المراسل-بقلم كمال الشيحاويربّما لا يعرف الكثير من التونسيين والتونسيات أن لنا في تونس مجلّة قانونية خاصّة بحقوق الطفل. وهي مجلّة متطوّرة وقريبة جدّا بما تضمّنته من فصول ممّا هو متداول في البلدان المتقدّمة. وأذكر أنّها أثارت جدلا في مستويات مختلفة عند صدورها في تسعينات القرن الماضي. وقد تمحور الجدل حول مدى انسجام هذه الحقوق مع ما يصطلح عليه عادة بخصوصيات المجتمع التونسي الدّينية والاجتماعية والحضارية عموما. ومن بين ما تضمّنته هذه المجلّة (فيما أذكر) أنّه بإمكان أي مواطن أن يبلغ عن طفل يمنع من قبل والديه من الحقّ في الدراسة مثلا. وقد وضعت الدولة التونسية صلاحيات محدّدة لما يعرف ب»مندوب الطفولة» تمكّنه من اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة التي يمكن أن تردع أي شخص، بما في ذلك أقارب الطفل من التعرّض له بالعنف أو التعذيب أو المنع من الدراسة أو التمتّع بالخدمات الصحية المجّانية التي توفرها الدولة. ولئن خضعت هذه المجلّة كغيرها لاستعمالات النظام السابق السياسية والإيديولوجية، حيث كان الموالون له يذكرونها كأحد مفاخره وانجازاته، مع أن فصولا كثيرة منها كانت منتهكة في الواقع، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الكثير من الحقوقيين وأهل القانون من الإقرار بقيمة هذه المجلة وضرورة تكريسها وتطويرها. و نسجّل خلال هذه الفترة التي يتجادل فيها التونسيون داخل المجلس التأسيسي وخارجه عن الحقوق التي ينبغي تضمينها دستور تونس الجديد، أنّ حقوق الطفل بدت وكأنّها أدنى أهمّية من حقوق المرأة مثلا، والحال أنّها بقدر ما هي مرتبطة بحقوق الإنسان عموما والمرأة بالضرورة فإن لها مكانة مفصلية، لأن الطفل هو المستقبل. ما دفعني لطرح هذا الموضوع هو ظهور سلوك غريب عن تقاليد وعادات المجتمع التونسي يتمثّل في «تحجيب» البنات الصغيرات. ولئن لم يتحوّل هذا السلوك إلى «ظاهرة» بالمعنى السوسيولوجي فإنّه بالإمكان أن يصير كذلك في حال استمرار الصمت واللاّمبالاة تجاه هذا السلوك من قبل جميع الأطراف. ولا شكّ أنّ لبروز هذا السلوك علاقة عضوية و مباشرة بظاهرة الحجاب في تونس والتي تعاظمت بعد الثورة مع صعود تيار الإسلام السياسي للحكم ونشاط الجماعات السلفية بكلّ أطيافها على الفضائيات والمنتديات الاجتماعية الافتراضية وفي الواقع أيضا. لقد صار اليوم شبه اتفاق لدى معظم التونسيين بأن الحجاب بات مندرجا في إطار الحرية الشخصية للمرأة وذلك لتجنّب الاستمرار في جدل، بلا أفق حول شرعيته الدّينية وخلفياته النفسية والسياسية والإيديولوجية. والمثير في الموضوع أنّه عندما ظنّ أن الأمر قد حسم أو يكاد وصار من الممكن للمحجّبة أن تحصل على بطاقة تعريف وطنية بهيئتها تلك، ظهر هذا السلوك المتمثّل في «تحجيب» الفتيات الصغيرات عند المتشدّدين من السلفيين كما لدى عدد من العائلات التونسية في جهات وطبقات مختلفة. وذلك لنفس الأسباب والمعطيات تقريبا. ففضلا عن الخلفية العقائدية التي هي مدار خلاف بين القائلين بشرعية الحجاب والقائلين بعدم شرعيته دينيا يعتقد عدد من الآباء والأمّهات أن في تحجيب بناتهم الصغيرات حماية لهنّ من أشكال التحرّش والعنف اللّفظي والمادي الذي انتشر في مجتمعنا. وهو عنف لم يعد يخص النساء فقط بل حتّى الأطفال. لا يهتمّ هؤلاء غالبا بالآثار النفسية السيئة، بل المدمّرة التي يتسبّب فيها هذا السلوك. بل لا علم لهم بذلك أصلا. ويؤكّد المختصون في علم نفس الطفل أن تحجيب البنت في سنّ صغيرة، يكوّن لديها شعورا سيئا بأن جسدها مستهدف من قبل الآخرين (مهما كانوا) وهو ما يمثل انتهاكا لبراءتها. كما أنّه يضاعف من خوفها من جسدها في سنّ تحتاج فيه نفسيا لأن تكون أكثر إقبالا على اللّعب والمرح وبعيدة عن هواجس العقاب الدّيني وأشكاله المريعة والتي لا قبل لفتاة صغيرة بفهمها فما بالك بقبولها. ولئن كانت المرأة التي جاوزت سنّ الطفولة معنية ببعض هذه الآثار النفسية أيضا، فإنّها محصّنة نسبيا بحكم نضجها وقادرة على الدفاع عن نفسها سواء كانت محجّبة أو غير محجّبة. وتقديرنا أنّنا في حاجة لتشريك جميع الأطراف بما في ذلك الشقّ المعتدل والوسطي من الإسلاميين لمقاومة هذا السلوك الذي يتناقض وسماحة الإسلام ومقاصده. ونظنّ أنّ حماية الأطفال أولوية وطنية يمكن أن تتضافر الجهود لتحقيقها، على أن نحتفظ بعلاقة متطوّرة بظاهرة الحجاب ذاتها تدرجها في سياق الحريات الشخصية بعيدا عن التجاذبات السياسية و الخلفيات العقائدية الفقهية التي هي موضوع خلاف مستمرّ. وأن نعتبر أن انتهاك براءة الأطفال خط أحمر أمام الجميع.