المرصد الاجتماعي: ارتفاع في منسوب العنف وحالات انتحار استعراضية خلال أكتوبر    الائتلاف التربوي يدعو لتشريك المجتمع المدني والنقابات في الإصلاح التربوي    تحويل ظرفي لحركة المرور بهذه الطريق غداً الأحد..#خبر_عاجل    مصر: مصرع أسرة من 5 أفراد في حادث مأساوي    محاكمة سعد لمجرّد في قضية إغتصاب جديدة..#خبر_عاجل    كأس الكونفدرالية الافريقية المجموعة الأولى/الجولة الثانية فوز اتحاد العاصمة الجزائري على أولمبيك آسفي المغربي 1-صفر    المنتخب الوطني: شكوك حول مشاركة أبرز اللاعبين في مواجهة سوريا    إنتقالات: أولمبيك مرسيليا الفرنسي يحصن مدافع المنتخب الوطني بعقد إحتراف    اليوم: التوانسة يستقبلوا فصل الشتاء    عاجل/ وفاة 10 أطفال بسبب لقاح كورونا    فرع مدينة العلوم بتطاوين ينظم تظاهرة علمية توعوية يوم 3 ديسمبر 2025 بالمعهد العالي للدراسات التكنولوجية بتطاوين    اليوم.. بداية فصل الشتاء    رابطة الأبطال الإفريقية ... الجيش الملكي المغربي يتعادل مع الأهلي المصري 1-1    إندونيسيا: ارتفاع حصيلة الفيضانات إلى 200 قتيل    عاجل/ وزيرة المالية: "لا يمكن تنفيذ جميع الانتدابات في سنة مالية واحدة"    حالة الطقس ودرجات الحرارة لهذا اليوم    كرة اليد: هزيمة ثقيلة للمنتخب امام فرنسا    تطورات جديدة في قضية جمعية "نماء تونس"..#خبر_عاجل    ترامب: سأعفو عن رئيس هندوراس السابق المسجون في أمريكا    وزيرة المالية: "11 مليار دينار الفارق بين موارد الدولة ونفقاتها سيوفّرها البنك المركزي"    "إيرباص" تصدر أوامر استدعاء 6000 طائرة من طراز "A320".. ما السبب؟    المنتخب التونسي للكرة الحديدية الحرة يتوج ببطولة افريقيا في اختصاص الثلاثي    البيت الأبيض يطلق "قاعة عار" إلكترونية لوسائل الإعلام المتهمة بنشر أخبار مزيفة    حريق هائل يلتهم استوديو مصر الضخم    المنتخب التونسي للكرة الحديدية الحرة يتوج ببطولة إفريقيا في اختصاص الثلاثي    الصحبي بكار "الصرارفي عامو ب 530 مليون و200 مليون منحة انتاج وكأنه يستخرج في البترول من حديقة النادي الأفريقي!!    كأس العرب فيفا 2025 – المنتخب التونسي يشرع في تحضيراته لمباراة سوريا وشكوك حول مشاركة هذا اللاعب..    حوار الأسبوع .. الناقد السينمائي والجامعي كمال بن وناس ل «الشروق» .. أيام قرطاج السينمائية.. «مهرجان إدارة»    استراحة الويكاند    مسرحيون عرب .. المسرح التونسي رائد عربيا وينقصه الدعم للوصول إلى العالمية    حكاية أغنية...أغدا القاك .. قصة حُبّ الشاعر السوداني الهادي آدم بصوت كوكب الشرق    تطوير الابتكار    بعد سلسلة إيقافات سابقة .. الحرس الوطني بالمحرس يضرب بقوة وإيقاف 5 عناصر محلّ تتبعات    استثمار إيطالي في هذه الولاية لتطوير صناعة المحولات الكهربائية..#خبر_عاجل    تأجيل ملف التسفير 2 ورفض جميع مطالب الافراج    رسميا: الإعلان عن موعد الدورة 40 لمعرض الكتاب..#خبر_عاجل    في بالك... كان تاكل وحدك، شنوا الخطر اللي يهدّدك؟    صدمة في سيدي بوزيد: وفاة شابين خلال تركيب الطاقة الشمسيّة    غلق 4 معاصر في باجة ...شنية الحكاية ؟    استعدادات استثنائية لموجة البرد في سوسة    علامات تعني انّك مصاب بالكوفيد مش بنزلة برد    حادثة تكسير وتخريب المترو رقم 5: نقل تونس تكشف عن تطورات جديدة..#خبر_عاجل    الغرفة القطاعية للطاقة الفولطاضوئية و"كوناكت" ترفضان إسقاط الفصل 47 من مشروع قانون المالية 2026    بينها متحوّر من كورونا: هذه الفيروسات المنتشرة في تونس حاليا..#خبر_عاجل    أيام قرطاج المسرحية 2025: المخرج العراقي سنان العزاوي يكسر "جدار" العنف المسكوت عنه ويكشف حكايات نساء خلف الأبواب الموصدة    معرض تشكيلي في مقر المنظمة العالمية للتجارة بجنيف دعما للفنانين التونسيين وللمنتوجات الفنية الإبداعية    مدنين: امضاء 27 اتفاقية تكوين لتوفير يد عاملة مختصة في الصناعات الحرفية    الدورة الثانية من تظاهرة "هيا نحكيو ماكلة...زيتنا في دقيقنا " من 28 الى 30 نوفمبر 2025 بدار الاصرم بمدينة تونس    تعرضت للابتزاز والتهديد ثم عثر عليها ميتة: الكشف عن تفاصيل جديد حول وفاة اعلامية معروفة..#خبر_عاجل    سعيّد يُكلّف وزير الخارجية بتوجيه احتجاج شديد اللهجة إلى ممثّلة دولة أجنبية..#خبر_عاجل    الجمعة: تواصل الأجواء الشتوية    تواصل نزول الامطار بالشمال والوسط الشرقي مع حرارة منخفضة الجمعة    قضية التآمر على أمن الدولة1: أحكام بالسجن و خطايا مالية    عاجل: ترامب يعيد النظر في بطاقات الإقامة للمهاجرين... و4 دول عربية ضمن القائمة!    اسألوني .. يجيب عنها الأستاذ الشيخ: أحمد الغربي    خطبة الجمعة .. إنما المؤمنون إخوة ...    عاجل: هذا موعد ميلاد هلال شهر رجب وأول أيامه فلكياً    اليوم السبت فاتح الشهر الهجري الجديد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استراتيجية أوباما: إعلام في خدمة الحرب : نقولا ناصر*
نشر في الفجر نيوز يوم 31 - 05 - 2010

(تنفق الولايات المتحدة على الحرب والاستعدادات لها أكثر مما تنفقه بقية العالم مجتمعة والميزانية العسكرية التي طلبها أوباما من الكونغرس للسنة المالية 2011 أكبر من أي ميزانية عسكرية أميركية منذ الحرب العالمية الثانية)
على الأرجح لن ينتظر الرأي العام العربي سنة كاملة مثلما انتظر بعد خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة أوائل العام الماضي لكي يكتشف أن وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" التي نشرها البيت الأبيض الأسبوع المنصرم لا تعدو كونها مجرد فصل جديد من الحملة الإعلامية التي تشنها إدارته لتحسين صورة الولايات المتحدة وجزءا من حربها النفسية للتغطية على حروبها في العراق وأفغانستان وباكستان وزيادة حشدها العسكري في الخليج العربي بخاصة والمنطقة بعامة لدعم الجهد الحربي الأميركي في مسارح القتال الرئيسية.
لذلك لم يكن مستغربا أن يوظف الرئيس أوباما كبار معاونيه، مثل المسؤول عن "مكافحة الإرهاب" في البيت الأبيض جون برينان، ومستشاره للأمن القومي جيمس جونز، ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وغيرهم في الترويج لهذه "الوثيقة" مباشرة بعد إعلانها في لقاءات عامة يومي الأربعاء والخميس الماضيين.
فهذه الوثيقة المكونة من 52 صفحة هي مجرد استحقاق قانوني يطلبه الكونغرس من كل إدارة جديدة ورئيسها، وهي "غير ملزمة" قانونيا، وقال كاتب خطابات الرئيس باراك أوباما ومؤلفها الرئيسي بنجامين رودس إن السياسات الواردة فيها لا تمثل خططا أصلية بل إنها إعادة إنتاج للخطابات الرئاسية والبيانات الرسمية الأخرى، أي أنها وثيقة دعائية، لذلك ربما يكون من الأجدى للرأي العام العربي أن تسلط وسائل إعلامه الأضواء على 120 صفحة يتكون منها تقرير البنتاغون المستحق كل أربع سنوات لمراجعة التخطيط العسكري الأميركي للسنوات العشرين المقبلة لمعرفة الاستراتيجية الحقيقية للأمن القومي الأميركي، بدل الانسياق مع جدول الأعمال الإعلامي الذي تختار الإدارة الأميركية فرضه على وسائل الإعلام العالمية والإقليمية لتحرف الأنظار بعيدا عن استراتيجيتها العسكرية الفعلية على الأرض.
فاستراتيجية الأمن القومي الأميركي طبقا لتقرير البنتاغون عمادها تعزيز القوة النووية الأميركية ب"قوة ردع تقليدية" مدمرة قادرة على ضرب أي هدف في العالم "خلال ساعة واحدة"، كما كتب الصحفي والناشط السياسي الأميركي جاك إيه. سميث في السابع من الشهر الجاري.
والأولوية الأولى لهذه الاستراتيجية هي "الانتصار في حروب اليوم" التي تخوضها واشنطن في العراق وافغانسان وغيرهما لأن "النجاح في الحروب المقبلة سوف يعتمد على النجاح في هذه الحروب الجارية" كما قال روبرت غيتس وزير دفاع أوباما وسلفه جورج دبليو. بوش في بيان له قدم فيه تقرير البنتاغون في الأول من شهر شباط / فبراير الماضي.
والأولية الثانية التي تسعى إليها إدارة أوباما هي امتلاك قوة اميركية قادرة في آن واحد "على حماية مصالح الولايات المتحدة ضد أي عدد من التهديدات، بما في ذلك تهديدات دولتين معتديتين مقتدرتين" وعدم الاكتفاء بالقدرة الأميركية الحالية على خوض حربين كبيرتين في وقت واحد.
لذلك لا يعود مستغربا أن تنفق الولايات المتحدة على الحرب والاستعدادات لها أكثر مما تنفقه بقية العالم مجتمعة مع أن سكانها يمثلون (4.54%) من سكان العالم فقط، وأن يكون لها حوالي (460) ألف عسكري منتشرين حول العالم في أكثر من ألف قاعدة ومنشاة عسكرية خارج حدودها في (120) بلدا، ليتبجح غيتس مؤخرا في مؤتمر رابطة البحرية الأميركية بقوله إن بلاده بامتلاكها (11) حاملة طائرات، و (10) سفن حربية برمائية كبيرة، و (57) غواصة هجومية، و (79) سفينة حربية أخرى مجهزة بنظام "آجيس" المحوسب لرصد الأهداف المعادية وضربها بالرادار إنما تملك أسطولا حربيا "أكبر بنسبة واحد في المئة في الأقل من 13 سلاح بحرية تالية له مجتمعة"، ناهيك عن سلاح جو يرصد المعمورة بكاملها وأقمار عسكرية في الفضاء تراقبها وصواريخ نووية موجهة مسبقا نحو الأهداف المعادية المحتملة.
وفي ضوء تقرير البنتاغون هذا، كانت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" صادقة في تأكيد أمر واحد فقط هو تعزيز الامبراطورية الأميركية عسكريا لأنه "تماما مثلما ساعدت أميركا في تقرير مسار القرن العشرين، فإنه يجب علينا الآن أن نبني موارد قوة ونفوذ أميركيين لصياغة نظام دولي يستطيع التغلب على تحديات القرن الحادي والعشرين" كما جاء في الوثيقة، أي أن إدارة أوباما مصممة على أن تستمر عقلية القرن الماضي الأميركية في القرن الجديد دون أي تغيير، لذلك لا يعود مستغربا أيضا أن تكون الميزانية العسكرية لإدارة أوباما أكبر من كل الميزانيات العسكرية لبقية دول العالم كافة، في استمرارية لافتة للنظر لسياسة سلفه بوش الذي ضاعف الميزانية العسكرية منذ عام 2001، ويقول مراقبون أميركيون إن الميزانية العسكرية التي طلبها أوباما من الكونغرس (708 مليارات دولار) للسنة المالية 2011 أكبر من أي ميزانية عسكرية أميركية منذ الحرب العالمية الثانية، وأن تكلفة الحربين على العراق وأفغانستان (147 مليار دولار سنويا وهي في ازدياد منها 5.5 مليار للعراق و 6.76 مليار لأفغانستان) تأتي ثانية فقط بعد التكلفة التي تكبدتها الخزينة الأميركية في تلك الحرب.
وأي قراءة لتقرير البنتاغون تؤكد عدم وجود أي تغيير في الاستراتيجية الحقيقية للأمن القومي الأميركي سوى تحديث آلة الحرب الأميركية، وزيادة حجمها، وتوسيع نطاق انتشارها. إن مشروع "الدرع الصاروخية" الأميركية في أوروبا الذي أثار أزمة مع روسيا، ونشر بطاريات "باتريوت" الأميركية في بولندا الأسبوع الماضي، وإضافة ست قواعد عسكرية أميركية في كولومبيا مؤخرا، وتوسيع قاعدة قيادة الاسطول الخامس الأميركي في البحرين على مساحة (70) فدانا إضافية، وزيادة عديد قوات الاحتلال الأميركي في أفغانستان ليتجاوز لأول مرة عديدها في العراق، وتوسيع الحرب على أفغانستان إلى باكستان، إنما هي وغيرها مجرد دلائل ظاهرة على الاستراتيجية الحقيقية للأمن القومي الأميركي كما جاءت في تقرير البنتاغون، مما يتطلب تفسيرا للمغالطات الخادعة الواردة في وثيقة "استراتيجية الأمن القومي"، مثل التخلي عن شعار "الحرب العالمية على الإرهاب" بينما تسوغ الوثيقة استمرار الوجود الأميركي في العراق بالمساعدة في محاربة الإرهاب (أي المقاومة الوطنية) وتسوغ المواجهة مع إيران بدعمها لما سمته الوثيقة "الارهاب، ومثل رفض التحرك "المنفرد" على المستوى الدولي بينما تنص الوثيقة على أن "الولايات المتحدة يجب أن تحتفظ بالحق في العمل منفردة"، واللجوء إلى القوة كملاذ أخير بينما تقرير البنتاغون يؤكد على العكس تماما، وإسقاط ثلاث دول منها سوريا من "محور الشر" الذي اعلنه سلفه بوش، إلخ.
إن أحد الاختبارات الحقيقية لأحد إدعاءات الوثيقة يتمثل في التمييز مرة واحدة وإلى الأبد بين "القاعدة" وبين حركات المقاومة للاحتلال الأجنبي ورفع أسماء حركات مثل حزب الله اللبناني والمقاومة العراقية وحركة حماس الفلسطينية من قائمة الإرهاب الأميركية ورفع أسماء دول عربية مثل سوريا من القائمة الأميركية للدول "الداعمة للإرهاب"، فهذا هو المحك لصدقية أي إدعاء كهذا.
أما تفسير الادعاءات التي تحاول الوثيقة ترويجها لتخفيف العداء المتزايد لأميركا عالميا فيكمن أولا وأخيرا في الأزمة المالية التي تعانيها الولايات المتحدة والناجمة أصلا عن تكلفة حروبها، فعلى سبيل المثال قال الصحفي الأميركي ماثيو "مات" تيبي إن غزو العراق لم يكن حربا على صدام حسين بقدر ما كان "غزوا كفؤا لا مثيل له في التاريخ للميزانية الفدرالية" الأميركية، مما حول الولايات المتحدة من أكبر دائن في العالم إلى أكبر مدين فيه. فالدين الوطني الأميركي الذي يزيد حاليا على (13) تريليون دولار بنسبة تبلغ عشرة في المئة من إجمالي الاقتصاد الأميركي قد تحول إلى تهديد رئيسي لأمن الولايات المتحدة وزعامتها العالمية، كما قالت هيلاري كلينتون أمام معهد بروكينغز الخميس الماضي، بحيث أصبح تخفيض هذا الدين "أولوية عليا" لإدارتها كما أضافت، ولتخفيض هذا الدين ألف أوباما لجنة من الحزبين تضم (18) عضوا، لأنه كما قال "لم يحدث في أي وقت في تاريخ البشرية أن احتفظت دولة تعاني من تدهور حيويتها الاقتصادية بتفوقها العسكري والسياسي".
ومع أن سقوط معظم الامبراطوريات في التاريخ ارتبط بأزماتها المالية، فإن أوباما كما يبدو مصر على الاستمرار في الاستنزاف الحربي لميزانية بلاده ربما ليكون له الفضل في انهيار الامبراطورية الأميركية بدورها بدلا من وقف الحروب الأميركية المتصاعدة كأفضل طريق لإخراجها من أزمتها الاقتصادية.
ولهذا السبب على وجه التحديد تركز وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" على التعاون والشراكة الدوليين، لكي تحمل "الشركاء" طوعا أو كرها جزءا من الأعباء المالية لحروب هي أميركية في الأصل، أو كما قال أوباما لخريجي الأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت الأسبوع الماضي، فإن "أعباء هذا القرن لا يمكن أن تقع على عاتق جنودنا وحدهم، كما لا يمكن أن تقع على الأكتاف الأميركية وحدها".
وقد أوضح تقرير نشره "مركز التقدم الأميركي" في السادس من الشهر الجاري كيف تمول واشنطن حروبها من جيوب غيرها عندما بين تفاصيل حوالي (163) مليار دولار كانت مخصصة لإعمار العراق حتى نهاية شهر آذار / مارس الماضي، إذ تحملت واشنطن (53.30) مليارا منها فقط بينما دفع العراقيون (91.43) مليارا من أموالهم التي تشرف سلطة الاحتلال عليها و (18.10) مليارا تعهد بها مانحون دوليون.
طبقا ل"مركز معلومات الدفاع" الأميركي، كلفت الحرب على العراق الخزينة الأميركية حتى الآن 2.3 تريليون دولار، وطبقا لدراسة أجرتها جامعة ماساشوستس فإن تريليون واحد منها يكفي لحصول مليوني طالب سنويا على منحة دراسية جامعية لمدة أربع سنوات طوال 23 سنة. وقد حاول "مشروع الأولويات الوطنية" الأميركي تفسير قيمة هذه التكلفة الباهظة بتبسيطها بقوله إن المرء لو كان يجني مليون دولار سنويا فإنه سيحتاج إلى مليون سنة ليجني تريليون دولار. ألم يكن غزو العراق بالمنح الدراسية أجدى بما لايقارن للعراقيين والأميركيين على حد سواء بدلا من احتلاله !
وفي هذا السياق ربما تجدر الإشارة إلى مهارة أوباما في استغلال وسائل الإعلام التي أوصلته إلى البيت الأبيض، وهو درس قرر كما يبدو أن يستفيد منه وهو في سدة الحكم، فبادر إلى استبدال "مكتب الاتصال العام" الذي كان أسلافه يعتمدون عليه ب"مكتب التواصل مع الجمهور"، ليضاعف عدد العاملين فيه أربع مرات، ويعززهم بكفاءات "إنشائية"، مثل كاتب خطاباته بنجامين رودوس، ليزيد عددهم على عشرين "مدير" إعلام واتصال جماهيري تبلغ قيمة رواتبهم خمسة ملايين دولار سنويا مقابل ثلاثة موظفين في "مكتب اتصال" سلفه جورج دبليو. بوش بتكلفة سنوية تزيد قليلا على 335 ألف دولار.
ويلفت النظر في العراق بخاصة، عشية إعادة انتشار جزئية لقوات الاحتلال الأميركي من العراق إلى أفغانستان، طرح البنتاغون لمناقصة على "متعاقدين مدنيين" من أجل تصعيد التغطية الإعلامية في العراق والولايات المتحدة معا بتقديم "خدمات استراتيجية لإدارة الإعلام" مهمتها "التواصل الفعال مع جمهورنا الاستراتيجي" باعتبار ذلك "جزءا حيويا من العمليات في العراق"، ولكون نشاط متعاقدي الإعلام المدنيين هؤلاء "عسكريا"، فإنه "يجب عليهم أن يظهروا الدرجة الأعلى من المهنية في المظهر، والسلوك الشخصي، ... ولا يسمح بوقوع أكثر من خطأ مسلكي شخصي واحد طوال مدة العقد ... بما يتفق مع قيادة عسكرية من أربعة نجوم" ! (الواشنطن بوست في 25/5/2010)
إن السؤال الرئيسي الذي لم يجد الرأي العام العربي جوابا له في وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" الجديدة يدور عما إذا كانت هذه الاستراتيجية تتضمن أي انقلاب على استراتيجية بوش في العراق، أو أي تغيير فيها أو تعديل جوهري عليها، وهي بالإضافة إلى الاستراتيجية الأميركية في فلسطين المحتلة استراتيجية حاسمة في إحداث تغيير نوعي في العلاقات العربية الأميركية، ليجد فقط أن استراتيجية أوباما إنما تبني فقط على استراتيجية سلفه وتخطط للبقاء في العراق إلى أمد غير منظور. والبحث عن متعاقدين إعلاميين للتغطية على هذه الحقيقة لن ينجح في التمويه عليها.
وإبرام الخارجية الأميركية عقدا بمليار دولار أميركي في آذار / نيسان الماضي مع شركة "تريبل كانوبي" لتوفير جنود مرتزقة لحماية الوجود "المدني" الأميركي في العراق لفترة طويلة مقبلة يذكر بحقيقة أخرى مطلوب أن يغطي عليها فريق التضليل الإعلامي الجديد الذي سيتم التعاقد معه، وهي أن عدد المتعاقدين الأمنيين وغير الأمنيين الأميركيين في العراق سوف يرتفع إلى 125 ألفا، بعد أن انخفض من (160) الفا متعاقدين مع وزارة الدفاع الأميركية وحدها عام 2008 إلى (100) الف اليوم،وطبقا لخدمة أبحاث الكونغرس مثل المتعاقدون عام 2009 الماضي (48%) من القوة البشرية العاملة مع وزارة الدفاع الأميركية في العراق، ليتضح بان الاحتلال الأميركي يستخدم المتعاقدين أولا لإخفاء الحجم الفعلي لقواته في العراق وثانيا لخفض عديد خسائره في الأرواح حيث لا يرد عدد القتلى الأميركيين من المتعاقدين في البيانات الرسمية للبنتاغون (25 قتيلا في الربع الأول من العام الجاري و1471 منذ الغزو عام 2003 حسب وزارة العمل الأميركية التي توثق خسائرهم في الأرواح )، في مثال آخر للتضليل الإعلامي الأميركي، هذا عدا عن خمسين ألف جندي أميركي (وهذا ليس بالقليل إذ يمثل أكثر من عديد الجيوش في كثير من الدول) سوف يظلون في العراق بعد الموعد المحدد لسحب القوات المحاربة للاحتلال الأميركي من العراق بنهاية عام 2011 بموجب اتفاقية "صوفا" الأمنية التي تنظم وجود الاحتلال الأميركي في العراق بعد ذاك التاريخ.
ومما يؤكد أن أوباما يبني على استراتيجية بوش القرار التنفيذي الذي أصدره البيت الأبيض في العاشر من أيار / مايو الجاري بإنشاء "مكتب العراق للشراكة الاستراتيجية" يكون تابعا لوزارة الخارجية تمهيدا "لاتفاقية الإطار الاستراتيجي" من أجل ضمان "مواصلة الحضور" الأميركي "الفعال في العراق". ومن الجدير بالتذكير هنا أن الموعد المقرر لاستفتاء العراقيين على اتفاقية "صوفا" الذي نصت عليه الاتفاقية نفسها قد طواه النسيان بينما لم تصادق حتى المؤسسات "التشريعية" التي أقامها الاحتلال نفسه، ناهيك عن أي ممثل حقيقي للشعب العراقي، على أي اتفاقية إطار استراتيجي لأي "شراكة" بين البلدين.
إن تغيير مسمى الخمسين ألف جندي أميركي الذين سيبقون في العراق بعد عام 2011 من قوات "مقاتلة" إلى خبراء ومدربين ومستشارين، وتغيير مسمى عملية الاحتلال الأميركي للعراق من "عملية حرية العراق" إلى "عملية الفجر الجديد" اعتبارا من أول أيلول / سبتمبر المقبل، لن تغير في حقيقة أن ظلام الاحتلال مستمر في العراق وأن أي "فجر جديد" للعراق لن تصنعه إلا مقاومة وطنية موحدة للاحتلال لا تبقي أيا من آثاره تحت أي مسمى، لكن هذا التغيير "الاسمي" هو نموذج للتضليل الإعلامي الذي تحاول ترويجه وثيقة "استراتيجية الأمن القومي" الأميركي الجديدة.
*كاتب عربي من فلسطين


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.