صورة من التجمع التضامني في باريس يوم الأحد 13 أفريل 2008 " عام 73، ماضي ساعتين الطقس خريف كانت أم العرايس تعج بصفوف طويلة فيها الروس منكسة جبينة الوجوه صفر أباري وحفر ساق في البر وساق في القبر الناس شايحة لايحة وريحة الموت فايحة العيون غارقة ساهمة سارحة آش ثم، الجبل جاء الماء طرانت وطنان غرقت الخدامة مات علي، وعمار، وبلقاسم، وسليمان القربان مكفاشو زاد كمل ثلاثة في نفس الساعة ونفس اليوم باش اشبع وارتاح وخلى اليتامى تنوح في البيوت قصتنا معاك يا داموس طويلة وغرايبك يا داموس فاتت ألف ليلة وليلة البالة والفاس يا داموس، شاهدين علينا "
هذه مقاطع من أنغام فرقة أولاد المناجم وهم بزيّ الكادحين في السنوات الخوالي، ينشدون في الجامعات في القاعات في المعاهد في المدارج، في المعابر، ينسجون عن كل جرح حكاية، ويكتبون بحناجرهم للحلم أناشيد السفر، مهداة لعمال المناجم، في الرديف، وقفصة وأم العرايس، يعزفون على أوتار وجع الكلمات التي لا تقال، ويغنون لقرى تولد بلا رحيق، و مدن يغطيها رذاذ الأحزان، ومناطق يعصّبها الغبار، في أرياف منزوعة الربيع، تبحث عن يوم لا يأتي وعن صبح شريد... مفاصل هذا النشيد، يوقظ الذاكرة لدى العديد ممن حضر هنا في هذا التحرك... حيث شهدت باريس تجمعا يوم الأحد تضامنا مع أهالي الحوض المنجمي في ساحة " كورون "، إذ توافد العديد من التونسيين والتونسيات من مختلف الأعمار والألوان السياسية والطبقات الاجتماعية، تحت لافتات تعبر عن مساندة وتضامن مطلق مع المحتجين في هلال الفقر والبطالة، وفي الأثناء وزعت مئات المناشير التي تشرح وقائع أحداث مناطق الحرمان، واستمر التجمع يستقطب فضول المارّين العرب والأجانب، وتحديدا التونسيين الذين تكاثروا للإطلاع والاستفسار والمشاركة، خصوصا وأن هذه الساحة هي أحد أهم تجمعات الجالية العربية، حيث تقطنها أغلبية مهاجرة، مما جعل التجمع يكتسي صبغة تضامنية من العديد من الجاليات الأخرى العربية والإفريقية والآسيوية، وقد استمر هذا التجمع 3 ساعات على إيقاع أنغام مرسيل خليفة وفيروز، تخلله تنشيط من طرف السيد محي الدين الشربيني منسق لجنة المساندة، إلى جانب السيد خميس كسيلة، ليمدّا المتجمّعين بآخر التطورات وجملة التحركات، كما استمع الحاضرون إلى مداخلة مباشرة عبر الهاتف من خلال مكبرات الصوت، للأستاذ عدنان الحاجي، بدأها بتحية المتظاهرين، وأثنى على صمود أهالي الحوض المنجمي ووقوفهم المتميز، مبيّنا التسلسل الزمني للأحداث ومعاناة هذه المدن التي غاب ربيعها، مشدّدا على حقوق الأهالي في العيش والكرامة، داعيا السلطة إلى حوار جدّي يراعي الحقوق والمطالب الشرعية، للذين باتوا ينامون على الطوي ويستيقظون على الوعود، منهيا كلمته بأنهم باقون على العهد من أجل استرداد الحقوق المفقودة، هذا ومن الملاحظ أن هذا التجمع شاركت فيه العديد من الفعاليات الحقوقية، وكل الأطراف السياسية، اجتمعوا دون استثناء، إلى جانب مشاركة عدد من الطلبة، وحضور الصحافة العربية والأجنبية، كما وزّع بيانا تضامنيا باسم الحزب الديمقراطي التقدمي فرع باريس، لينتهي هذا التجمع الذي اتسم بمشاركة حميميّة لكل الفرقاء السياسيين والفعاليات الحقوقية ومختلف الطبقات الاجتماعية للمواطنين، إلى تأكيد الحاضرين على مواصلة التحرّك المستمر وتحشيد المناصرين، من أجل المساندة والدعم الإعلامي والحقوقي، لفائدة حصول أهالي الحوض المنجمي على حقهم في الشغل والكرامة، معتبرين أن المجابهة الأمنية لا يمكن أن تحل القضية...
هذا وللعلم أن يوم السبت وقعت مظاهرة كبيرة في مدينة " نونت "، أحد أهم المدن الفرنسية التي تبعد عن باريس حوالي 300كلم ، قام بها مهاجرون تونسيين عاديين من أصيلي مدينة الرديف، احتشد فيها عمال وشباب رفعوا شعارات معبّرة عن تضامنهم العضوي مع أهاليهم في مسقط رؤوسهم، وقد استرعت هذه المظاهرة انتباه الصحافة الفرنسية ومنظمات حقوق الإنسان، خصوصا وأنها كانت بصورة عفوية، لتجوب أهم شوارع المدينة تحت رفرفة الإعلام التونسية، للتواصل حوالي 4 ساعات، كان حضور الشباب لافتا فيها، إلى جانب مهاجرين من مختلف الأعمار، رافعين شعارات باللغة العربية والفرنسية، منادين بحقوق المواطنة في العيش والشغل، معبّرين عن رفضهم لواقع عدم التوازن الجهوي، من خلال أحاديثهم الدالة على هذا الإحساس والشعور بالغبن الاقتصادي... ومن جانب آخر قامت جمعيات حقوقية موالية للحزب الحاكم، بتوزيع بيان باللغة الفرنسية، ينتقد هذا المظاهرات التي يعتبرونها نوعا من الاستغلال السياسي، معبرين عن إدانتهم القوية لمثل هذه الأساليب، وأن ما يسمى في نظرهم بلجنة المساندة، تستغل تطلعات المواطنين لزرع الفتنة، والحنين لما يسمى بثورة البلوريتاريا، التي خلفت كوارث، ناعتين إياهم بأنهم ثوار يوم الأحد، منتهين إلى القول أن مشاغل الشباب العاطل والتنمية لا تحل عبر الدعوة للفتنة والديماغوجية.
جانب من المظاهرة التي وقعت في مدينة " نانت " يوم السبت 12 أفريل 2008 * جريدة الموقف التونسية العدد 448 / 18 / 4 / 2008 الطاهر العبيدي / الموقف [email protected]