بقلم: صبحي غندور - مع بدء كلّ عام ، يتجدّد عند الأفراد والشعوب الأمل بتغييرٍ في حياتهم وظروفهم نحو الأفضل، دون إدراك أنّ "الزمن" وحده لا يُغّير الحال، وبأنّ سياسة "حسيبك للزمن" ربّما تنجح عاطفياً لكنّها لا تُغيّر عملياً من الواقع شيئا. قد يحدث ربّما العكس، حيث يؤدّي تراكم السلبيات مع مرور الزمن إلى مضاعفة المشاكل والأزمات. إنّ نهاية عام، وحلول عام جديد، هي مسألة رقمية رمزية لا تغيّر شيئاً من واقع حال الإنسان أو الطبيعة في أيّ مكان أو زمان. لكن المعنى المهم في هذا التحوّل الزمني الرقمي هو المراجعة المطلوبة لدى الأفراد والجماعات والأوطان لأوضاعهم ولأعمالهم بغاية التقييم والتقويم لها. فهي مناسبة لما يسمّى ب"وقفة مع النفس" من أجل محاسبتها، وهي حثٌ للإرادة الإنسانية على التدخّل لتعديل مسارات تفرضها عادةً سلبيات الأوضاع الخاصّة والظروف العامّة المحيطة. ولا يهمّ هنا إذا كانت هذه المحطَّة الرقمية الزمنية هي في روزنامة سنة ميلادية أو هجرية، أو هي مناسبة لعيد ميلاد أفراد أو تأسيس أعمال أو لأعياد وطنية، فالمهم هو إجراء المراجعة والتقييم والتقويم، ومن ثمّ استخدام الإرادة الإنسانية لتحقيق التغيير المنشود. لكن بعض الناس (كأفرادٍ أو كجماعات) تكون إرادتهم مُسيّرة من قِبَل آخرين، بفعل ظروف الحاجة أو بسبب الضغوط وعناصر القوة التي تفرضها إرادة البعض المتمكّنين بالمال أو بالسلطة وفق ما يُعرف بصطلح "الترغيب والترهيب" أو "القدرة على المنح والمنع". وهنا يحصل الفارق، بين منْ إرادتهم الذاتية مشلولة ويعيشون حياتهم في خدمة إرادة آخرين، وبين من إرادتهم حرّة لكن يعانون من "الترهيب أو المنع". فالنّاس هم على درجاتٍ في المعرفة والعلم، أو بعناصر القوة بمعناها الشامل للقوى المادية والمعنوية (المال والنفوذ والسلطة وأدوات القمع). وفي الحالات كلّها، تتوفّر للبعض إمكانات التحكّم بآخرين، وإعلاء أو تهميش من يرغبون. ويحصل هنا أيضاً الفارق بين من يرضون العيش في حالة الرضوخ لإرادة الآخرين، فتكون إرادتهم مُهمَّشة، حتّى لو لمعت أسماؤهم في المجتمعات، وبين من يرفضون هيمنة الآخرين على إرادتهم، ويصرّون على مواجهة الواقع المرفوض رغم كلّ العقبات. إنّ المعيار في الحياة، من وجهة نظري، هو منطلَق الإنسان ومبادئه وليست النتائج التي تترتّب على هذا المنطلق والمبادئ، حيث يسقط هنا شعار: "الغاية تبرّر الوسيلة". فلا يجوز مثلاً لكاتبٍ أن يجعل "قلمه" مرهوناً فقط لإرادة الآخرين من أجل تأمين "بحبوبة العيش" أو بحثاً عن الشهرة أو عن "الأمان الجسدي". لذلك، من المهمّ لدى كل إنسان معرفة مدى استعداده لرفض أو قبول هيمنة "إرادة الآخر" كمبدإ. فكم من أسماء بارزة تتصدّر المجتمعات، وبعضها يصل أصحابها إلى مواقع مسؤولة عالية، كرئاسة دول أو حكومات، لكن إرادتهم تكون مرهونةً لآخرين، معلومين كان هؤلاء أم مجهولين. وكم من أصحاب إرادةٍ مستقلة، لا نعرفهم ولا نسمع عنهم، ثمّ نكتشف لاحقاً دورهم الكبير في تغيير مجتمعات أو أحوال جماعات. فالتهميش الذي يحصل لهؤلاء هو خاضعٌ لنسبيّة المكان والزمان، لا لطبيعة أعمالهم أو ما قد تنجزه أعمالهم في المستقبل. هو أمرٌ مشابهٌ تمام الشّبه، بين إنسانٍ حرٍّ في تفكيره وعمله وإرادته غير أنّه بسبب حرّيته هذه معتقَلٌ في سجن، وبين آخر طليق لكنه مستعبدٌ من قِبَل آخرين رغم أنّه يملك جاهاً أو مالاً أو سلطة. فمَن، في هاتيْن الحالتين، هو "الإنسان الحر"؟! فخيرٌ للإنسان المفكّر أو الكاتب أو الإعلامي أن يكون خاضعاً للتهميش الإعلامي أو "الحصار" المالي أو الاجتماعي، من أن يكون فكره أو قلمه مسيّراً من آخرين، رغم لمعان اسمه هنا أو هناك. ولعلّ في تجارب الإعلاميين والكّتاب عموماً، الكثير من المحطّات التي يكون فيها الخيار هو بين "التهميش" وحرّية الفكر والكتابة والعمل من جهة، أو التلميع والثراء، لكن مع تجيير الفكر والقلم لصالح جهاتٍ و"أجندات" محدّدة. الأمر نفسه ينطبق على المراكز والمؤسسات الثقافية وعلى المنابر الإعلامية، حيث نجد الكثير منها يخضع لتأثيرات "المموّل" ومصالحه حتّى وإن تناقضت مع المبادئ التي قامت عليها هذه المراكز والمؤسسات. فقد تكون في "أجندة المموّلين" أولويات قضايا ومسائل ليست بالضرورة هي الأولويات العملية لهذه المؤسسات، لذلك يحصل الخيار هنا أيضاً بين "راحة العمل" أو "راحة الضمير"!!. وإذا كانت أبرز سمات المرحلة الراهنة عربياً هي هيمنة التشرذم والانقسامات والصراعات القائمة على مضامين طائفية ومذهبية وإثنية، فإنّ من ينشط فكرياً وعملياً من المؤسسات أو من الإعلامين والكتّاب لتصحيح مسار هذه المرحلة، يُصبح من "المهمّشين" أو من "المغضوب عليهم"!. فالواقع السلبي العربي الراهن هو حصاد لما جرى زرعه في السنوات الماضية، ولما يتمّ التشجيع عليه فكرياً وإعلامياً من جهات محلية وخارجية، نافذة وقادرة، ولها مصالحها فيما يحدث من صراعات وانقسامات.. *مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن