خرج عبد الودود ' فؤاد مطر (80عاما ) الفلسطيني المهجر من قريته يبنا في أراضي 48, خرج من غزة لكنه لم يعد كما يعود الناس ( استشهد عبد الودود على الحدود ). قرر عبد الودود الرحيل , قرر أن يموت في طريق العودة الى قريته ''يبنا'', أخبر زوجته , أعلمها انه عقد العزم على زيارة قريته ...وفي زمن وهنت فيه عزيمة الرجال , زمن القحط والجفاف , زمن قل فيه العزم على الصمود والرباط في ساحات الجهاد والقتال ...لم تأخذ ( زوجته ) كلامه مأخذ الجد . حاولت أن أتخيل عبد الودود وهو يحاول عبور الحدود , تخيلته منذ أن خرج من بيته الى أن أستشهد , ماذا كان يدور بخلده خلال تلك المسافة التي تفصله عن جنات الخلد ' تخيلت ملامحه بلباسه التقليدي وكوفيته الفلسطينية الرمز تخيلت ملامح وجهه التي أكيد رسم عليها علامات التحدي والرجولة والشدة على الاعداء , ملامح افتقدناها اليوم وأصبحت شحيحة ...أفكار وأسئلة تتزاحم في ذهن عبد الودود : كيف هي قريتي الآن ؟ من أغتصب ترابها وحجرها وشجرها ؟ من سكن منزلي وافترش فراشي ؟ من سرق أحلام طفولتي وأحلام آبائي وأجدادي ؟؟ يعرف عبد الودود جيدا السارق والمغتصب , أنه جلعاد أو شالوم أو شاليت ... من غزة الصامدة المجاهدة قرر اللاجئ عبد الودود عبور الحدود والدوس على الاشواك والاسلاك والجدران , كلها حواجز أتقن العدو وتفنن في بنائها لحماية غنائمه وسرقاته من أملاك الغير ...يعلم عبد الودود أن الطريق وعرة ومحفوفة بالمخاطر , يعرف أن عين الغاصب المحتل لا تنام ...خبرهم منذ أن كان طفلا , منذ أن هجروه من قريته , يعرف عبد الودود أن الموت قادم وهو الذي عايشه منذ ولادته , لقد مر من أمامه ومن خلفه ومن فوقه وهو ابن اللجوء والمخيمات , يفترش الارض ويلتحف السماء . ركب عبد الودود سفينة الاهوال غير عابئ بمجراها ولا بالأمواج التي قد تحمله بغير رجعة , لكن عينه على مرساها , قريته '' يبنا ''التي قرر أن يراها , أن يلامس ترابها مهما كان الثمن , فلتكن روحه , المهم أنه أستشهد في طريق العودة ولم يمت ينتظر قرارات ما يسمى الشرعية الدولية أو خطط التجار والمساومين بالقضية , خبر عبد الودود نوايا هؤلاء السماسرة ...فقرر أن يتولى أمره بنفسه ..المهم بالنسبة له أن يموت واقفا أن يموت في الطريق . لا أن يموت في الفراش وقريته على مرمى حجر من خيمة لجوئه ... أستشهد عبد الودود ورحل قائلا للمفاوضين على الحقوق, قائلا لشعوب أمته أيضا , قررت أن أرحل ماشيا عائدا بخطى حثيثة , عائدا للثأر ممن هجروني وحرموني نسيم وتراب قريتي ...لسان حاله يقول ليس المهم أن تبلغ القمة بل المهم أن تظل سالكا للطريق وأن لا تسقط , وان سقطت في منتصفه , فليس المهم السقوط بل المهم أن تفكر في أساليب النهوض ...سأحزم حقائبي وأعود , سأقوم بواجبي ولوحدي : واجب كسر الحدود , واجب التحرك من أجل استرداد أرضي وعرضي وموطن مولدي , لاسترد قريتي , نجحت في الوصول أم لم أنجح فتلك قصة أخرى , فلسفة المسلم في نظرته للحياة والممات : اما النصر واما الشهادة وكلاهما حسنتين , فلما التردد اذا . لاحمل الراية وحدي ' لاباشر ما أنا قادر عليه ...من غزة أنا قادر على الوصول الى الحدود , أنا قادر على الوصول الى قريتي . هكذا قال لنا عبد الودود الذي عزم على كسر الحدود وطي المسافات التي تحرمه من أرضه , من قريته ... ما قام به عبد الودود ( فؤاد مطر )فيه من العبر الكثير , أراه يريد أن يقول لنا بوعي منه أو دون وعي هذا لا يهم ماذا لو حزم كل فلسطيني حقائبه , ووقف الكل على الحدود , وقرر نا كسر الحواجز والسدود التي تفصلنا عن قرانا وأراضينا ومزارعنا وإكليلنا وزعترنا وزيتوننا وبرتقالنا ...ماذا لو أخذ الكل هذا القرار ' النتيجة واحدة احدى الحسنتين اما نصر واما شهادة . وهل للمسلم في مثل هذه الحالات طريق ثالث , لماذا نطيلها وهي قصيرة ... كلام عاطفي أو إنشائي , لنكن واقعيين و هذا كلام الستينات ..تعليقات قد يقولها البعض ممن قد يقرأ هذه الأسطر . تلك ردود تعودنا سماعها سببها الوهن والعجز والهزيمة النفسية التي كبلتنا وصرنا من خلالها نحقر ذواتنا وقدراتنا ...وفي ذلك انتحار لنا . كشف لنا عبد الودود برمزية ما قام به أن الامر ليس كما نتصوره على اننا فاشلون على جميع المستويات , عندما تتوفر الارادة : رسم للهدف ( زيارة القرية ) ثم تليه سلك الطريق المؤدية لتحقيق الهدف بكل عزم وثقة , سعي وثبات والباقي على الله , سعي وتوكل ...أن تنصروا الله ينصركم ولو بعد حين ... في أمان الله مريم حمدي