فتح الدكتور محمد زين العابدين رفا منسيا بعد توليه حقيبة وزارة الثقافة ، ملفا ارتباط به شخصيا واعتبره الكثيرون التحدي الأكبر لمهمته الوزارية، أخيرا دشنت مدينة الثقافة في «عهده» وانتهى إنشاء المشروع المنتظر لقرابة العقدين بعد سنوات من الانتظار ، سنوات كان الفساد عنوانها، فاختفت أموال وأموال وتغيرت شركات واتفاقيات ولم تنه أشغال «المدينة» إلا مؤخرا..هي مشروع «بن علي» ولن يسمح التاريخ بتغير هذه الحقيقة، مشروع كان هدفه السيطرة أكثر على «جنوح» المبدعين و»جنون» مخيلاتهم الفنية والفكرية مع توفير فضاء أرحب ليمارسوا هذا الإبداع تحت عيون الدولة وأياديها...هل تغير الوضع الآن !!؟ لا نعتقد أن هذا ما حدث . للأسف، في افتتاح مدينة الثقافة الوجوه السياسية والأسماء الرنانة في عالم الثقافة الاستهلاكية والفكر «المهتري» كانت الأكثر حضورا..نعم البناء جميل، ومتقن،وضخم، وأنيق ولكنه بارد ..برده لفنا كلما نظرنا إلى كم المنافقين والمتلاحقين لكسب رضا الوزير وأعوانه.. وليس بعيدا عن مدينة الثقافة أعادتنا الذاكرة إلى أيام أكثر حرارة إلى أواخر شتاء 2011 وبداية 2012 حين كانت الشرطة تلاحق شبابا وساسة يدعون للحرية والكرامة، أين هم اليوم !! - الشباب والساسة طبعا - بعض هؤلاء كان حاضرا في افتتاح مدينة الثقافة بعد أن وقع «تدجينه» شيئا فشيئا فتغيرت ملامحه واحتجنا وقتا طويلا لندرك هويته والبعض الآخر حضر لكن نظرة الحزن والخيبة رافقت محياه.. لم تعد أذرع إخطبوط الفساد تلتف حولنا بعد أن عرفت طريقها إلى أرواح الكثيرين وصارت غير مرئية بحضور أكثر طغيان.. في مدينة الثقافة حتى وجوه الموظفين تتشابه .هل هم أقارب من وسط اجتماعي وإيديولوجي واحد.؟.لا معنى للسؤال !! فالوضع ذاته حتى لو وقع محو عبارة «مقبرة الثقافة» من على جدران هذا الصرح، الذي كلفنا المليارات من مليماتنا فأحباء الترجي الرياضي التونسي لم يفتهم أن يكتبوا عبارات على أحد جدران مدينة الثقافة الخلفية قبل افتتاحها بساعات أما محبي التدخين وإلقاء كؤوس القهوة البلاستكية من المتوافدين أو العاملين في «المدينة» فلم يدركوا بعد أنهم في محراب الإبداع ..مشاهد تحثنا على التساؤل هل كنا في حاجة إلى هذا المشروع الثقافي، وهل هو أولوية لبلانا المتخبطة في كثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية ؟، نعم نحن في أمس الحاجة إليه لكن حين يكون فضاء لمّن يستحقه، فضاء للجميع ،لكل الفنانين والمثقفين التونسيين من مختلف مناطق البلاد ومن مختلف الإيديولوجيات والانتماءات السياسية . فمن المضحكات المبكيات أن تمر قرب فضاء خصص لمسرح الجهات ولا تشاهد من فنى سنوات من عمره بعيدا عن أضواء العاصمة يعلم فنون المسرح بين ثنايا القرى والمدن الصغيرة..ومن سخرية القدر أن تشاهد وجوها ثقافية كانت تعيق العملية الإبداعية وتقف ضد كل ماله علاقة بحرية التعبير والإبداع زمن «بن علي» تدعو للاحتفاء وتقف مبتسمة أمام وسائل الاعلام وتتحدث عن أهمية «مدينة الثقافة «في تعزيز الحريات ودعم الشباب.. في افتتاح مدينة الثقافة، فضاء مختلف الفنون، غاب الكثيرون باختيارهم وهمش آخرون عمدا، في افتتاح مدينة الثقافة كان كل شيء ورديا فيما أحاطت الأشواك بسياجه المشرق فكان العرض الأركسترالي ببصمته الأوكرانية الطاغية، الغيمة الأولى، التي أصبغت اللون الرمادي على سماء حدث انتظرناه طويلا فكان وطنيا في توظيفه السياسي فحسب. لا ننكر المجهود المبذول لتذليل كل العقبات وانجاز مشروع مدينة الثقافة لكن هذا الانجاز كان يمكن أن يكون أفضل لو احترم خصوصياتنا الثقافية وهويتنا ومنح مبدعين قدموا الكثير للبلاد حقهم بالحضور والمشاركة في هذا الحدث فما عدا تكريم الفنانة الايطالية المولودة في تونس كلاوديا كاردينال، التي نفخر ونعتز بحبها لبلادنا وبتاريخها الفني، الذي كانت خطواته الأولى من تونس لم يكن لبقية مظاهر الفرنكوفونية والحضور الاعتباطي لبعض الضيوف إلا دليل على التبعية للغرب في أشكالها الجديدة القائمة على المصالح الشخصية الضيقة. الثقافة في تونس في حاجة إلى أكثر من مدينة شعارها «الأكبر والأضخم في افريقيا»؟ ! فالتونسيون لم يكونوا يوما من الشعوب، التي تعتمد أسماء التميز الأكبر والأعلى والأضخم .فمن دافع عن الحرية والكرامة في هذه البلاد كان هدفه ثقافة أعمق وأشمل وأقرب من الناس وأصدق لا أكبر مبنى في افريقيا . فشساعة المكان، رغم ما هو مبرمج من فعاليات مازالت تشعرنا بالبرد في غياب حرارة الإبداع التونسي بكل ما تحمله من تناقضات وجنون وحب للحرية والإبداع المغاير ولعّل أيام قرطاج الشعرية أولى عثرات هذه السياسة الخاطئة في التسيير وتسويق الإنتاج الوطني ومهرجاناته. ◗ نجلاء قمّوع مدينة الثقافة في أرقام تعد حسب الجهات الرسمية أكبر مشروع ثقافي وطني تنجزه دولة الاستقلال، حيث وصفته ب"مشروع ذي أبعاد تنموية واقتصادية وسياحية واستثمارية مهمة". وتتوسط «مدينة الثقافة» شارع محمد الخامس على مساحة جملية تقدر ب 8,6 هكتار، يمتد قسطها الأول على 48836 متر مربع. تضم المدينة ثلاثة مسارح، في مقدمتها مسرح الأوبرا ،درة المدينة التي تتسع ل 1800 متفرج، ويليها مسرح للجهات (700 متفرج) ومسرح للمبدعين الشبان (300 متفرج) إضافة إلى ستة (06) فضاءات أخرى للإنتاج والتمارين وفضاء للخزن، وأروقة للمعارض وخزينة وطنية للمقتنيات الفنية إلى جانب مجمع السينما الذي يتكون من قاعتين الأولى تتسع ل 350 متفرجا، والثانية ل 150 متفرجا، إضافة إلى المكتبة السينمائية وقاعة اوديتريوم (100 متفرج). وتشتمل مدينة الثقافة على متحف للفنون المعاصرة بمواصفات دولية ومركز وطني للكتاب ومركز للاستثمار الثقافي ومجمع لأهم ما يوجد في تونس من مؤسسات مرجعية في مجالات الفنون الركحية والبصرية والسينمائية والترجمة والتظاهرات الفنية. وباكتمال مدينة الثقافة يولد أول بيت للرواية في العالم العربي، مجاور لبيت الشعر، أول بيوت الشعر العربية، ويتخذ منتدى تونس الدولي للحضارات من المدينة منصة لإطلاق الحوارات في مختلف القضايا التي تشغل الإنسانية. وتوضع اللبنة الأولى لأوركسترا وأصوات أوبرا تونس التي ستكون ملتقى دوليا لتبادل التجارب الموسيقية، ولبالي أوبرا تونس وبيت للعود وبيت المالوف، كما ستنظم مدينة الثقافة تظاهرات فنية الهدف منها احتضان التجارب الواعدة للشباب ومن الجهات ومنفتحة على العالم لتنطلق نحو أفق أرحب كما تتوفر المدينة على مكاتب وفضاءات إدارية مفتوحة وقاعة اجتماعات واستقبال إضافة إلى مساحات تجارية باعتبار أن المدينة مشروع مندمج يشمل المجالات التجارية والاقتصادية والتنموية والسياحية. وللمدينة برج مساحته 840 مترا مربعا وارتفاعه 65 مترا وهو فضاء ثقافي تجاري وسياحي، مساحة الكرة البلورية 180 مترا مربعا، وسيخصص برج المدينة لاحتضان أنشطة متنوعة مثل الندوات واللقاءات الفكرية والأدبية وبرامج تلفزيونية وإذاعية.