بعد مجموعة من الاصدارات في تونس وانتاج وتقديم برامج تلفزيونية ثقافية الى جانب سلسلة الكاميرا الخفية اختار الشاعر وليد الزريبي الهجرة إلى وجهة غير معتادة بالنسبة للمثقفين التونسيين وهي البرتغال . في مدينة لشبونة غامر الزريبي بتأسيس مركز ثقافي مستقل يتحدث عنه في هذا الحوار. ماهي آفاق المركز الثقافي الذي أسسته في العاصمة البرتغاليةلشبونة ؟ آفاق المركز الثقافي العربي بلشبونة يطمح المركز الثقافي العربي بلشبونة، في أفقه القريب والمتوسط، إلى ترسيخ حضوره كمؤسسة ثقافية مستقلة فاعلة داخل المشهد الثقافي البرتغالي، وشريك موثوق للمؤسسات الأوروبية والدولية المهتمة بالحوار الثقافي والإبداع المعاصر والتبادل المعرفي. يرتكز أفق المركز على تطوير برامج مستدامة لا تقتصر على تنظيم التظاهرات بل تؤسس لمسارات عمل طويلة المدى، من بينها إنشاء مختبرات دائمة تجمع بين الفنون والتكنولوجيا والبحث الثقافي، وإطلاق مشاريع ترجمة كبرى تسهم في إدماج الأدب والفكر البرتغاليين في الفضاء العربي والعكس، بما يعزز التداول المتبادل للمعرفة والإبداع. كما يعمل المركز على بناء شبكة تعاون دولية تشمل جامعات، معاهد ثقافية ومؤسسات فنية بهدف احتضان إقامات فنية وبحثية وتوفير فضاءات إنتاج مشتركة للفنانين والكتاب والباحثين من البرتغال والعالم العربي. وفي بعده المجتمعي يسعى المركز إلى تطوير برامج وساطة ثقافية وتكوين موجهة للشباب وللجمهور الواسع تجعل من الثقافة أداة اندماج مدني وتفكير نقدي ومشاركة فاعلة في الحياة الثقافية. أما على المدى البعيد فيتمثل أفق المركز في التحول إلى مرجع ثقافي عربي-برتغالي في أوروبا، وإلى منصة لإنتاج المشاريع لا فقط استقبالها، وإلى فضاء يسهم في إعادة صياغة تمثلات الثقافة العربية داخل أوروبا باعتبارها ثقافة حية، معاصرة ومنخرطة في أسئلة الإنسان الراهن. ماذا أضافت لك لشبونة ؟ (لم تضف لي لشبونة مكانا بقدر ما كشفت لي طبقة جديدة من ذاتي) جئتُ إليها ككاتب مغامر فوجدتُ نفسي أكتب من مسافة أخرى، مسافة المنفى الخفيف حيث لا تكون منقطعا عن جذورك كلية ولا مندمجا تماما في التربة الجديدة، بل معلقا بين ذاكرتين، بين إيقاعين للحياة. في لشبونة تعلمت أن أُنصت أكثر مما أقول بحكم فارق الفهم في اللغة المنطوقة. هذا التوتر الصامت دخل كتابتي جعلها أقل ادعاء وأكثر هشاشة. ثم صدور كتابي Poeta ilegítimo (شاعر غير شرعي) سنة 2024 عن دار نشر شهيرة في البرتغال Atlantic Books، وهو ترجمة برتغالية للنسخة العربية لديوان (كلب كافكا) الصادر عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بسوريا مع إضافة مجموعة من القصائد كتبتها في لشبونة. ديوان (شاعر غير شرعي) كان أكثر من مجرد انتقال لغوي، أعتقد أنه بمثابة امتحان وجودي للشاعر في بيئته الجديدة. شعرت بعدها أن الغربة ليست موضوعا يكتب عنه بل شرطا داخليا يكتب منه. أما تأسيس المركز الثقافي العربي بلشبونة، فقد جاء كنتيجة طبيعية لهذا التحول. بعد سنوات من الكتابة من موقع الفرد، شعرت بحاجة إلى تحويل التجربة الشخصية إلى فضاء جماعي وإلى نقل سؤال الهوية والمنفى واللغة من القصيدة إلى المشروع الثقافي. كأن لشبونة دفعتني من عزلة الشاعر إلى مسؤولية المثقف. يمكنني أن أقول اليوم إن لشبونة لم تضف لي مدينة بل أعادت ترتيب علاقتي بالزمن، باللغة وبفكرة الانتماء نفسها. الانتماء ليس أن تكون من المكان بل أن تكون قادرا على أن تحول هشاشتك إلى معرفة ووحدتك إلى معنى. الأخبار