تفكيك عصابة مختصة في سرقة الدراجات النارية..وهذه التفاصيل..    حاجة في الكوجينة متاعك...فيها ''برشا'' منافع لصغيرك    حاجة تعملها direct بعد شقان الفطر...تتسببلك في كارثة    أهم الاحداث الوطنية لشهر فيفري 2026    في جبل السمامة: عيد الرّعاة يتزامن مع سنتهم الدولية    مواجهة تونسية مرتقبة في المربع الذهبي لكأس الجزائر لكرة القدم    رسميا: تأجيل مباريات "الدربي" الخاصة بأصناف الشبان    الرابطة الأولى: غيابات مؤثرة في صفوف نجم المتلوي أمام الأولمبي الباجي    معز التومي: ''وينكم كي كنت مريض 4 سنين''..شنّوة الحكاية؟    للتوانسة الكلّ: خرجة السفساري في هذا الموعد وفي هذه المدينة    القيروان: إفتتاح الدورة العاشرة لمهرجان المدينة    مدينة العلوم بتونس تعلن عن موعد عيد الفطر فلكيّا    عاجل: عقوبات جديدة ضد أندية كبرى... التفاصيل كاملة    تعزز الشبكة التجارية للبريد التونسي بافتتاح مركز بريد جديد بمدينة هرقلة من ولاية سوسة    القوات المسلحة الكويتية تعترض صواريخ وطائرات مسيرة في سماء البلاد    عاجل-الرصد الجوي يحذّر: رياح وأمطار تصل إلى 40 ملم..وين؟    رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لترامب: "لا للحرب"    سفارة تونس بمسقط توجه نداء عاجل للجالية التونسية..    شبّه القيروان بجزيرة إبستين..شكاية جزائية ضد شاب..وهذه التفاصيل..    عاجل: حجز أكثر من 50 ألف لتر ماء في مخزن عشوائي    القيروان: افتتاح الدورة الرابعة لتظاهرة "بيبان لمدينة"    حجز أكثر من 50 ألف لتر من المياه المعدنية داخل مخزن عشوائي بهذه الجهة..    الترجي يطرح التذاكر لمباراة مستقبل المرسى ... وقتاش وبقداش؟    عاجل/ فصيل عراقي يستهدف قاعدة أميركية في أربيل..وهدفاً بالأردن..    العلا: نفوق 40 رأس غنم بسبب وصفة دواء خاطئة    طفلك شرق؟ هكا تتصرفي في ثواني وتنقذي حياتو    إسرائيل تكشف عن عدد المصابين في الهجمات الإيرانية..    ريم بن مسعود: ''أخي المواطن...المتابعات على أنستغرام غلبت الموهبة''!    دعاء نبوي يطرد العجز والكسل... داوم عليه صباحًا ومساءً    يهّمك: الليالي الوترية 2026...شوف وقتاش    معز التومي لمنتقديه: أين كنتم عندما عانيت من المرض أربع سنوات؟    وزارة الخارجة تحذّر وتنشر قائمة الأرقام والعناوين اللّي لازم تكون عند كل تونسي في الخليج    السجن 12 عاما للخبير الأمني نور الدين النيفر في قضية ذات صبغة إرهابية    سفارة تونس بالجزائر تدعو الراغبين من الجالية في أداء مناسك الحج لموسم 2026 إلى إيداع ملفاتهم لدى مصالح البعثة الدبلوماسية    الرابطة المحترفة الثانية - وديع النقازي مدربا جديدا لبعث بوحجلة    وكالة "فارس" تكشف مكان دفن علي خامنئي    دبلوماسي سابق يفجرها: "تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ستطال تونس"..#خبر_عاجل    تنظيم اجتماع عن بعد لتعزيز التعاون الفني في المجال الصحي وتبادل الخبرات بين تونس وسلطة عمان    كأس الجزائر لكرة القدم: محمد علي بن حمودة يقود شباب بلوزداد إلى نصف النهائي    محرز الغنوشي يبشّر: أمطار مارس في الطريق وكميات طيبة يوم 5 مارس    كانت ستُستعمل في مقابلة رياضية.. حجز كميات هامة من الشماريخ..#خبر_عاجل    عاجل: في عزّ الأسبوع المغلق... قرار إداري يربك تلاميذ ابن أبي ضياف..شفما؟    عاجل/ واشنطن ترفع مستوى تحذير السفر إلى هذه الدول للمستوى الثالث..    ارتفاع أسعار النفط مع تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط    قبل ماتش الأهلي: بُشرى سارة لجماهير ''المكشخة''    طقس اليوم: ضباب محلي صباحا وارتفاع طفيف في الحرارة    دعاء النصف من رمضان...أدعية تنجيك من الكرب    كأس ملك إسبانيا: برشلونة يهزم أتلتيكو مدريد بثلاثية ويغادر المسابقة    وزارة الخارجية تدعو التونسيين المقيمين في دول الخليج والشرق الأوسط الى الحذر والالتزام بتعليمات دول الاقامة    جلسة إستماع حول إعادة تأهيل شركة الخطوط التونسية    منوبة.. حجز أكثر من 65 قنطارا من الفارينة المدعمة بمخبزة مصنّفة    «عجيل» تستعد لعصر السيارة الكهربائية ...تجهيز 35 محطة بأعمدة الشحن    مشروع «هاندي بلاي» في وادي الليل ... مبادرة ايجابية لذوي الاحتياجات الخصوصية    "مسامرات تراثية" في دورتها السادسة: لقاءات رمضانية للاحتفاء بإصدرات الذاكرة والتاريخ    50 فريقاً إضافياً للمراقبة الليلية خلال النصف الثاني من رمضان    مفزع: حجز 500 كلغ من المواد الغذائية الفاسدة بهذه الجهة..#خبر_عاجل    لن يكون مرئيا من تونس: خسوف كلي للقمر اليوم    بُشرى للتوانسة: ال solde مازال حتى هذا التاريخ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حمة الهمامي يعلن شفاء راضية النصراوي من كورونا وينشر رسالة مؤثرة

أعلن السياسي حمة الهمامي عن شفاء زوجته الحقوقية راضية النصراوي من فيروس كورونا، متوجها برسالة شكر لكل الفريق الطبي بالمستشفى العسكري الذي تابع وضعيتها الصحية.
ونشر الهمامي ''إهداء''، على صفحته الرسمية بالفايسبوك إلى كامل الإطار الطبّي وشبه الطبّي والإداري والعاملات والعمّال بالمستشفى العسكري عاّمة، وبقسم الأمراض الصدرّية والحساسيّة خاصّة، مقدما لهم ''كلّ الحبّ والتقدير لهم جميعا لعنايتهم براضية وإخراجها من النّفق...وكل الحب والتقدير أيضا لكافّة الصّديقات والأصدقاء الآخرين من طبيبات وأطبّاء الذين وجدناهم عند الشدّة فنصحوا ووجّهوا وأسدوا الخدمات''.
وقال الهمامي أيضا ''أيّها العالم... إنّ راضية تتعافى من الفيروس، إنّ راضية تحيا من جديد''..والوطن سيتعافى من الفيروسات...ليحيا من جديد''.
وفي ما يلي نص التدوينة:
رسالة
بقلم: حمّه الهمامي
إهداء:
إلى كامل الإطار الطبّي وشبه الطبّي والإداري والعاملات والعمّال بالمستشفى العسكري عاّمة، وبقسم الأمراض الصدرّية والحساسيّة خاصّة، كلّ الحبّ والتقدير لهم جميعا لعنايتهم براضية وإخراجها من النّفق...وكل الحب والتقدير أيضا لكافّة الصّديقات والأصدقاء الآخرين من طبيبات وأطبّاء الذين وجدناهم عند الشدّة فنصحوا ووجّهوا وأسدوا الخدمات...
.إنّ وجعي عليكم، وأنا أَلْمَسُ ما لديكم من كفاءة عالية، أنّ الدولة ترتكب جريمة نكراء حين تدفع بكم وبزملائكم وزميلاتكم في المستشفيات العمومية إمّا إلى القطاع الخاصّ حتى يُحرَم الفقراءُ والمحتاجون من خدماتكم الثمينة وإمّا إلى الهجرة لكي يُحْرَمَ منكم ومن كفاءتكم وطنٌ بأكمله...
إلى كلّ ضحايا الكوفيد19 في كافّة أنحاء الوطن، أتمنّى لكم الشفاء ولعائلاتكم الصّبر، أمّا الذين قضوا فكل التضامن والتعاطف مع ذويهم...
-------
"أُنادِيكُمْ،
أشدُّ على أيادِيكُمْ،
أبوسُ الأرضَ تحت نعاِلكُم
وأقولُ أَفْدِيكُمْ...
وأهديكُمْ ضِيَا عَيْنِي...
ودفئَ القلبِ أَعْطيكُمْ
فمأساتي التي أحْيَا،
نصِيبِي منْ مآسيكُمْ..."
----------
رفيقاتي، رفاقي،
صديقاتي، أصدقائي،
حبيبات راضية،
أحبّاءها،
تحية وبعدُ،
فقد خيّرت ألّا أعكّر صفوكم في مثل هذا الوقت الصّعب، وفضّلت أن أتحمّل وحدي الصّدمة في انتظار ما ستؤول إليه الأمور. وكنت كلّما هاتفني/هاتفتني أحدكم/إحداكنّ في المدّة الأخيرة ليسأل/تسأل عن أحوال راضية أجبته/أجبتها بأنّها متعبة ولكنها على العموم بخير. واليوم وقد انجلى الكابوس وبدأت راضية تتعافى، دعوني أحدثكم/أحدّثكنّ عمّا جرى خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، فمن حقّكم/حقّكن وأنتم/أنتن الذين/اللواتي تحبّون/تحببن راضية أن تطّلعوا على الحكاية كاملة... على الأقل لتعيشوا/تعشن معي ومع عائلتي الفرحة بعد أن جنّبتكم/جنبتكنّ الكابوس وعذابات الانتظار... فتلك نظرتي إلى الحياة، لا بدّ من تقليص دائرة الألم العام وتوسيع دائرة الفرح خاصّة حين يكون النّكد حاضرا في حياة الناس أكثر من اللّزوم كما هو الحال في واقعنا الحالي البائس.
آهْ... لقد حلّ المرض عند راضية من جديد. الفيروس اللّعين زارها. لم ندْرِ كيف تسرّب إليها ومتى؟. كنّا نعتقد أننا نحميها منه. لكنّ الغدّار، اللّعين داهمها. أراد أن يفتك بها، مستغِلاًّ مناعتها الهشّة جرّاء الأدوية التي تتناولها. قصَفَ بسرعة هائلة أكثر من سبعين بالمائة من رئتيها. "السكانير" الذي عجّل الأطبّاء بطلبه يوم الأربعاء 7 أكتوبر/تشرين 2020 كان مرعبا ومفزعا. البياض كاد أن يعمّ رئتي العزيزة. وهو ما يعني الاقتراب من الكارثة. نقلناها فورًا، بأمر من الأطباء وبالتنسيق بينهم، إلى قسم الأمراض الصدرية والحساسية بالمستشفى العسكري. علمت أنّهم أعدّوا لها في البداية سريرا في قسم الإنعاش لخطورة الحالة. لكن لمّا وصلنا بعزيزتنا إلى المستشفى لاحظ الأطباء فارقا بين صورة "السكانير" الكارثية، وهي حقيقة، وبين حالة راضية السريرية (l'état clinique) المطمئنة شيئا ما. راضية وصلت إلى المستشفى واقفة على قدميها. مرفوعة الرأس، كعادتها... تتنفّس. وهو ما يعني أنّها تقاوم وتتشبّث بالحياة وهو أمر مهمّ للغاية.
رافقنا راضية مباشرة إلى الغرفة رقم 5 وهي من الغرف المخصصة لمرضى الكوفيد 19. الغريب أنّ الاختبار الذي أجرته قبل أيام عن الكوفيد كانت نتيجته سلبية وهو ما قاد إلى الاعتقاد بأنّها تشكو من التهاب القصبات (bronchite). لكن "السكانير" أظهر غير ذلك، وهو، طبّيّا، أصدق من التحليل وأدقّ منه. لقد قرّر الأطباء أنّ الفيروس اللعين، الغدّار هو الذي هجم على راضية. وبدأ، من تلك اللحظة، الكابوس. وبدأ معه الصّراع بين الحياة والموت. عشنا الأيّام الثلاثة الأولى، الحاسمة والمحدّدة، نسير على خيط رفيع، لا نعرف إلى أيّ اتجاه ستميل الكفّة... ولا كيف ستكون الخاتمة. لا نعرف إلى أي مدى سيصمد جسد راضية المنهك أصلا نتيجة المرض، ولا من سينتصر على الآخر: إرادة راضية ومعها إرادة العلم التي يُجسّدها إطارٌ طبّي من أكفأ ما عندنا في هذا الوطن، أم إرادة الفيروس العمياء، وقد أخذ بعدُ أسبقية كبيرة على راضية وعلى الأطباء. من حسن حظي أن الإطار الطبّي أذن لي، رغم ما في الأمر من مجازفة ومن مسؤولية، بأن أرافق راضية في غرفتها طوال الليل والنهار لأخْدِمَهَا. قلت مجازفة ومسؤولية لأنّ الفيروس لم يصبني، وخطر العدوى قائم والحال أنني أقيم في جناح خاص بالكوفيد 19.
تجاوزت راضية الأيّام الثلاثة الأولى الصعبة. ظلّت حالتها مستقرّة ولم تتعكّر. موازين القوى بدأت تميل لغير صالح الفيروس. كانت راضية خلال كل هذا الوقت مُمدّدة على فراشها، صامتة، هادئة، وقورة، تنفّذ ما يطلبه الأطباء والممرضات والممرضون، تُجْهِدُ نفسها أحيانا لإطلاق ابتسامة وكأنها كانت على يقين بأنها ستنتصر على مهاجمها اللعين، الغدّار. أمّا أنا فلم أقدر، خاصة الأيام الأولى، على أن أغمض عينيّ خوفا من أن يختطفها الفيروس منّي على حين غفلة. كنت أريد أن أعيش معها كلّ شيء، وأحضر على كلّ شيء، حتّى لا أفاجأ بأيّ شيء... كانت زيارة الأطباء والممرضين/الممرضات قصيرة لإجراء فحص أو تسديد دواء. خارج ذلك كنت مرافقَها الدائم. أراقب أنفاسها، خاصة في الليل، نفسا، نفسا. أحرص على ألا تتخلّص بحركة عفوية من يدها من أنبوب الأوكسيجين. أمرّر يدي على جبينها ورقبتها وصدرها وبطنها لأتحسّس درجة حرارة جسمها. أصبحت لا أثق حتى بمقياس الحرارة... كنت أريد أن أتبيّن كل شيء بحواسّي أنا.
لم أقدر على الأكل أيضا رغم أنّ الجوع كان ينهشني باستمرار. كانت سعادتي القصوى تكمن في رؤية راضية تأكل كلّ لقمة أضعها في فمها. كانت والدتي تقول لنا، ونحن صغار نتصنّع المرض، أحيانا، للحصول على "امتياز" لا يتجاوز بيضة أو كعبة حلوى، "المريض ما ياكلش" في إشارة إلى أنّ "شاهيتنا" المفتوحة للأكل كانت تفنّد دعاوينا وتَشِي بأننا في صحّة جيدة. كنت كل مرة أذكّر راضية بكلام "حماتها" فتبتسم، وتحاول أن تضحك فلا تقدر، ولكن كلما سألتها، من باب الدعابة، من أنا؟ تجيبني "حمّه ولد "خضراء"(وهو اسم والدتي) التي جمعتها بها علاقة حبّ وتقدير مثاليّة. كانت "خضراء" مبهورة بقوة راضية وصبرها وشجاعتها وثقتها بنفسها وتحمّلها المسؤولية وتفاؤلها الدائم والمتجدّد... كانت راضية كلما قابلت "خضراء"، أيّام المحن المتلاحقة في زمن الدكتاتورية، تقول لها وهي تطلق قهقهة: "غالْبِينهم غالْبِينهم أمّي خضراء وحمّه خارج، خارج من الحبس".
لذلك وعملا بقول أمّي كنت أرى في تحسّن شاهية راضية وقبولها الأكل وعدم إحساسها بالغثيان علامة مشجّعة، خاصة أنّ الإطار الطبّي كان يوصيني يوميا بأهمية الغذاء في مواجهة الفيروس، لذلك كنت "أدسّ" في فمها غالبية ما يقدّم إلينا أو يأتينا من أكل من خارج المستشفى. وكانت هي تستجيبُ بلا تردّد... كان يُسْعِدها أن تأكل من يدي كطفل صغير. وقد لازمت، كما طلب منّي الأطبّاء، ارتداء "الكمّامة" ليلا نهارا. وهنا، في الطابق التاسع من المستشفى العسكري، تعلّمت، بعد أن بدأت أطمئنّ على صحّة راضية، النّوم "بالكمّامة". لم يكن من السّهل أن أنام "مكمّمًا" لما يحدثه ذلك من ضيق في التنفس وأوجاع في الرّأس. ولكنّ ملازمة "الكمّامة" حتى خلال النوم، كانت، إلى جانب استعمال المعقّمات في كل حركة أقوم بها سواء لتطهير يديّ وأدباشي وحتّى شعري أو لتطهير أرضيّة الغرفة مرّات ومرّات في اليوم، شرط البقاء إلى جانب راضية لأخدمها.
وبطبيعة الحال من أين لي أن أرفض شرطا من شروط الأطبّاء، كي أرافق راضية؟ وهل يمكن أن يجول في خاطري أصلا أن أتركها وحدها في مواجهة المرض وهي التي لم تتركني لحظة وحدي طوال مسيرتنا المشتركة بما فيها من مصادمات واعتداءات وأتعاب وآلام؟ وحتى لو كلّفتني مرافقتها الإصابة بالفيروس أو حتّى الموت، أفلا تستحقّ هذه الإنسانة العجيبة، العظيمة ببساطتها وصدقها وعفويّتها وعطائها وشراستها في الدفاع عن الحقّ ومقاومة الظلم، أن أُضَحّي من أجلها؟ ألم أصرّح ذات يوم من أيّام 2011 في إحدى القنوات التلفزيّة الخاصة بأنّني لا أريد الموت بعدها حتّى لا أتحمّل هوْلَ فراقها؟ أموت إن لزِمَ الأمر لتحيا هي... وهل للحبّ من معنى غير هذا المعنى؟ أليس الحبّ هو العمق الإنساني للنضال الذي نخوضه يوميا من أجل غد أفضل لشعبنا وللبشرية جمعاء؟ أليس الحب هو ميزة الثوريين/الثوريات في مواجهة قوى الشرّ التي لا تترك لا دينا ولا جنسا ولا قومية ولا ثقافة ولا لونا أو عرقا إلا وتستغلّه لبثّ الحقد والكراهية والتفرقة بين أبناء/بنات الشعب الواحد والجنس الإنساني الواحد لتسهيل السيطرة عليهم وتأبيدها؟ الحبّ عندنا عقيدة، لأننا لا نرى في الوجود ما هو أعظم منه، لأنه النّبع الصّافي الذي لا ينضب حتى في زمن القحط، وهو الذي سيفرض نفسه، طال الزمان أو قصر، قانونا أوحد تستظلّ به البشرية جمعاء... البشريّة المتحرّرة نهائيّا من كل استلاب أيديولوجي واقتصادي وسياسي وثقافي مهما كانت الأغلفة، لتعيش في النهاية بلا حروب ولا كراهية ولا قتل ولا مجازر ولا همجيّة...لتعيش في النّهاية ضمن علاقات ملؤها المحبّة والأخوّة والسّلم والتضامن. (آهِ... ما أحوجنا إلى السّلم في منطقة منكوبة لا تتوقف فيها الحروب والمجازر...)
مرّة أخرى وجدّت نفسي مُمزَّقا بين مرض راضية ومرض الوطن. راضية التي التصقت حياتها ونضالها منذ شبابها بهموم الوطن ولا شيء غير هموم الوطن، حاول الفيروس أن يَفْتِكَ بها وقَصَفَ أكثر من ثُلُثَيْ رئتيها اللّتين تهِبانِها الحياة، والوطن الذي احتضن راضية وأصبح حاضرا في كل خطوة من خطواتها، فلا يكاد المرء يقف عند حادث عرفته تونس خلال العقود الأربعة الأخيرة دون أن يُذْكَرَ فيه اسم راضية النصراوي، فاعلة مباشرة أو محامية أو حقوقية ناهيك أنها كانت يوم 14 جانفي 2011 أول من توجه إلى وزارة الداخلية لتصرخ في وجه الظالم: "ارحلْ"...هذا الوطن تفتك به هو أيضا فيروسات كثيرة، تهاجمه من كل جانب، تحاول أن تكبت أنفاسه، أن تشلّ حركته، تنهشه بلا هوادة طورا باسم الدين وطورا باسم الحرية وطورا ثالثا باسم "المصلحة العليا"، وهو يتلوّى وجَعًا ويقاوم. لذلك تجدني كلما فكرت في راضية استحضرت الوطن. والعكس بالعكس.
"امرأة بحجم وطن"، هكذا عنونت إحدى المناضلات مقالا كتبته عن راضية النّصراوي يوم 13 أوت 2020 بمناسبة العيد الوطني للمرأة. إنّ الجمع بين المرأة/الأم والوطن/الأرض ظاهرة طبعت الأدب العالمي في القرن العشرين خاصة، ناهيك أن القارئ حين يطّلع على النص الماثل أمامه تلتبس عليه الأمور إلى درجة يعسر له فيها الفصل بين الحديث عن المرأة/الأم والحديث عن الوطن فكأنهما يسيران في الخطّ نفسه بحثا عن انعتاق نهائي من القيود المضروبة عليهما، الأولى بوصفها أنثى والثاني أرضًا ومجتمعًا. فمن منّا لا يتذكر، رائعة "الأم" للكاتب الروسي/السوفياتي "مكسيم غوركي" (1907)،الأم التي تتماهى/تتّحد، في النهاية، مع الوطن، روسيا، الناهضة في وجه الاستبداد القيصري؟ ومن منّا لا يتذكر مسرحية "الأم شجاعة وأبناؤها" (Mère courage et ses enfants) للشاعر والمسرحي الألماني برتولات بريخت (1939) هذه الأم التي هي بحجم الإنسانية جمعاء في رفض الحرب وأهوالها في ظرف كانت فيه البشرية على أبواب مجزرة كونية جديدة على أيدي الفاشست/النازيين. ومن منّا لم ترُقْهُ رواية "أمّ سعد" للكاتب الفلسطيني، الشّهيد، غسّان كنفاني، "أم سعد" الهوية والوطن والانتماء... ومن منّا لم يأخذه الحنين إلى خبز أمّه وقهوة أمّه ولمسة أمّه وهو يقرأ رائعة درويش الشعريّة "أحنّ إلى خبز أمي"... هذه الأم التي تمثل، مثلها مثل الوطن، ملاذا أبديّا...
راضية مريضة والوطن مريض. معركتان من أجل النهوض من جديد... معركتان من أجل الحياة. واليوم ها إنّ راضية، تتعافى تدريجيّا... ها إنّها تعود من بعيد... بعيد... ها إنّها تنهض من فراش المرض منتصرة على الفيروس اللّعين، الغادر الذي كاد أن يَقْطَعَ أنفاسها ويُلْقِي بها في ظلمات القبْر... إنّه انتصار آخر لإرادتها وإبائها. أفلا يحقّ لي القول إنّ الوطن سيتعافى تدريجيّا هو أيضا وسينهض منتصرا على الفيروسات التي تعبث بقدره... لا شكّ في ذلك، ففي الوطن روح لا تموت وشعلة لا تنطفئ... "حذار فتحت الرّماد اللهيب..."، "ومن يبذر الشوك يَجْنِ الجِرَاحْ..."، "كذلِكَ قالت ليَ الكائناتْ...وحدّثنِي روحُها المُسْتَتِرْ..." إنّ المسألة مسألةُ وقت... وهي بالنسبة إلى الشعوب مسألةُ وعْيٍ وتنظيمٍ أيضا، فما أنَ تهُبَّ مُنْشِدةً الحياة، حتى تستجيب لها الأقدار بلا تردّد ولا تأخير...ويفتح لها الزمن ذراعيه ليُدْخِلَهَا التّاريخّ من الباب الكبير فتطوي صفحة وتفتح أخرى مشرقة كالصباح الجميل...
--------
أيّها العالم...
إنّ راضية تتعافى من الفيروس
إنّ راضية تحيا من جديد...
والوطن سيتعافى من الفيروسات...
ليحيا من جديد...
-----
آه...
يا سيدتي، وملهمتي
يا من أنتِ
كعودِ المِسْكِ
كلّما احترقَ،
فاح شذاهُ...
يا من أنتِ
كالوطن،
تعطين بلا حدود،
ولا تبغين مقابلْ...
هات يديكِ،
وهيّا بنا نمضي، من جديدٍ،
للحياهْ،
هيّا بنا...
نزرعِ الأرّضَ سنابلْ...
-----
آه...
يا سيّدتي،
وملهِمتي...
"أراكِ فتحلو لديّ الحياةْ
ويملأ نفسي صباحُ الأملْ
وتنّمو بصدري ورودٌ عِذابْ
وتحنو على قلبِيَ المشتعِلْ
أراكِ فأُخْلقُ خَلقًا جديدا
كأنّيَ لم أبلُ حربَ الوُجودْ
ولم أحتملْ فيه عِبْئًا ثقيلاً
من الذكريات التي لا تَبِيدْ
أراكِ فتخْفُقُ أعصابُ قلْبِي
وتهتزّ مثلَ اهتزازِ الوَترْ
وتملأُنِي نشوةٌ لا تُحَدُّ
كأنّيَ أصبحتُ فوْق البشرْ"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.