أياً تكن تداعيات تفكيك الخلية الإرهابية التي قالت السلطات المغربية إن زعامات سياسية في أحزاب كانت لها صلة بها، فإن المواقف السياسية نحت بعيداً عما كان عليه الأمر على اثر التفجيرات الانتحارية لعام 2003 في الدارالبيضاء. وفيما ارتفعت أصوات تطالب بتعليق حزب «العدالة والتنمية» الاسلامي بمبرر الاذعان لأيديولوجية الحض على العنف، فإن انتقادات وجهت الى السلطات بسبب لجوئها الى تعليق حزب «البديل الحضاري» ذي التوجه الإسلامي. ثمة نقاش قانوني وسياسي طغى على السطح يرى أن القضاء وحده يملك صلاحية حل هذا الحزب أو ذاك عند ثبوت ضلوعه في أعمال عنف. غير أن الجانب القانوني في الجدل الدائر لا يحجب التوجه الرامي للإبقاء على الأحزاب ذات المرجعية الاسلامية التي باتت تشكل جزءاً مهماً في الخريطة السياسية في البلاد. وهذا التطور يبقى لافتاً في ضوء تزايد نفوذ الحركات الاسلامية المعتدلة، ذلك أنه على رغم اعتقال مشتبهين ينتسبون الى أحزاب «البديل الحضاري» و «الحركة من أجل الأمة» و «العدالة والتنمية» و «الحزب الاشتراكي الموحد»، فقد جرى التفريق بين الفاعليات السياسية التي تعمل في نطاق مشروع وبين ميول بعض نشطائها، باستثناء الزعامات السياسية الموجودة رهن الاعتقال الاحترازي. ما يعزز هذا التوجه أن التعاطي أمنياً وقضائياً مع الخلية الجديدة كان مغايراً لما حدث بعد تفجيرات الدارالبيضاء حين شملت موجة الاعتقالات مئات المتابعين والمطلوبين، فيما اقتصر الأمر هذه المرة على أعداد محدودة، وقد يكون تأتّى للسلطات والأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني على حد سواء أن تضبط انفعالاتها على إيقاع أن ما حدث يتسم بالخطورة فعلاً، لكن لا يجب مواجهته بردود فعل ذات طابع استئصالي تكون أكثر خطورة على الحياة السياسية. في تاريخ المغرب الحديث لم تخل محطات من ردود أفعال أضاعت على البلاد فترات تعايش سياسي بين المعارضة والسلطات، وكان أكثر وطأة دخول البلاد في حال استثناء في منتصف ستينات القرن الماضي أفسحت في المجال أمام مغامرات عسكرية لاطاحة نظام الملك الراحل الحسن الثاني. واحتاج المغرب في غضون ذلك الى سنوات طويلة من صراع المواقع والأفكار والانفلاتات الأمنية والقلاقل المدنية قبل أن يوضع على سكة الانتقال الى الديموقراطية. بيد أن قناعات ترسخت لجهة أن لا بديل من تعزيز المسار الديموقراطي في اطار تعددية الاختلاف، وربما كان أنسب خيار في اطار الانفتاح على الحركات والتيارات الاسلامية دفعها الى بلورة خيار المشاركة من الداخل. وما تدل عليه وقائع الخلية الجديدة أن بعض أعضائها كانوا نشطاء في تنظيم «الشبيبة الاسلامية» الذي كان يتبنى مفهوم العمل المسلح لإسقاط النظام. غير أنه من المفارقات أن قياديين بارزين في «العدالة والتنمية» الاسلامي كانوا بدورهم نشطاء في التنظيم نفسه، لكنهم أرسوا قطيعة مع أدبياته وآلياته وانتقلوا الى ضفة العمل السياسي المشروع. في فترة وجيزة بدا أن المغرب يعج بالأحزاب أكثر، ما يبرر تصنيفاتها بين اليمين واليسار والوسط، ولم تكن الظاهرة منفصلة عن المناخ العام الذي تنجذب معطياته أكثر الى ترجيح منطق المشاركة على حساب الإقصاء الذي ساد طويلاً، وربما أن انتقال أحزاب المعارضة الرئيسية السابقة الى دفة الحكم أفسح في المجال أمام انتقال تيارات اسلامية الى العمل المشروع للإفادة من الفراغ السياسي الذي أحدثه ذلك التحول، وربما أيضاً أن هذا التحول اللافت دفع تنظيمات متطرفة ذات توجهات دينية الى الانتقال الى معسكر الأعمال الإرهابية. غير أنه كيفما كانت الحال فإن سياق التحولات يدفع الى اعتبار الخارجين من تحت مظلة المشاركة السياسية تنظيمات معزولة تنبت على هامش الزرع الذي يحظى بالسقي والرعاية والتهذيب. بعد تفجيرات الدارالبيضاء قال مسؤولون مغاربة إن ديموقراطية بلادهم مستهدفة. غير أن اللغط الذي رافق الاتهامات التي وجهت الى بعض التيارات الاسلامية الذي يقول بنبذ العنف والإرهاب كاد يحوّل ديموقراطية البلاد الى علبة مغلقة، وقد يكون الانتباه الى مخاطر الإقصاء بغير ذريعة القانون وقوته أفسح في المجال اليوم أمام عدم الانسياق وراء قرارات تعليق الأحزاب. فهذه واجهة ثقافية للحرب على الإرهاب في وسعها أن تسيج النظام الديموقراطي من مخاطر التعليب والأفكار المسبقة. لكنها لا تختزل كل واجهات الصراع في مناهضة ظاهرة كونية نشأت أيضاً من استشراء الفراغ السياسي. الحياة - 29/02/08