ماض ناصع لا يمكن التشكيك فيه, مطالب بتدعيم هدا الرصيد بمعزل عن كل تلك الحسابات و بمعزل, حتى عن المكسب الآني في عملية الاقتراع, فما ينسجم مع قناعاتنا و ما نستهدفه, قبل كل شيئ, هو الدفاع عن الشعب العربي, في لقمة عيشه وفي حقه في الكلمة الحرة, وفي حقه في التنظم وفي الحياة الكريمة بما هو متاح في وطنه الكبير من المحيط الى الخليج. فالنقابيون مطالبون بالاتحاد في مواجهة هجمة غير مسبوقة تحت يافطة العولمة والانفتاح الاقتصادي وتعميم الخوصصة بالتفويت في القطاع العام للرساميل الاجنبية واستقالة الدولة لصالح تلك الرساميل وادنابها من السماسرة والمتطفلين. كما أن العالم النامي برمته والوطن العربي على وجه الخصوص يتعرض لمسخ ممنهج لهويته باستهداف أجياله المستقبلية عبر صياغة اختياراتها و مستواها المعرفي والعلمي حتى تكون 'جاهلة ' بدرجة 'متعلم' وتصادر بالتالي مستقبلها لصالح الدوائر الاستعمارية. فالواقع المعيشي المتميز بتدهور القدرة الشرائية, بحكم انخفاض المرتب وارتفاع الاسعار, وتردي ضروف العمل في المدرسة و انتشار التسيب فيها وعزوف التلاميد عن الدروس والمطالعة و تدني مستواهم التعليمي و توجه أوليائهم نحو المدارس الخصوصية بحثا عن نوعية غير مضمونة, كل هدا يهدد بافراغ مدارس القطاع العام من مضمون تربوي وتعليمي وبيداغوجي اثبت جدواه, ويؤشر بالتالي حتى لتقليص عدد المدرسين والاعتماد على اطارات وقتية تفرض عليهم ضروف البطالة التغاضي عن كثير من الحقوق, في القطاعين العام والخاص. هدا الواقع المعيشي ليس الا انعكاسا لمشروع استعماري خطير يستهدف هوية الامة ومستقبل أجيالها و نهب ثرواتها عبر غزوها ثقافيا باعلام موجه كامل اليوم وكامل الليل, و بفرض برامج تعليمية ومناهج رسمت بعناية, في مختبرات البحث, حتى تحقق أهداف العولمة الاستعمارية المتوحشة و تقدم ثروات الامة المادية لقمة سائغة لها و تقدم قدراتها البشرية خدما لهدا المشروع بأبخس التكاليف, بل وقبل هدا وبعده, تحرمها من الكفاءات القيادية, العلمية والمعرفية, القادرة على التحليل والفهم والادراك, في المستقبل المنظور. انه مشروع خطيروهو يحدث , بكل اسف, بمباركة بل بمشاركة الانظمة الحاكمة, وقد بات يشكل تهديدا لمستقبل قطاع التعليم , مدرسين و تلاميد, وأمة. فأين نحن من الحق المقدس في التعلم وفي الصحة وفي العمل وفي... أمام هدا لايمكن للتيار القومي أن ينزلق أو ينساق الى أية صفقات أو نتازلات أو تفاهمات بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو فأوية, مادية كانت أو معنوية, على حساب مستقبل أمة, ولا يمكنه الانخراط في مقايضة للحصول على أية مناصب أو مواقع نقابية أو غيرها... على حساب الانتصار لحقوق اطار التدريس و مصلحة التلميد والمدرسة و الوطن معا. وهو يطرح على المربين رؤية واضحة تقوم على ضرورة تكتلهم حول نقابة عامة قوية متمسكة بالثوابت النضالية وبالدفاع عن حقوقهم وتكون واعية بالارتباط العضوي القائم بين الواقع المعيشي المتميز بتدهور قدراتهم الشرائية وتردي ضروف العمل والمستوى التعليمي لتلاميدهم, وبين تخلي الدولة عن مسؤولياتها لصالح مشروع استعماري في جوهره, يبدأ بخوصصة التعليم, وادعاء تطوير مناهج التعليم, ويصل الى السيطرة على المقدرات البشرية والمادية لامة بحالها. من هنا تبرز المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق النقابيين, في قطع الطريق على المتسلقين والوصوليين, ومحترفي عقد الصفقات و 'التفاهمات' في الكواليس, صونا لاستقلالية المنظمة النقابية ودعما لاسهامها الفعال في الدفاع عن حقوقهم, بالتأكيد على اختيار من تتوفر فيهم نضافة اليد و الوطنية والغيرة على حقوق رجال التعليم, لتحمل المسؤولية النقابية, وفق رؤية واضحة وجلية, وقد جرب النقابيون كثيرا من أدعياء النضالية والغيرة على حقوق المربين , وثبت زيف ما كانوا يعدون به, و'لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين'. وفقنا الله جميعا.