في حين تسابق كثيرون، بمن فيهم حماس للمفارقة، فضلا عن علماء معتبرين، في ميدان التعزية بشيخ الأزهر وتعداد مناقبه، شذت جبهة علماء الأزهر المستقلة عن السياق، وأصدرت بيانا بالغ الحدة يصف مناقب الرجل بطريقة مختلفة سيراها البعض مخالفة لحديث ضعيف يقول: "اذكروا محاسن موتاكم"، وهو حديث مشهور يردده، بل يعمل به الناس في كثير من الأحيان. جبهة علماء الأزهر عددت جملة من مناقب الرجل بطريقة مثيرة ومختلفة، نقتطف منها لعدم إمكانية وضعها جميعا. يقول بيان الجبهة: إن الراحل كان "أول شيخ للأزهر قال بإباحة ربا البنوك، وأول من دنس عرصات المسجد الأزهر بأقدام أحبائه من الصهاينة اليهود"، ثم إنه "أول من زار نوادي اليهود المشبوهة بمصر مثل الليونز والروتاري من شيوخ الأزهر وعلمائه، وأول شيخ للأزهر يضع يمين زعيم المجرمين قائد مذبحة قانا (الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز) في كلتا يديه، بل إنه كرر الجلوس إليه بعد أن أنكر معرفته له، وقال إن وجهه كان مألوفاً لديه". ثم أضاف أنه "أول من سعى من شيوخ الأزهر في خراب الأزهر، فألغى في المعاهد الأزهرية الفقه المذهبي لحساب كتابه "السقيم" الفقه الميسر"، مضيفا أنه "استهل عمله بحذف اثني عشر جزءا من القرآن الكريم من مراحل التعليم الأولى، ثم قام بحذف آيات الجهاد من كتب التفسير"، كما أنه "أول من أفتى بجواز حصار المستضعفين من أبناء غزة وخرس عن جريمة إمداد اليهود بسلاح الغاز والبترول". والحق أنه ما من شيخ للأزهر طوال تاريخ هذه المؤسسة العريقة تعرض لمثل هذه الانتقادات التي تعرض لها الراحل طنطاوي، مع العلم أنه مرّ على المؤسسة خلال العقود الماضية شيوخ كبار من وزن الشيخ شلتوت والشيخ جاد الحق، لكن الرجل الذي حلّ في المنصب دون مؤهلات حقيقية بحسب كثيرين لم يلبث أن تورط في حبائل السياسة وصار يعبر عما يريده السياسي بدل التعبير عن روح الدين وضمير الأمة. أيا كان الأمر، فقد أفضى الرجل إلى ما قدم، ونسأل الله أن يتغمده برحمته، لكن رحيله ما لبث أن أعاد إلى الساحة ذلك الجدل حول طريقة تعيين شيوخ الأزهر، الأمر الذي ازداد إلحاحا في ظل طبيعة المرحلة التي تعيشها مصر في مرحلة التوريث، وفي ظل ما تعيشه من تراجع على مختلف المستويات بسبب بؤس السياسة من دون شك. ما من شك أن القرار السياسي هو الذي حدد طبيعة الشيخ الجديد (عضو في الحزب الحاكم وذو توجهات صوفية)، كما أنه هو أيضا من سيحدد طبيعة تعاطيه مع قضايا الدين والسياسة، فإذا أراد منه رفع سوية المؤسسة، من دون أن يتبع السياسة وتحولاتها، فلن يكون الأمر صعبا في واقع الحال، لكن نوايا تكرار التجربة الماضية، والميل إلى تبعية الشيخ لتحولات السياسة، سيعني أنه لن يختلف عن سلفه، بصرف النظر عن الفارق الطبيعي بينهما، أو ما يمكن أن يتورط فيه من فتاوى، مع العلم أن طنطاوي قد تجاوز حتى ما يتوقعه السياسي منه في كثير من الأحيان. خلاصة القول هي أن إرادة السياسة تبقى المحدد الأساسي، ليس لطبيعة شيخ الأزهر ومؤهلاته، وكذلك حال المفتي وسوى ذلك من المواقع المشابهة، بل لسائر أحوال الدين والسياسة، فالسياسة هي التي تقرر دعم تيار ديني معين وإعلان الحرب على آخر، وكثير من هذه التيارات التي تظن أنها تملك مفاتيح الحق، ليس لها من مؤهل سوى امتلاك غطاء السياسة، ولو قرر أصحاب الشأن حرمانها من المنابر لصار وضعها بائسا إلى حد كبير، لاسيَّما أن قدرة كثير منها على الإقناع تبدو محدودة إلى حد كبير. نتمنى بالطبع أن يعود الأزهر إلى ألقه القديم، ولن يحدث ذلك من دون استقلاليته عن السلطة وتعبيره عن روح الدين وضمير الأمة، لاسيَّما أن الأمة لا تزال في حاجة إليه في ظل اختطاف تفسير الدين من أقوام يزعمون امتلاك الحق، كما يزعمون أنهم وحدهم الفرقة الناجية، بينما تتوزع الأمة على عشرات الفرق الهالكة!! بقي القول إن الأنظمة كانت تطالب الحركات الإسلامية بعدم خلط الدين بالسياسة، فيما الحركات اليوم هي التي تطالب الأنظمة بتحرير الدين من سطوة السياسة. العرب 2010-03-24