السعودية.. التحقيق بفيديو مفزع لشخص يعذب رضيعة بوحشية    مستقبل فالفيردي بمهب الريح.. برشلونة يغرق في غرناطة    بشق الأنفس.. تونس تنتصر على ليبيا    تعزيزات كبرى في حي بو100 بالعاصمة لمطاردة أكبر مروج مخدرات    الملتقى الدولي "المكان فن بلا حدود" يختار قرقنة فضاء لإبداع    في اليوم العالمي لمكافحته: مصاب بالزهايمر في العالم كل 3 ثوان    حالة الطقس ليوم الاحد 22 سبتمبر 2019    بنزرت: تسرّب كمية قليلة من الفيول بالرصيف البترولي بجرزونة وتدخلات عاجلة لاحتوائها    تخربيشة: الله يرحمك يا بن علي…نقطة وارجع للسطر...    جمعية القضاة الشبان: ما جرى من أحداث في المحكمة الابتدائية بتونس اعتداءات مدبرة    لأول مرة بمستشفى الصادق مقدم بجربة: إجراء عمليتين لجراحة الفتق وتكميم المعدة بالمنظار    الرابطة الثانية - المجموعة الاولى - النتائج    تقرير خاص/ حراك جماهيري في الإفريقي والصفاقسي والنجم…وتحذير من «ثورة» في الكرة    نابل: حجز حوالي 38.5 طن من النحاس والسبائك المعدنية وسيارة محل سرقة بمستودع    القبض على 12 شخصا بحلق الوادي وبنزرت حاولوا إجتياز الحدود البحرية خلسة.. والقبض على منظم لهذه عمليات    باريس: إيقاف العشرات من محتجي السترات الصفراء    لحظات مرعبة داخل طائرة هوت بشكل مفاجئ من ارتفاع 12 ألف متر    صفاقس: وزيرة الصحّة تطّلع على تركيز وحدة جديدة بالمستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة (صور)    هذا ما جرى في جنازة الرئيس بن علي... توانسة يفاجؤون الجميع ووصية بخصوص قبره    الاثنين المقبل : المحكمة الادارية تقول كلمتها في الطعون (متابعة)    تسمح للقروي بالحضور الإعلامي وتمنعه عن الرياحي.. هل تسقط هيئة الانتخابات في التناقضات؟    القلعة الصغرى.. خلع وسرقة آلات وتجهيزات مصنع خياطة    كيف ستعبّر الانتخابات التشريعية عن إرادة الناخبين في ظل عدم تجريم السياحة البرلمانية؟    صفاقس : المؤتمر الطبي للقلب يكشف عن آخر أساليب علاج الجلطة دون جراحة    طلبوا 20 ألف دينار فدية.. تحرير شاب والقبض على خاطفيه    أحمد نجيب الشابي يرثي بن علي : "عارضتك بشجاعة وشرف طيلة حكمك وأنحني اليوم أمام روحك وأشهد أنك كنت وطنيا مخلصا"    الرابطة المحترفة 1 : اختيار محمد الديناري رئيسا جديدا لنجم المتلوي    الحرفية الشابة أمل العمري تتوج في الصالون الدولي للحرف في أوزبكستان مرحبا    بعد عودة المظاهرات ومغادرة السيسي.. خطوة تصعيدية في الشارع المصري الجمعة المقبل    النادي الافريقي.. أي طعم للمائوية في ظل العقوبات والمشاكل؟؟    أنس جابر تودّع دورة "ووهان" الصينية    افتتاح المهرجان الوطني للمسرح من مدينة الكاف.. وتكريم مجموعة من المسرحيين    الإطلالة الأحادية تهيمن على موضة الخريف والشتاء    كرة اليد .. برنامج الجولة الثالثة    "غوغل": خصائص مميزة جديدة لبريد "جي مايل"    فتح باب الطلب المسبق لاقتناء سيارة BMW Série 3 Berline لدى شركة بن جمعة موتورز و وكيلها    سوسة/حملة أمنية تسفر عن إيقاف عدد من المفتش عنهم    القائمات المترشحة المقبولة نهائيا في دائرة قبلي    تونس: حقل غاز نوّارة يدخل طور الاستغلال قريبا    تونس: تنفيذ 8 قرارات هدم و غلق 6 أكشاك بمدينة بنزرت    كونت وفاقا للمتاجرة بالمخدرات..الكشف عن عصابة بحوزتها 1.5 كلغ من مادة الزطلة وأكثر من 15 ألف حبة مخدرة    مقرين.. كشف لغزسرقة السيارات    مصر.. أنباء عن اعتقال نجل قيادي في الإخوان خلال إعداده لمظاهرة    كتاب تونسي جدير بالقراءة تحت اشراف امال قرامي    بعد هجمات أرامكو.. دعم عسكري أمريكي لحماية نفط الخليج    كيم كارداشيان تنشر صورا مؤلمة عن مرضها الخطير    الطاهر بوسمة يكتب لكم : قضاء تحت الإكراه باطل    عروض اليوم    مارسال خليفة ل«الشروق» ...«الربيع العربي» وقع السطو عليه    انطلاق مهرجان معبد الشعراء في المدينة العتيقة ..احتفاء ببيرم التونسي    السيسي يغادر مصر للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة    حظك ليوم السبت    توننداكس ينهى تداولاته الاسبوعية على تراجع بنسبة 0,2 بالمائة وسط تداولات متواضعة    وزير الصناعة: حقل غاز "نوارة" يدخل طور الاستغلال خلال الاسابيع القادمة    هام/بداية من الليلة: تحوير جزئي في حركة المترو رقم 4    بنزرت.. تنفيذ 8 قرارات هدم بلدية وغلق 6 اكشاك بالمدينة    منبر الجمعة ...الاستقامة ترجمة عملية للايمان    ''الهادي الجيلاني عن وفاة بن علي: ''هذه هي حسن الخاتمة التي يتمناها جميع المسلمين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عاشوراء عيد الشكران وأمل المقاومين
نشر في الحوار نت يوم 24 - 12 - 2009


عاشوراء عيد الشكران وأمل المقاومين.


النبي الأكرم محمد عليه الصلاة والسلام مؤسس الأعياد وباعث الأمل.

ورد في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام لما أخبر بعيد هجرته إلى المدينة بأن يهودا تصوم عاشوراء ( اليوم العاشر من الشهر المحرم ) إحتفاء بإنجاء الله لموسى عليه السلام من رمز الطغيان فرعون قال : نحن أحق بموسى منهم ثم صامه وقال : لأصومن تاسوعاء ( اليوم التاسع من الشهر ذاته ) من العام القابل إن شاء الله تعالى. ولكن وافته المنية صلى الله عليه وسلم قبل أن يدرك ذلك.

نبوة محمد عليه الصلاة والسلام إذن تهتبل الذكريات مهما كانت قديمة في التاريخ لتجعل منها مناسبات أعياد تبعث الأمل في الصدور التي يطحنها اليأس ويفترسها القنوط لفرط ما بث فيها الطغيان الفرعوني من جزع وفزع وهلع.

ذاك جانب جدير بالذكر والتحديث من جوانب شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام لعل الميزان في أذهان الناس يعتدل بعد أن قدم لهم الموتورون نبوته على طبق من نار وجحيم يحشدون ما هزل من الآثار السفيهة والمرويات الموضوعة التي عملت فيها معاول النخل عملها من لدن جهابذة الحديث وعلم الرجال حتى أردتها جرحى مثل حديث ( بعثت بين يدي الساعة بالسيف ) الذي قل موثقوه جدا وبطرق ضعيفة لا يقوي بعضها بعضا بل يخذل بعضها بعضا بينما كثر مجرحوه كثيرا.. يسوقه الموتورون إلى الناس غذاء ضارا فيعتدون على أشد ما حرم الإسلام وصان بألف ألف طريق من الكتاب والسنة والأصول والمقاصد أي : حرمات الناس من نفوس ودماء وأموال وأعراض..

نحن أحق بملاحم الجهاد مهما كانت في التاريخ عريقة.

لم يكن الإسلام إلا إخراجا تشريعيا جديدا حبا به سبحانه خير الخلق طرا محمدا عليه الصلاة والسلام والإنسان كله أسوده وأبيضه وإناثه وذكرانه وعربه وعجمه. أما ما دون ذلك فإن الإسلام دين أول مخلوق آدم عليه السلام ظلت هدايته تترى في البشرية كلما بهت في قوم جذره أنزل عليه سبحانه من ماء الحياة بعثا جديدا بكتاب جديد ورسول جديد حتى إكتمل البنيان الشاهق السامق وإستوى لؤلؤة صافية تترقرق بهاء إلا لبنة لم يعدم الراؤون ملاحظة مكانها فكان محمد عليه الصلاة والسلام هو تلك اللبنة التي إزدانت بها شجرة الإسلام العظيم. لبنة أكملت بهاء البنيان وليس لبنة نشاز هونت من البنيان القديم. ملاحم الجهاد والخير والحق والعدل والكرامة في الأمم السابقة والنبوات السابقة هي ملك للأمة الوارثة تراكم بها كسبها الجهادي والإجتهادي معا لا تمنعها خيريتها من إلتقاط الخير والحق والعدل والكرامة بل إن ذلك من مقتضى خيريتها وشهادتها على الناس ووحدتها. بكلمة : أمة منفتحة على الماضي تلتقط منه خيره وتنفي شره ومنفتحة على الحاضر تستقبل كل تائب وتحتضن كل آيب كائنا ما كانت ذنوبه وسيئاته ومنفتحة على المستقبل تبث الأمل وتعد بالخير والنصر وتخطط للإحسان والإتقان بأسباب روحية ومادية معا. وبذلك يكون إنتصار موسى عليه السلام على فرعون إنتصارا لمحمد عليه الصلاة والسلام ولأمة محمد عليه الصلاة والسلام وإنتصارا للخير على الشر وللفضيلة على الرذيلة وللحق على الباطل .. إنتصار لا تحتكره الأمة بل تشرك فيه كل حر أبي كريم يأبى الضيم..

عاشوراء عيد المقاومين وأمل المستضعفين.

إذا كنت تصوم عاشوراء من المحرم وأنت غافل عن سبب ذلك فلك أجر الآخرة وهو منقوص أما إذا كنت تصوم ذلك وأنت بصير بالحدث التاريخي بما يجعلك تزداد أملا وتوكلا وحركة ومجاهدة مع كل ساعة جديدة من صيامك .. فلك أجر الأولى والآخرة معا وهما كاملان بإذنه سبحانه. أجر الدنيا لا يفرط فيه إلا الحمقى ولو كان أجر الدنيا منقصة في أجر الآخرة لما حبا به الديان سبحانه خليله إبراهيم عليه السلام ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين). إلا أن تحدثك نفسك بأنك أتقى من إبراهيم الخليل أو أقرب الى الله منه وعندها تكون الشبهات الخطيرة جدا قد إتخذت لها فيك مظاعن مكينة. لا يستوي الصائم البصير بالصائم غير البصير بسبب أن من أسلم قلبه ( رغم أن القلب يفقه بدليل قوله " لهم قلوب لا يفقهون بها ") وغفل عقله فقد أسلم شطره وغفل شطره فلا يحق عليه قوله سبحانه ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ).. فضلا عن كون أجر الآخرة يترتب بحسب أجر الدنيا وفقا لمعادلة إسمها : النية + العمل + الخاتمة + فضل الرحمان سبحانه.. ومن فاتته حسنة الدنيا فاتته حسنة الآخرة .. ومن لآلي حسنات الدنيا : العلم المثمر للتقوى وإحسان العمل..

مقاومة الطغيان أم العبادات الإسلامية.

تلك هي العبرة العابرة من صيامه عليه الصلاة والسلام لعاشوراء وتاسوعاء وقوله ( نحن أحق بموسى منهم ).. يحاول عبثا كثير من المتدينين اليوم والمشايخ والمنسوبين إلى الدعوة والعلم.. يحاولون التهوين من قيمة مقاومة الفساد والطغيان ويظلون يربون الناس في الفضائيات على خلق ذميم إذا جمعت أطرافه من عشرات الحلقات والمئات ألفيت خلاصة صارخة سرعان ما يغرسها أولئك في أذهان الناس مفادها أن : عليك بخويصة نفسك ولا عليك في من حولك من فساد ومفسدين.. يقدمون للناس دينا جديدا لحمته : الرضى بقضاء المفسدين في الأرض والإنصياع لقدر الطغاة.. ذلك هو قضاء الله وقدره .. يظلون يطرقون على ذلك المنهاج الغريب في التربية والدعوة والعلم حتى يظن الناس أن الإسلام قد تمسح على أيديهم.. تلك هي مصيبة الناس اليوم : إفراط في الجزئية وإتخاذ القرآن عضين وتفخيم لهذا الجانب منه وتهوين من ذاك ويتحول الإسلام بدعاته اليوم ومشايخه وعلمائه إلى سوق منتصبة فوق أرض : يعرض فيها كل صاحب بضاعة بضاعته دون حراسة من سلطان صالح ولا رقابة من محتسب عامل.. مشكلة أثمرها الإنقلاب الأموي العربي ضد إرث محمد عليه الصلاة والسلام في شؤون السياسة والحكم والسلطان .. عالج كثير من الفقهاء ذلك الإنقلاب أيام الأمويين والعباسيين ومن جاء بعدهم حتى سقوط الخلافة العثمانية بكثير من المناهج التربوية التي حفظت للأمة خيريتها حتى وهي ممزقة الأوصال .. فلما إستولى الغرب علينا بطريق عسكري ثم بطريق ثقافي وسقط الجداران الحاميان معا : جدار السلطان على غشمته وحيفه وجدار المجتمع بقيادة المصلحين .. وقعت الأمة فريسة ينهبها الناهبون.. ناهبون يجدون لهم من يساعدهم على مهمتهم ممن يحنطون الأمة بخطاب إسلامي يحدثهم على الآخرة بتفاصيلها المعروفة وغير المعروفة أما الدنيا التي هي قاعة إمتحان الآخرة فلا حديث عليها لأنها ملك السلطان الجائر والحديث عن السلطان الجائر يفضي إلى السجن والتشريد وكثير من دعاتنا وعلمائنا ومشايخنا يتجنبون ذلك نشدانا للسلامة .. فهلا لزموا بيوتهم فسلموا بدل أن يزوروا على الأمة دينها .. وأي تزوير أظلم من تقديم الإسلام للناس روحا ساكنة تحسن السجود والذكر في مسلخ تسبح فيه جثث البشر في دمائه .. ذلك إسلام تمسح وإذا تمسح الإسلام فكبر على أهله عشرا.. وهل يريد أعداء الإسلام غير تمسيحه ونزع أظافره وهم يطنطنون في كل ركن من أركان الأرض حول الجهاد .. إذا كان أعداء الإسلام يشنون الغارة تلو الغارة ضد الجهاد في الإسلام فلا تكون وظيفة الدعاة والمشايخ والعلماء سوى إعادة الإعتبار للجهاد في الإسلام والمقاومة فيه وإلا وقع هؤلاء في خطط الأعداء بمثل ما تقع الفئران الساذجة في مصايد القطط السمينة الجشعة..

دور الإنسان في إعداد أسباب النصر هو قدر الله سبحانه.

لا إخالني للصواب مجانبا إذا قلت بأن إزدراء الأسباب المادية من أكبر عوامل الهزيمة التي نرفل في براثنها منذ عقود طويلة بل ربما قرون.. يظل الغافلون منا من المتعاطفين مع الباطنية المبتدعة يدندنون حول الخوارق وكثير منها من سهام إبليس بمثل ما حقق ذلك الإمام إبن تيمية عليه الرحمة والرضوان فيحليون الإسلام دين الطلاسم والخوارق والسحر .. دين يليق بالملائكة والجنة أما الإنسان فلا حظ من ذلك إلا حظ الإنبهار والتواكل والموات..

من ذلك أنك إذا إستمعت إلى أغلب الخطباء اليوم تلفاهم يغالون في جانب المعجزة الإلهية في قصة إنجاء موسى عليه السلام من فرعون رمز الطغيان السياسي في القرآن الكريم.. لسنا ننفي المعجزة الإلهية ولكن المعجزة الإلهية سيما في رسالة محمد عليه الصلاة والسلام لا تترتب في العادة إلا على سعي بشري وكسب إنساني.. يكفيك من ذلك قوله سبحانه وهو يقرر حصيلة النصر في هذه المعادلة ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين ).. ألم يكن من الأجدر ألا ينسب التأييد لرسوله عليه الصلاة والسلام لغير نصره .. التأييد الرباني كما علمنا سبحانه هو = إنتصار من المؤمنين لله سبحانه ( إن تنصروا الله ينصركم ) + نصر منه سبحانه.. أي : لا يتنزل نصره سبحانه بمجرد كوننا مؤمنين أو ضرعا بكاة .. المؤمنون ( وبصيغة الجمع ) هم العامل الأول في النصر الرحماني والنصر الرباني ..

بمثل ذلك هاك مثالان :
1 قصة مريم البتول عليها السلام ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ). لك أن تسأل نفسك هذا السؤال : ألم يكن من الأجدر أن يسقط عليها سبحانه الرطب الجني من النخلة دون جهد منها عليها السلام لأنه هو الذي كتب عليها أن تحمل وتلد دون أن يمسها ذكر.. هي إمرأة صغيرة غريبة خائفة من أهلها فرت إلى الغابة وتحضرها حالة لم تحضر أنثى من قبلها.. تحمل دون ذكر.. ما هي مسؤوليتها في كل ما حدث لها .. لا شيء .. إذن لم تأمرها يا الله وهي تئن تحت آلام الوضع والولادة فضلا عن العذاب النفسي جراء ما ينتظرها عند عودتها إلى أهلها.. لم تأمرها يا الله وهي المرأة الضعيفة بهز جذع نخلة.. كل ذلك لأجل أن يعلمنا نحن في هذا الزمان وهذا المكان قيمة السبب ودور الإنسان في كل الحالات بما في ذلك حالة مريم البتول عليها السلام.. هي طبعا لا تقدر على تحريك جذع نخلة ليسقط عليها جني رطبها ولا يقدر على ذلك في العادة إنسان.. ولكن العملية كلها رمزية ومقصدها الأسنى : لا بد من العمل وإعداد الأسباب المادية بعد الأسباب الروحية لحصول الأمر .. أما التواكل حتى في حالة مريم البتول عليها السلام فليس من الإسلام في شيء .. لا بل ليس من الأقدار والسنن والأسباب في شيء..

2 قصة موسى عليه السلام ( فاضرب بعصاك الحجر .. أضرب بعصاك البحر ).. أمر موسى عليه السلام بضرب الحجر بعصاه لما إستسقى لقومه فإنبجس من ذلك ماء عذبا زلالا بمثل ما أمر بضرب البحر بعصاه لما سار فوق الماء فرارا من فرعون.. هل يظن عاقل حصيف أن ضربة بالعصا فوق الحجر هي التي بجست الماء منه أو أن ضربة بالعصا فوق الماء هي التي عبدت فيه طريقا آمنا محاطا بفرقين كل فرق كالطود العظيم.. طبعا لا .. المقصد من ذلك هو أن الله سبحانه يعلمنا نحن في هذا الزمان وهذا المكان أن إعداد السبب للعيش ( حالة إستسقاء الماء) أو للنصر ( حالة ضرب البحر) لا بد منه شرطا مشروطا لتتنزل معجزة الله سبحانه.. أما دون ذلك فلا .. ويزداد الأمر وضوحا بعد نزول المعجزة الكبرى العظمى التي أناط بها سبحانه الهداية أي القرآن الكريم ببيانه ونظمه وقصصه ومثله وقيمه وكل ما جاء به .. حتى موسى عليه السلام وهو النبي الرسول من أولي العزم .. حتى موسى لا ينصر ولا يسقى إلا بسبب من عنده.. فكيف بمن هو دونه وكل من سواه هو دونه إلا محمد عليه الصلاة والسلام.. لك أن تلاحظ أن العناية بالسبب إعدادا وتسديدا جاءت بمعنى الضرب.. وفي الضرب إشارة إلى القوة.. ليس مجرد لمس أو مس .. بل ضرب .. بمثل الضرب في الأرض الوارد في القرآن الكريم ( المزمل مثلا)..

الإنسان مسؤول عن العدل والظلم.

مسؤولية الإنسان مبحث كلامي عقدي قديم تسدد فيه من تسدد وتاه فيه من تاه.. تسدد فيه من قال بمسؤولية الإنسان على أفعاله وأقواله مسؤولية كاملة يوم القيامة وضل فيه من قال بأن الإنسان ريشة في مهب رياح القدر .. وتمحل فيه من من تمحل ممن قال بالكسب ( يقال تمريضا : أدق من كسب الأشعري ).. والحق في مسؤولية الإنسان على أفعاله وأقواله كلها عقيدة وعملا أبلج يتلألأ كالقمر الساري في دجى الليل البهيم..

ها هو البيان الإلهي بيننا حكم محكم.

1 ( ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ).. لك أن تجمع بين قوله ( ونري) وبين قوله ( منهم ).. بذلك الجمع يتضح المعنى لمسؤولية الإنسان عن أقواله وأفعاله كلها عقيدة وعملا يوم القيامة .. مسؤولية لا تلغي القدر الغلاب ولكنها تمهد له وتؤسس له.. فهو الحاضن والقدر هو النازل.. أما إذا أصررت على حولك فإعتددت بقوله ( نري) غافلا عن قوله
( منهم ) فقد ضللت وإن تمشيخت فقد أضللت بذلك .. المعنى : لا يري سبحانه رموز الطغيان والجور في كل زمان ومكان الذي كانوا يحذرون من النقمة والعذاب في هذه الدنيا إلا بسبب من الناس أي بسبب من المظلومين أنفسهم.. ذلك هو معنى : منهم .. أي ليس معجزة ولا خارقة ولا سحرا ولا نفثا ولا رؤيا منامية .. ولكنه سبب يعده المقاومون فيكمله سبحانه بالتوفيق وتحيق بالظالمين حوائق المكر السيء.. العمل من الإنسان والإراءة منه هو سبحانه.. فلا إراءه بلا عمل إذن.. بمثل ما نصر نبيه بالمؤمنين يعذب المستكبرين بمقاومة المستضعفين..

خلاصات مركزة.

1 عادة ما يرتبط تحريم الشهر ( جعله حراما رغم أن حرمة الشهور لم يأت بها الإسلام ولكنه أقرها إيذانا بأن الإسلام دين قوامه كما قال الأصوليون على مثلث هو : الإخبار عقديا والإنشاء تعبديا والإقرار للعادات الصالحة وأنه دين جاء بمثابة لبنة مكملة لبناء شاهق بدأه آدم وأسسه إبراهيم وأتمه محمد عليهم الصلاة والسلام جميعا ).. عادة ما يرتبط تحريم الشهر بحادث فيه. حادث محرم هو عاشوراه. لك أن تقول إذن بإطمئنان كبير بأن محرم الحرام إنما حرم في الإسلام لأجل غرس مقصد إسلامي عظيم مفاده : الإيمان والظلم ضدان لا يلتقيان أبدا مطلقا طرا فإن إلتقيا فلا إيمان ولكنه النفاق المارد.. حرم المحرم إذن لأجل ذكرى عاشوراء إحدى أكبر ذكريات النصر الإسلامية .. بمثل ما حرم رجب لأجل الإسراء والمعراج وفريضة الصلاة وبمثل ما حرم ذو القعدة وذو الحجة لأجل مناسك الحج ويوم عرفة وعيد الإضحى وغير ذلك.. تلك أيام الله أي نعماؤه وآلاؤه على الناس لعلهم يشكرون.. وبذلك قرن سبحانه في أطول مدة من الحرمة الزمنية ( ثلاثة أشهر كاملة من ذي القعدة حتى المحرم ) بين وضع السلاح ليتمكن العباد من عبادة ربهم في أمن وسلام في مرافئ البيت الحرام سيما أن وصوله في تلك الأيام يتطلب شهورا طويلة جيئة وذهابا.. وبين التذكير بأن المقاومة فريضة إسلامية جديرة بالإحتفاء والإحتفال والإحياء أي مقاومة موسى ومن معه عليه السلام لفرعون رمز الطغيان السياسي في القرآن الكريم.. ذلك هو الإسلام الحق الذي يجمع بين الأمن والمقاومة.. أما الإسلام الذي يقدمه كثير من مشايخ الفضائيات .. إسلام الروح لله وإسلام الجارحة لأعداء الإسلام في حركة تمسيح للإسلام غريبة عجيبة.. إسلام منزوع السلاح .. حتى سلاح المقاومة لمن إحتلت أرضه وشرد عنها وهتك عرضه وعرض أهله وولده.. ذلك الإسلام الممسوخ الممسوح هو بالضبط ما يريده أعداؤه .. حتى كفاهم أولئك المشايخ مؤنته..

2 عاشوراء مناسبة لأمرين : شكران الرحمان سبحانه بالصيام ( وليس سوى الصيام وما يبتدعه الناس من عبادات خاصة بها أكثر من الصيام لا تعدو أن تكون زيادات محدثات وكل محدثة في الدين بدعة ).. شكران الرحمان سبحانه بالصيام بقلب يظل يذكر طول ذلك اليوم أن هذا يوم من أيام الله التي إنتصر فيها بإذنه سبحانه الحق على الباطل والخير على الشر.. تلك هي سمة المسلم الذي يشكر ربه سبحانه بالعبادة صلاة وذكرا وصياما وإنفاقا وغير ذلك .. تلك هي سمة المسلم الذي يفرح لإنتصار موسى عليه السلام على فرعون حتى لو كان ذلك النصر قد مرت عليه حقب من بعدها حقب من الزمان.. لا ضير فالعبرة بالقيمة .. قيمة إنتصار الحق والعدل .. ذلك مما يشعر المؤمن الصائم وغير الصائم في عاشوراء بأنه جزء من أمة عريقة ليس محمد عليه الصلاة والسلام سوى لبنة خاتمة من لبناتها الحية النابضة بالخير.. لبنة ما كان البنيان ليزدان دونها.. لبنة إكتمل بها الدين وأتمت النعمة.. عاشوراء مناسبة للشكران وهي مناسبة كذلك لأمر آخر هو : التعبؤ بقيمة مقاومة الفساد والشر والباطل دون هوادة.. لا تسل عن دين ظالم حتى تنتصف منه لمن ظلم ولا عن دين مظلوم حتى تنتصف له ممن ظلم..

3 عاشوراء مناسبة تذكرنا بمنزلة المقاومة عند الله سبحانه فهو الذي أوحى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بإتخاذ ذكرى إنجاء موسى عليه السلام من فرعون وملئه مناسبة عيد وفرح تبعث على التقرب منه سبحانه زلفى بالصيام.. غير أن ذلك يجب أن يرتبط بالحاضر.. لو كانت عاشواء قصة لفها الماضي وأسدل عليها ستاره لما فازت بكل هذه الإشادة من الإسلام .. ولا عبرة للصيام وإحياء ذكرى عاشوراء إذا صمنا وفي مقاومة الباطل والفساد في كل أرض في النفس منه شيء بل أشياء.. كيف نجمع بين عبادة الصيام شكرانا لله سبحانه الذي نصر موسى عليه السلام على فرعون في ذلك اليوم وبين موقف سلبي من المقاومة الحاضرة للظلم .. يستوي في ذلك أن يكون ظلما من قبل حاكم جائر أو من قبل محتل غشوم .. ذانك أمران لا يجتمعان.. بل لك أن تقول بإطمئنان أن قبول الصيام مرتهن بذلك الشعور .. فلا صام عاشوراء ولا تاسوعاء من يقف من المقاومة الحاضرة موقف السلبية .. لا ينتصر لها حتى في قلبه أو بالدعاء في السجدات وهو يعلم علم اليقين أن قوات مكافحة الجريمة السياسية في الأرض كلها بمخابراتها لا تملك على قلبه سلطانا .. إنما سلطانها على لسانه وقلمه وحركته.. لا تنبس ببنت شفة وأغمد قلمك أو كسر أضلاعه .. لا تنتم لأي جماعة أو حزب أو حركة تناوئ الفساد والجريمة والطغيان.. أما أن تحرم حتى قلبك لذة تلك العبادة .. عبادة مقاومة الطغيان وهي عبادة إسلامية أصيلة وفريضة دينية قويمة فضلا عن كونها ضرورة واقعية ملحة .. عندها لا عبرة بصيامك ولا بقيامك .. لا بل لا يوفقك الله لصيام ولا لقيام ولا لذكر.. إلا أن يكون من باب ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش )..


صم عاشوراء وتاسوعاء إن شئت..
صم وإجعل من صيامك مدرسة للمقاومة تأسيا بنبيك موسى عليه السلام..
صم وإجعل من صيامك مدرسة لشكران الرحمان الذي نصر مقاومة موسى على طغيان فرعون.
صم وإجعل من ضراعتك عند سحرك وفطرك نصيبا للمقاومة الحاضرة..
صم وإجعل لنفسك من الأمل نصيبا أن يطحنك القنوط الكافر أو يدهسك اليأس الفاجر..
صم مقاومة لفراعنة عصرك ومن معهم من هوامين وقوارين وجنود وملإ..
صم وليكن صيامك حتفا للظالمين وفطرك أملا للمستضعفين..
صم وقاوم فالصوم مقاومة أو لا يكون.. والمقاومة صوم عن السلبية أو لا تكون..

الهادي بريك ألمانيا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.