عندما نرى إعلان برنامج (مجددون) واللقطات المنتقات وديكورات التصوير يحضر إلى البال برنامج آخر بنفس الصورة والفكرة إلّا أنّه لا ينطق بلغة الضاد ولكن بلغة ال A B C ولا يبحث عن الدعاة والمصلحين ولكن عن الاقتصاديين ورجال الأعمال الذين ينزلون إلى الميدان ويتنافسون كالحيتان حيث الغاية تبرر الوسيلة، والفوز هو المهم ولو على أشلاء الآخرين، فما الفرق بين برنامج The Apprentice (المستخدَم أو الموظف) الذي قدمه أباطرة المال والأعمال مثل دونالد ترامب في نسخته الأمريكية والملياردير آلان شوجر في النسخة البريطانية وبين برنامج (مجددون) الذي سيقدمه الداعية عمرو خالد، وهل نزل الدين إلى السوق ليخضع لمنطق الترويج والدعاية والربح والخسارة والاستخدام والاستبدال والعرض والطلب؟ وبالرغم أنّ البرنامج لم يُعرض بعد إلّا أنّه لاقى تغطية إعلامية واسعة قدمته كأحد أشكال تلفزيون الواقع الذي يهدف إلى البعد عن التنظير الديني البحت وتطبيق التعاليم في برامج ومشاريع مجتمعية والتنافس في مجال الأفضلية في الفكرة والتطبيق والنتائج إنّ فكرة البرنامج إشكالية بعض الشيء، فالعالم العربي كان مستوردا لبرامج تلفزيون الواقع لا منتجا لها وأغلب الاستيراد كان في مجال التسلية والترفيه، وقد أحدث استيراد بعض البرامج كالأخ الأكبر Big Brother، والرابح الأكبر The Biggest Loser، وسوبر ستار المشابه لAmerican Idol ، والحلقة الأضعف The Weakest Link، ومن سيربح المليون Who Wants to be a Millionaire? ردة فعل متباينة في مجتمعاتنا تجاه ما حاولت هذه البرامج تمريره من أفكار وأخلاق وممارسات قوبل بعضها بالرفض التام في بعض البلاد كما حصل في البحرين فما أن وصل فريق برنامج الأخ الأكبر إلى البلاد حتى قامت المظاهرات والاحتجاجات المطالبة بطردهم وإيقاف البرنامج وقد نختلف أو نتفق على صلاحية برامج المسابقات وتلفزيون الواقع للعالم العربي، ولكن السؤال هو هل تناسب هذه النوعية من البرامج الطابع الديني والوعظي والإرشادي؟ وإلى أي درجة وميدان قد يذهب الدعاة لاجتذاب الشباب ومحاكاة واقع الحياة أم أنّ هناك حدودا وسمتا يجب أن يلتزم به الداعية والعالِم؟ وكيف نفهم في هذا السياق نصيحة سيدنا علي بن أبي طالب أن خاطبوا الناس على قدر عقولهم؟ هل يعني ذلك تبسيط الخطاب الديني أم تنويع أشكاله أم مسخه إلى صورة ليست له على أسوأ الأحوال؟ وما معنى كلمة تجديد الممدوحة في الحديث النبوي "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها"؟ وهل التجديد يبني على ما سبق أم يقوضه؟ يأتي بالجديد أم يقلد الموجود؟ هل البحث عن المؤهلات الظاهرة هو الفيصل في اختيار من يصلح ليدخل مسابقة برنامج (مجددون)؟ ماذا عن المؤهلات غير الظاهرة والقلبية التي جعلها الإسلام شرطا لقبول ونجاح الأعمال، وهذه لا يطلع عليها ملك فيكتبها ولا شيطان فيفسدها، وإنما هي محل نظر المولى سبحانه، وهي ما جعلت أبا بكر يسبق كل الصحابة في ميدان العمل للإسلام حتى أنّ صاحب النفس المتوثبة الفاروق عمر أعلن استسلامه أمامه وقال: "والله لا أسابق أبا بكر أبدا" ومدحه المصطفى صلى الله عليه وسلم قائلا: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه"، فكانت مؤهلاته الباطنة هي التي أثرت ونمّت مؤهلاته الظاهرة، وما كان يخرج إلى ميدان العمل إلّا بعد أن يأخذ نصيبه من ميدان العلم والتزكية، فكان يأخذ الآيات من سورة البقرة يحفظها ويعمل بها ثم ينتقل إلى غيرها، فمُدح وصحبه فقيل عنهم جيل التلقي للتنفيذ كانوا يتعلمون العلم والعمل معا. وهل يكفي التقييم البشري وعلوم القيادة والإدارة الحديثة في تحديد من ينفع ومن لا ينفع؟ إذا كان التقييم بشريا فقد ضحك الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود وهو يصعد الشجرة، فكان تقييم النبي الذي لا ينطق عن الهوى أن ساقي ابن مسعود تعدل في ميزان الله ثقل جبل أحد. وهل يجب على الداعية المجدد أن يكون صاحب شخصية متكاملة لا يقصر ولا يخطأ؟ إذن كيف نقيم سيدنا نوح عليه السلام الذي دعى قومه ليلا ونهارا وسرا وجهارا ولم يستجب له إلّا قلة قليلة؟ هل الفشل في أداء مهمة أو مشروع بتقييم البشر يعني فشل الداعية والدعوة؟ هل إذا فشل الداعية نقول له كما يقال للخاسرين في برنامج رجال المال والأعمال أنت مطرود you are fired؟ ومن يملك أن يقيل نفسه أو يقيل غيره من دعوة وبيعة مرضية بايع عليها أجدادنا بدمائهم فقالوا "لا نقيل ولا نستقيل"؟ وماذا عن التعلم من الخطأ وضرورة تكامل الخبرات وأن المجتهد المخطأ مأجور مشكور كما المجتهد المصيب؟ أسئلة كثيرة تستبق عرض البرنامج القريب وتوقعات نأمل خيرها من داعية كان له بأمر الله دور في إعادة الشباب والشياب إلى ربهم وبيان أنّ الإسلام دين ودنيا، جامع وجامعة، سجادة صلاة ومبضع جراح ومسطرة مهندس
كتب الداعية عباس السيسي رحمه الله في كتابه الدعوة إلى الله حب "الدعوة عرض وكلما كان العرض جذابا أقبل الناس على الشراء" نعم بحاجة نحن إلى التغيير والتجديد، ولكن يجب أن يبقى للإسلام ودعاته امتيازهم وتميزهم فالحق أحق أن يُتبع مهما كان شكله، وليس كل ما يلمع ذهبا يُشترى وليس كل نور قمرا يُتّبع...