بالقنابل والرصاص.. عملية سطو ''هوليودية'' على شاحنة نقل أموال في إيطاليا (فيديو)    مع الشروق : غزّة مقابل ايران !    رسميا.. النادي الصفاقسي يقاضي حكمي الفار بمباراته أمام الإفريقي    عاجل/ تقديرات فلكية تحسمها بخصوص موعد أول يوم من شهر رمضان..    قادما من المكسيك.. الولايات المتحدة تواجه طفيليا آكلا للحوم    نمو الاستثمارات المصرح بها بنسبة 39،3 بالمائة خلال سنة 2025    تونس وكندا تعزّزان شراكتهما: مذكرة تفاهم مع مقاطعة نيوبرنزويك في التعليم والصحة والتشغيل    عاجل: والي بنزرت يعلن تحويل حركة المرور بعد فيضان وادي سجنان    محطات رصد الزلازل تسجل رجة أرضية شمال شرق ولاية تطاوين بقوة 3.2 درجة على سلم ريشتر    ايام قرطاج لفنون العرائس: أكثر من مائة تلميذ يلتحقون بمسابقة المطالعة    مواعيد جديدة لسفينة ''قرطاج'' بسبب سوء الأحوال الجوية    سليانة: الأمطار تعيد الحياة للسدود و هذه التفاصيل    المنستير: وفاة تلميذ بعد تعرّضه للطعن داخل معهد    مصالح الديوانة بالمعبر الحدودي برأس جدير تحبط محاولة تهريب ما يناهز 5.5 كيلوغرام من مخدر الكوكايين    من غير مصاريف زايدة: حلّ جديد للمؤسسات الصغرى في الفوترة الإلكترونية    أيام الدعم المسرحي بصفاقس من 9 إلى 12 فيفري 2026    عاجل : النادي الصفاقسي يطالب بتسجيلات الVAR كاملة ويهدد بتعليق نشاطه!    عاجل/ "الصوناد" تصدر بلاغ هام للمواطنين..    فيتامينات ماتجيش مع القهوة...دراسة علمية تكشف    تحذير طبي عاجل: لا تستخدموا المناديل المبللة على الجروح أبدا!    زيت الزيتون التونسي: كنزٌ عمره آلاف السنين يُهان ويُباع بثمن بخس ب3.5 يورو للتر الواحد، وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز    تظاهرة الاكلة الصحية من 10 الى 15 فيفري 2026 بدار الثقافة فندق الحدادين بالمدينة العتيقة    لبنان: مصرع 14 شخصا جراء انهيار مبنى في طرابلس    رمضان 2026: تجميد أسعار المواد الأساسية وضبط أرباح الخضر واللحوم والأسماك    مركز النهوض بالصادرات ينظم لقاء لتقييم وتثمين المشاركة التونسية في التّظاهرة الكونيّة "إكسبو أوساكا "    أبطال إفريقيا: فرضيات تأهل الترجي الرياضي إلى الدور القادم من المسابقة    بعد أزمة مسلسلها الرمضاني: شكون هي مها نصار اللي شعّلت الجدل مع هند صبري؟    يهم التلاميذ..التوقيت المدرسي لشهر رمضان..#خبر_عاجل    توزر: تسارع التحضيرات لشهر رمضان في المنازل وحركية في المطاحن التقليدية    تونس تحتضن الدورة الدولية المفتوحة للجودو من 13 الى 15 فيفري بمشاركة 33 دولة    عاجل/ عقوبات تصل الى السجن ضد مرتكبي هذه المخالفات..    بطولة النخبة: النتائج الكاملة لمنافسات الجولة التاسعة ذهابا من مرحلة التتويج    هجرة التوانسة إلى كندا: هذه الإختصاصات المطلوبة    عاجل : وفاة ملكة جمال بعد حادث أمام سكنها الجامعي    عاجل/ تحذير من هبوب رياح قوية: منخفض جوي يهدد هذه المناطق التونسية..    عاجل/ في بلاغ رسمي..الجامعة التونسية لكرة القدم تعلن..    صداع "اليوم الأول".. خطوات هامة لتصالح مع فنجان قهوتك قبل حلول رمضان..    رمضان : أفضل وقت وماكلة للإفطار عند ارتفاع الكوليسترول    أمطار غزيرة بأقصى الشمال الغربي:مرصد سلامة المرور يُحذّر مستعملي الطريق    عاجل: هذه الدولة تعلن أن 18 فيفري هو أول أيام رمضان فلكيًا    عاجل/ قضية المسامرة..تزامنا مع محاكمة الغنوشي وقيادات من النهضة..المعارضة توجه هذه الرسالة لأنصارها..    "لست نادما"..اعترافات صادمة لقاتل زوجته وابنته..وهذا ما قرره القضاء في حقه..    رمضان 2026: رامز جلال في مقلب صادم يشبه Squid Game    وفاة الإعلامية والأديبة هند التونسي    عاجل/ من بينهم رضيعان: غرق مركب حرقة قبالة هذه السواحل..وهذه حصيلة الضحايا..    بطولة بو الفرنسية للتنس - معز الشرقي يفتتح مشاركته غدا الثلاثاء بملاقاة الالماني جوستين انجل    الاعلان عن تنظيم مسابقة للهواة في اطار مهرجان مساكن لفيلم التراث من 17 الى 19 افريل 2026    عاجل/ فضيحة جديدة..وثائق ابستين تطيح بهذه الوزيرة..    الإعلان عن التركيبة الجديدة للمكتب التنفيذي المنتخب لجمعية القضاة التونسيين    عاجل: الأمطار تتركّز اليوم على نابل وتونس الكبرى    بنزرت: وفاة امرأة أضرمت النار في جسدها    عاجل/ خفايا جديدة تكشف لأول مرة عن بشار الأسد وليلة هروبه..    الترجي الرياضي يعلن انهاء العلاقة التعاقدية مع المدرب ماهر الكنزاري    تواصل عمليات البحث عن الشاب حمزة غريق نفزة    بسبب القيود الأمريكية.. كوبا تبلغ شركات طيران بتعليق إمدادات الكيروسين لمدة شهر    من «سدوم» إلى إبستين ... عورات الحضارة وتكرار سنن السقوط    أيام قرطاج لفنون العرائس .. فسيفساء عرائسية بصرية ملهمة فكريا وجماليا    عاجل/ مدينة العلوم تكشف موعد حلول شهر رمضان..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن المقاربة اللغوية في فهم ظاهرة الإسلام السياسي
نشر في الحوار نت يوم 02 - 04 - 2014

بلغ بالعرب و المسلمين حدودا من التخلّف اللغوي و الثفافي و السياسي و الاقتصادي و السلوكي، مما سبّب في مضاعفة أزمة العقل العربي و الإسلامي و عجزه حتى عن ادراك أزمته. و بقي سؤال لماذا تقدّم الآخرون و تأخّرنا نحن، من الأسئلة المزمنة التي بلغت حد" العفونة" الفكرية في تناولها. و مما أميل إليه أن أزمتنا مركّبة و متعدّة الأبعاد، و لا يمكن فهمها إلا بمناهج مركّبة و متعدّدة أيضا. فالإدعاء بأن المقاربة اللغوية لوحدها أو المقاربة النفسية لوحدها.. ستوصلنا إلى الفهم الموضوعي و تفتح لنا أفقا في حل المشكلات العربية و الإسلامية، هي دعوة لا تستقيم علميا.

فرضيات لاعلمية و فهم تجزيئي:
قد سُعدت مؤخرا بقراءة مقال الأستاذ محمد الحمّار " يوم يتكلّم العرب لغتهم" و الذي ذكر بأنه توسّل بالمقاربة اللغوية في فهم ظاهرة " الإسلام السياسي" و مآلات فعله في الواقع العربي أساسا.و كنت أنتظر من الأستاذ الحمّار أن يخرج لنا بنتائج يمكن أن تساهم في الفهم كمقدمة للبناء عليها على المستوى العملي.. إلا أنه في نظرنا لم يكن وفيا للمقاربة اللغوية المحضة و التي تغوص في كنه المكوّن اللفظي و دلالته و " تشخّصه" المادي و النفسي واقعا. لتكون القراءة موضوعية و إن هي حملت بذور الفهم التجزيئي، و ليس ذلك بمعيب فكل مقاربة تأتي على شكل المنهجية المستخدمة و تتحدّد بحدودها، لتُكمل بقية المقاربات المغايرة بقية أجزاء الصورة. و هذا هو مطلب التحليل العلمي. و مما يُلاحظ في مقاربة الأستاذ الحمّار أنه كان سجينا لمجموعة من "العيوب المنهجية" و التي في تقديرنا تقدح تاليا في علمية و موضوعية نتائج مقاربته و التي نُجملها في التالي لعلنا نعود إليها في محاورة أوسع تفاعلا مع الكاتب:
1. المنهجية العلمية عادة ما تنطلق من فرضيات، يؤكّها البحث أم ينقضها. إلا أن الأستاذ الحمّار انطلق في مقاربته بأحكام مسبقة و رؤية مطلقة و"دغمائية" بيّنة حاكمة لقوله. من مثل:
· "اللغة والإسلام السياسي يشكلان الداء لا الدواء" و هي حقيقة تتجلّى في الواقع كما يدعي الكاتب..
· "..تأكد نفور جانب كبير من المجتمع من حُكم "الإسلاميين" وتقززهم لمجرّد متابعة الأخبار بشأنه.."
فهذه أمثلة لما وصفنا. فإذا كانت الحقيقة متجلّية في الواقع و النفور سائد، فهلاّ تركنا المجتمع يدافع عن نفسه بنفسه وفق الآلية التي تواضع عليها لتكون حكما بين مكوّناته!. و الذي يهمني هنا إن ما صدّر به الأستاذ الحمّار مقاربته ليست فرضيات علمية قابلة للبحث. بل هو انطلق من مجموعة حقائق مسلّمة لديه و مثبتة واقعا. فمن الطبيعي أن تجرّه هذه الدعوة إلى تثبيتها مما يُفقد مقاربته صفتي العلمية و الموضوعية. و أنا هنا في سعي إلى تبيّن انضباط المقاربة منهجيا و ليس الحكم عليها فكريا أو سياسيا.
2. إن الحقائق التي ذكرها الأستاذ الحمّار و التي أوردنا مثالا لها سابقا، لم يشر إلى المقياس الذي اعتمده ليضفي عليها صفة الحقيقة. فإذا كانت حقيقة موضوعية في الواقع الاجتماعي من الأكيد أنها تأسست على آلية متواضع عليها، فما هي الآلية المستخدمة هنا. أما إذا كانت حقيقة نفسية فذات الكاتب هي التي أطلقت عليها هذه الصفة مما يُبعدها عن الموضوعية و العلمية.. و إذا تركنا الأمر على اطلاقيته لوجدنا في الواقع أمثلة أكثر تنقض ما وُسم بالحقائق في المقال.و لكن هذا التمشي يُدخلنا في المحاججة السياسية و التي ليست طلبنا هنا، على رغم "تهاوي" المقال في قاعه.مما جعل من مقاله "مقاربة سياسية" و إن تخفّى وراء " المقاربة اللغوية".
3. و تأسيسا على ما سبق أيضا كان المقال المذكور مشبعا بلغة "الخصومة" و مشحونا سياسيا. فكلما حوالت المقاربة اللغوية جذب الكاتب إلى التفكيك في الأبنية و مدلولاتها، مما ينبىء ببلوغ المقاربة نتائج موضوعية، بقدر ما تفاجئك "الاسقاطات" لتنبهك بأنك لست أمام مقاربة لغوية و إنما هو تخفّ وراءها .

المقاربة و سيطرة المقاصد السياسوية:
تم التركيز فيما سبق على جزئية الفرضيات التي وضعها الباحث لنفسه. و بيّنا أن الفرضيات المذكورة لا ترتقي لوصفها بالفرضيات كتلك التي تُعتمد في البحوث العلمية. و قلنا أن الكاتب انطلق من حقائق مطلقة في نظره و أسقط عليها منهجا غير علمي، مما أفقد البحث المقصد العلمي لينزل به إلى المقصد السياسوي. و مقاربتنا النقدية سوف تحاكم البحث أولا منهجيا من خلال تبيّن مدى انضباط الباحث للبحث العلمي، و ثانيا مضمونيا من ناحيتي الصدق و الموضوعية و ثالثا اجرائيا من حيث النتائج و مدى تساوقها مع الأهداف المرسومة في البحث و المنهجية المعتمدة في التقصّي.
في مقدمة البحث ذكر الباحث أن أهداف بحثه تتجه إلى :
1. تقصّي الخيط الرابط بين الاسلام السياسي و اللغة
2. استشعار منهاج يتناسب في الآن ذاته مع المقاربة الألسنية و كذلك مع النتائج التي سيفضي إليها.
فيما يتعلّق بالهدف الأول مشروع و مقبول و يتّصف بمقومات الوصف العلمي للأهداف. أما إذا انتقلنا إلى الهدف الثاني فهو ملتبس من الناحية العلمية. فما المقصد من كلمة "استشعار" ربما تعني "استبطان" منهج مُسبق، مما يغيّر من هوية الهدف لننتقل إلى مقام الوسيلة. و ربما يعني بلوغ أو انتاج منهاج جديد يحقق المطلوب العلمي للبحث. و هذا الالتباس في تحديد الأهداف ينقض مقومات الوصف العلمي للهدف. إضافة إلى ذلك و إذا قبلنا بالرأي الثاني ففي صيغته انكشاف للمستور قبل أوانه. فالنتائج معلومة مسبقا و مُعلنة بدءا.
و في تشخيصه للعوامل التي جنت على المسلمين عموما و على العرب خصوصا قال بأن من بينها الجهل بأساليب تطوير اللغة، مما حوّلهم إلى شعوب بلا مرجعية "كلامية" و أن ما أنتجوه فيما يُسمّى بالربيع العربي هو نسخة من البُكم و من الإعاقة اللغوية. و تقديره أن المُعاق لا يُنتج إلا إعاقة جديدة. و المشكلة هنا أن الكاتب تلبّس ب"الإعاقة اللغوية"، و انتقل من تعددية العوامل إلى أحاديتها. و هذه هي الإعاقة الحقيقية. و كيف لباحث يكون هدفه هو تقصّي الخيط الرابط بين الاسلام السياسي و اللغة، و في الوقت نفسه ينطلق من حقيقة تصفهما بالداء و الدواء. فعن أي خيط نبحث؟ و عن أي تقصّ نتحدّث؟. و هكذا تتحوّل حقيقة الأهداف كما الفرضيات إلى "دغمائية سياسية" تتخفّى و راء مسمّى المقاربة العلمية.
المصطلحات و "الشحن الايديولوجي":
جعلت المقاربة اللغوية التي نتتبّعها في هذه القراءات منهجيا و مضمونيا و نتائج، من الإسلام السياسي مركز نقدها و جهد نقضها له. إلا أنه كان مستغربا من الناحية العلمية أن توجّه معاول الهدم و مناهج النقد و مقولات النقض إلى هذه الظاهرة و خاصة المصطلح المستخدم دون بدء بالتعريف بمدلوله الاصطلاحي و تعيّنه المادي. فقد ذكر مصطلح " الإسلام السياسي" عديد المرات، إلا أنك لا تظفر بتعريف له!.
و من المفارقات المنهجية التي تُحيلنا مرة أخرى إلى أن المقاربة سياسوية محضة و ليست لغوية، أن المبررات و الدوافع والتي اتخذت شكل القاعدة المنهجية التي تأسست عليها المقاربة و هي أن اللغة المستخدمة لتوصيف الواقع السياسي تُحيل قسرا إلى الإسلام السياسي!. و في حالة صدقية هذه المقولة، تفترض أن يكون الإسلام السياسي هو المتحكّم في النسيج الثقافي و الاجتماعي و العلمي و الاعلامي..لعقود حتى يتمكّن من بسط نفوذه اللغوي و يفرض مصطلحاته لتكون اللغة المستخدمة!. فهل هذا هو الواقع في تونس مثلا؟. بل على العكس بتاتا. فلغة التوصيف في تونس هي من صناعة و بلورة ما يُسمى بقوى الحداثة. و هي التي احتكرت الانتاج الثقافي و الفكري و الاعلامي. و الجمع يعرف أن تونس شهدت "حربا" على ما يُحيل إلى "الإسلام السياسي" بل إلى الفهم الشمولي للإسلام عموما. و نعيش اليوم على منتجات و آليات مرحلة " تجفيف الينابيع". فعن أي علاقة يتحدث الكاتب؟. فالمُتهم هنا ليس ما يُطلق عليه الإسلام السياسي و إنما من رضي بأن يكون أداة للإستبداد على الجبهة الثقافية و تولى مهمة إعادة صياغة الخطاب و أدواته ، ظنا أن ذلك يُكمل خطوة المستبد في "ترويض" المجتمع، فهل انقلب السحر على الساحر.
و أظن أن "الشحن الايديولوجي" الذي أُشبعت به هذه المقاربة، جعل من كاتبها "يخبط خبطا" عشوائيا. فعن أية علاقة بين كلمتي "إسلاموي/ة" و " متأسلم/ة" و " تحقير الإخوانية" ؟. هكذا يُنزل الكاتب حُكما قيميا و سياسيا و اجتماعيا دون تحليل علمي و تفكيك للمدلولات و يعتبر أن العبارتان " أصبحتا تُستعملان لتحقير الإخوانية و حُكمها، شفويا و كتابيا، و بنسق مرتفع جدا.." و ليصل إلى الحكم/الحقيقة الذي انطلق منه و يريد البرهنة عليه :".. مما يدل على أن جانبا مهما من المجتمع، و هي الفئات التي استساغت اللفظتين، أضحى يلفظ الإسلام السياسي و أتباعه و أنصاره". و الكاتب هنا ينطلق من حكم اطلاقي، لنكشف في جملته التالية أن الحكم ينحصر في الفئة التي استساغت اللفظتين!، إلا أنه ستر ما يستوجب كشفه ليكون قوله علمي، ألا و هو نسبة مستساغي اللفظتين!. فاللغة كشفت أسرار ما يُفكّر فيه و ما يُنتجه من تخلّف في التحليل و القراء العرب علموها و فهموها، على عكس ما أراد.
الوهن المضموني و التناقضات المنطقية:
مواصلة فيما شرعنا به من تفاعل نقدي، سنركز نقدنا في هذا الجزء على الجانب المضموني و تناقضاته الداخلية، مما يفقد المقاربة المذكورة جدّتها و نسقيتها و وحدتها المنطقية.
يشير الكاتب إلى أن:" إشكالية اللغة إزاء الإسلام السياسي تتسم بما يكفي من التعقيد لتعرقل التفكير السليم، إن دينيا أم سياسيا أم إزاء الاثنين معا". فاستخدام لفظتي التعقيد و العرقلة، يشيران إلى صعوبة منهجية للوصول بالمقاربة إلى نتائج موضوعية. والإشكالية بحسب تقدير الكاتب تعرقل التفكير السليم. مما يستوجب فكّها لتعبيد الطريق أمام التفكير السليم أو تجاوزها لتحقيق المناط نفسه أيضا. إلا أن ما بلغه الكاتب لا يعدو أن يكون "توهانا" في أتون الاشكالية "المزعومة". و مما يضاعف في ارتباك المقاربة و عدم قدرتها على بلوغ ما تستهدفه هو الواقع المنخرم و الذي " هو هكذا بسبب تعاون عاملين سلبيين على خيانته ثم تعقيده، و هما استخدام الاسلام (بمزجه بالسياسة) من جهة و سوء استعمال اللغة". فلو اكتفى الكاتب بلفظ استخدام الاسلام أي توظيفه دون "تعقيب توضيحي" بالمراد و هو مزجه بالسياسة، لكان موضوعيا. و يحق لنا التساؤل هنا: فإذا كان مزج الاسلام بالسياسة هو عامل خيانة و تعقيد، ألا ينطبق الأمر نفسه على الفصل بين الاسلام و السياسة. فهو في صورته توظيف في اتجاه آخر!!. إذن من حيث أراد الكاتب التحرر من العوامل السلبية، استخدمها و أعاد استخدامها في المقاربة. و الأمر نفسه أيضا ينطبق على العامل الثاني و الذي يتعلّق بسوء استخدام اللغة. ثم يتوسّع الكاتب بذكر معطى جديدا ألا وهو "تدخل اللغات الأجنبية في طرائق فهم العرب لقضاياهم و مشكلاتهم و التحديات المنتصبة أمامهم". و هذا المعطى واضح و جليّ و نتفق مع الكاتب حوله. إلا أن المفردات التي يقترحها صاحب المقاربة، و التي يعتبر انتشار استخدامها أيضا دليلا على "رفض الاسلام السياسي"، هي أيضا في مجملها نتيجة لتدخل المعطى الجديد. و قد دعا الكاتب إلى مسألتين مهمتين نتفق معه أيضا حولهما، فقد دعا إلى:
1. إنقاذ مفردة "إسلامي" و السياقات المتعلقة بها لتحريرها من المعاني التحقيرية
2. ليست كل الأفكار بشأن العرب و حياتهم و واقعهم و ثقافتهم صادرة عنهم و إنما بعضها مستورد..فالعرب مُستلبون للثقافة الأجنبية و بالتالي مغتربون عن واقع حياتهم..

إلا أن النتائج التي بلغها تأتي على عكس ما تستوجبه المقدمات المنطقية. بل يندفع سياسويا و بدون دليل إلى القول بأن "الاسلام السياسي.. يقوم بدور الحمّال لحزمة التناقضات و التباينات و المفارقات المتعلقة بالإسلام، صناعة غربية، و من باب أولى أحرى، أمريكية..". و الباحث المُنصف يعقل جيدا خلفية هذا القول و من يروّج له. و لا يمكن أن يكون ضمن محاججة تسعى إلى تفكيك تناقضات الواقع العربي و ملامسة تعقيداته لبلوغ رؤية تحليلية موضوعية. و بهذا " التشظّي الفكري" سقطت المقاربة في حيرة لم تدر كيف تخرج منها و قد اعترف الكاتب بذلك: " .. نقر أن ما أصبح من المحيّرات بشأن الأحجية اللغوية في الفضاء الثقافي العربي، إلى جانب الحيرة بشأن مسألة الإسلام السياسي بصفتها هما أضحى عصيا على العامة و الخاصة على حد سواء..". فالنتيجة التي بلغها الباحث هو الاقرار بحالة "استعصاء" على العامة و الخاصة، و هو من الخاصة. فكيف يجوّز لنفسه الاستمرار في التبشير بمقاربته !!. و كلما اتجه يمنة أو يُسرى، إلا وجد أن الآليات التي توسّل بها لا تُسعفه ببلوغ النتائج المرجوة، أو ما هي دواعي و استدعاء مصطلحات : التعقيد، الاستعصاء،الاستحالة .. فحتى الأسئلة حول الربيع العربي، الإجابة عنها: " ..شبه مستحيلة في ظرف ثقافي و فكري عام يتسم بالتخلف الابستيمولوجي، و هو تخلف يحول دون المثقف و تملكّه القدرة على السيطرة على وضع يتضمن الشيء و نقيضه". و السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما هي الإضافة التي قدّمتها المقاربة لتجاوز التخلف الابستيمولوجي؟ و ما هي مساهمة المقاربة أيضا لتمليك المثقف القدرة على السيطرة وضع يتضمن السيء و نقيضه؟
النتيجة لا شيء!!.
أما الحالة التي وصفها الباحث فهي في تقديره نتيجة إلى:
· سيادة لغة مفقودة و تبعية لغوية
· لا مبالاة العرب إزاء العربية
· حكم "إسلامي" معروف
و سأكتفي فقط بتناول السبب الأخير و الذي هو في تقديره " حكم إسلامي معروف". فعن أي حكم "إسلامي" يتحدث؟ هل تسلّم "مرسي" للسلطة هو " حكم إسلامي معروف"!. و هل تسلّم النهضة لرئاسة الحكومة " حكم إسلامي معروف"! .. أظن أن هذه دعوة سياسوية محضة. أما الحديث عن استئثار "الإسلاميين" دون سواهم بالحُكم. فهو حديث بالمعنى الشعبي" غايب شطره". فهل يعرف الباحث كم عدد وزراء و كوادرالاخوان في مصر أيام محمد مرسي، ليُبيّن لنا حجم هذا الاستئثار. أما النهضة فبخروجها طواعية من السلطة تغليبا للمصلحة العامة، هو دليل على وهن المقاربة و مواقفها تجاه الاسلام السياسي. و من "العجب الفكري" للنخبة أن يتساءل صاحب المقاربة: ".. كم كان بودنا أن نقتنع كيف سمحت كل من مصر و تونس لنفسها باقتراف أخطاء تاريخية تراجيدية مثل الترخيص لحزب الاخوان في مصر و لحزب النهضة في تونس للنشاط السياسي العلني..". هل يُعقل هذا السؤال أن يصدر من مثقف يدعي الابداع و الانفتاح و علو قيمة الحرية، ليصادرها عن غيره المغاير له فكريا فقط!!.. و تستمر التناقضات و يعتبر أن تلك الخطوة التي فرضتها إرادة الشعب بتمكين كل من يريد أن "ينتظم" وفق القانون، أن يُمنح تأشيرة العمل في الواقع، و القانون و إرادة الشعب هي الحكم بين الجميع، بأنها "انصياعا عربيا عاما للقرار الخارجي، و في شكله المنمذج .."!! و هذا تخريف سياسوي رفضته الشعوب.
فالباحث يعتبر أن "إقحام الحزب الديني في ثقافة المسلمين نتيجة للنمذجة .." ليصبح حقيقة و واقعا لكنه واقع غير متناسب مع ذاتنا..". و المشكلة أن النمذجة التي أتت (وفق رأي الباحث) بهذه "الكارثة"، يستدعيها الباحث في جميع مقاربته: آليات، منهج،أفكار... فالنمذجة ( على فرض صحة المقولة و القول) يجوز لنا استدعاءها إذا ستقدم لنا نتائج مُوجّهة، و هي مصيبة و كارثة إذا لم نتحكّم في نتائجها.. و هذا تناقض صارخ.
و حديثنا القادم سوف يتناول تفكيك مقاربة الباحث حول مقولة الحزب الديني..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.