عاجل/ نسبة الزيادة المنتظرة في أجور موظفي القطاعين العام والخاص..    انفراج في الأسواق: التزويد يتحسّن والأسعار تبدأ تستقرّ    الملك تشارلز ينتقم لأوروبا ويرد على ترامب: لولا البريطانيون لكنتم تتكلمون الفرنسية    كأس العالم 2026: الاتحاد الدولي لكرة القدم يرفع المساهمات المالية لفائدة المنتخبات بنسبة 15 بالمائة    الترجي يطالب بفتح تحقيق عاجل و نشر تسجيلات "الفار"    بداية من اليوم: توقف جزئي ومؤقّت لحركة القطارات بين تونس وحلق الوادي والمرسى    بلدية تونس: جلسة عمل لتعزيز الاستخلاص وتطوير الموارد البلدية    اعتراف إسرائيلي: ترامب هو السبب الرئيسي لعدم ضم الضفة    رئيسة جامعة السباحة المستقيلة تكشف اختلالات مالية وإدارية خطيرة    خبير في الطاقات المتجددة: اللزمات تخدم مصلحة تونس... التفاصيل    رابطة ابطال اوروبا : باريس سان جيرمان يتفوق على بايرن 5-4    طقس اليوم: أمطار وارتفاع في درجات الحرارة    طقس اليوم: أمطار بعد الظهر بهذه المناطق    الملك تشارلز لترامب ممازحا: لولا البريطانيون "لكنتم تتكلمون الفرنسية"    التوقعات الجوية لهذا اليوم..أمطار..    حرب إيران.. ترقب لمقترح جديد من طهران وترمب يخطط لحصار طويل    وزير الفلاحة يستعرض مع حاكم ولاية أمريكية آفاق التعاون الفلاحي    بودربالة.. من يحاولون التأثير على عزيمتنا قد أخطؤوا العنوان    فائدة هائلة وغير متوقعة للقهوة.. اكتشفها العلماء    بال 2026.. النادي الافريقي يحقق فوزه الثالث    ترامب يمازح الملك تشارلز: أمي كانت معجبة بك    الدفاع طلب التأجيل ..«الجهاز السرّي» أمام القضاء والغنوشي أبرز الغائبين    في ضيافة الكاف وتحت شعار «الخطأ ممنوع» ...لقاء من نار بين سليمان والإفريقي    من صوت المجتمع إلى ضجيج «الترند» .. الأغنية التونسية بين الجمالية والانحدار    وزير الصحة يؤكد أن معطيات صحة المواطن سيادة وطنية وأن الرقمنة وسيلة عملية لتقريب الخدمات من المواطنين    عاجل: البرلمان يصادق على مشاريع قوانين اللزمات الخمسة للطاقة المتجددة    وليد قرفالة: "سمعنا أصواتا غريبة في غرفة الفار أثرت على الحكام وجلبنا عدل منفذ"    طقس الليلة.. خلايا رعدية وامطار بهذه الاماكن    وائل شوشان.. قادرون على تغيير موقعنا من مورَد الى مصدَر للصاقة    أسعار أضاحي العيد بهذه الولاية..    ليبيا تعلن احباط تهريب أقراص مخدرة نحو تونس..وهذه التفاصيل..    خطير/ الكشف عن شبكة تهريب وحجز كمية من الأدوية المفقودة..    التلوث الزراعي في تونس: في مواجهة أزمة هيكلية في النموذج الفلاحي دعوة للتحول نحو الزراعة الإيكولوجية    تسجيل أطفال سنة أولى: شنوّا تعمل إذا ما تحصّلتش على المدرسة الّي تحبّ عليها؟    ترامب: إيران أبلغتنا للتو أنها في حالة انهيار وتريد فتح مضيق هرمز بأسرع وقت    يزيد منصوري: "أحداث غير عادية شهدتها مباراة النادي البنزرتي.. وننتظر نتائج التحقيقات بكل ثقة"    الإمارات تنسحب من "أوبك" و"أوبك+"    بشرى لجماهير وأحباء النادي الافريقي..    لقاءات فكرية وعروض فنية في انتظار رواد معرض تونس الدولي للكتاب يوم الاربعاء 29 أفريل 2026    مرصد الإقتصاد يحذّر من 'مخاطر' مرتبطة بمشاريع امتيازات الطاقة المتجددة    وكالة احياء التراث والتنمية تنظم تظاهرة " يوم أوذنة للدراجات" يوم غرة ماي 2026 بالموقع الاثري بأوذنة "    انطلاق تسجيل مواليد 2020 للسنة أولى: وهذه شروط تسجيل مواليد ال3 أشهر الأولى من 2021    أعراض السكري: علامات تظهر عند الاستيقاظ صباحًا    دراسات جديدة تكشف أن هذا النبات قد يخفض الtension خلال أسابيع    الجمعية التونسية لأمراض وجراحة القلب تُعلن قرب إطلاق السجل الوطني للداء النشواني القلبي    ''نجدة'' تُنقذ التوانسة...اليوم الجلطة ماعادش تستنّى    صادم: عائلة هذا الفنان العربي المشهور تتبرأ منه بعد فيديو مسيء للدين    لطفي بوشناق يلجأ إلى القضاء على خلفية "حملة تشويه" استهدفته... و الأستاذ أحمد بن حسانة يكشف التفاصيل    الرابط الثانية - القطيعة بين أمل حمام سوسة ومدربه عماد جاء بالله    النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة تنظم يومي 1 و2 ماي بالعاصمة المنتدى الثامن للصيدلة والمنتدى السابع للصحة الرقمية    افتتاح الدورة الثامنة من مهرجان قابس سينما فن... على درب الالتزام والانفتاح    لطفي بوشناق للشروق: "لا تُرمى بالحجارة إلا الشجرة المثمرة"    الدورة 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب: برنامج فضاء الاطفال واليافعين ليوم غد الثلاثاء    هل يُحج عن من مات ولم يحج؟ الإفتاء تحسم الجدل    عاجل-مدينة العلوم: فلكيا هذا موعد عيد الأضحى في تونس    ابدأ أسبوعك بالدعاء... كلمات بسيطة تغيّر يومك بالكامل    أولا وأخيرا .. «اسمع وفلّت»    انتصار حلف المقاومة بقيادة إيران وأهمية الدائرة الثالثة/ الإسلامية لخلاص الأمتين (1/ 2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رجب حاجي يكتب لكم : قراءة في رواية "حرقة الى الطليان" لصالح الحاجّة
نشر في الصريح يوم 18 - 11 - 2019

بدئا من الصعب فصل الغث من السمين، اذ تكاثرت الكتابات في التاريخ للكشف عن جوانبه الغير معروفة، كل حسب ذكرياته وتأملاته وتعاليقه ومساهمته خاصة في اسباب الاحداث وخفاياها، وتعد كلها اضافة في احياء الذاكرة، وتسليط الاضواء عن الزوايا المجهولة والخفية، لنضال امة، وبناء دولة حديثة، حتى ان بعضهم يدفعهم حقدهم الدفين الى محاولة الشك في كيانها، لانهم لم يشاركوا أصلا، ولا اهلهم، في بعثها، و لنترك هذا الباب لأهل الاختصاص للحكم على ما يكتب من هنا وهناك، وذلك بالرجوع الى المراجع الثابتة والتي يقع عليها اجماع الباحثين.
وفي سلسلة الكتب، صدر أخيرا كتاب، لفت انتباهي عنوانه «حرقة الى الطليان» للصحافي المحترف صالح الحاجّة، وهذا الكتاب، من أول وهلة، يختلف تماما من حيث المضمون والشكل واللغة عن كل كتب التاريخ وحتى الروايات التاريخية التي نجدها في الأسواق، لان الصحافي المحترف، صالح الحاجّة، من الصحافيين الممتازين الذين تركوا بصماتهم في الميدان الاعلامي بصفة عامة، وفي الصحافة خاصة، سواء في جريدة الصباح، حيث كان له ركن يميزه، يتناول فيه كل المواضيع الحياتية، ويشهد الجميع له في تحاليله، بالتحرر الفكري والسياسي، وكذلك بالإبداع في الكتابة،
وللتذكير فقط، لأن صاحبنا غني عن التعريف، امتدت مسيرته على حلقات من محرر في صحيفة تشغله، الى بعث جريدة هو المسؤول على إدارتها من تمويل وتحرير وتصرف وما الى ذلك من الواجبات البشرية والقانونية الضرورية، عنونها "الصريح" التي كانت في أول الأمر أسبوعية، ثم حوّلها الى يومية، اخذت رواجا لا مثيل له بين القراء، وأخيرا تفاديا للأزمات الكبرى والمتواصلة محليا وعالميا للصحافة الورقية، اختار اللجوء الى الخط الافتراضي تماشيا مع العصر، لكن الخط التحريري بقي المرجعية التي امتاز بها صاحب الرواية، وهي واجب التحفظ والموضوعية، ونقل الخبر بعد التثبت فيه، وسخر، بيد مفتوحة، في صحفه المتنوعة، الفضاء لكل الآراء دون استثناء، شريطة احترام الخط التحريري، فله الشكر على المبادرة التي شجعت الاقلام، واثارت المواضيع الحساسة، وخاضت فيها، وتلك هي لعمري الصحافة التي تبني وتشيد مستقبل البلاد، مهما كانت الضغوطات المتنوعة، والأراجيف المتداولة، والغوغاء السياسية المبتذلة، وبلادنا أصبحت، بكل أسى وأسف، بلاد العجائب والغرائب، تسبح في المجهول وغير المنتظر، وتصعب فيها الدراسات التقديرية، والتنبؤ بالمسار المؤدي لانفراج الأزمة، والخروج من الوحل الذي هي فيه، منذ الثورة إلى اليوم.
وبالرجوع الى الرواية التي، بعد قراءتها، أعتبرها تصب في محاور السياسة الحالية، كتبت بأسلوب القصة، وان وقع تقديمها من غيري، رأيت لزاما علي أن أعرّف بها من وجهة نظري، لما استنتجت منها من عمق في التفكير، ولمست في كتابتها من مرجعية، ومن دروس وقد طفح على المشهد في شباب بلادنا، حب الهجرة حتى ولو كان للموت نصيب في المغامرة، تمتاز الرواية بفن الكتابة وعبقرية اللغة، وحذق الأمثال الشعبية، تقع في 381 صفحة متسلسلة حسب الأحداث، غلافها جذاب وعنوانها مختصر على كلمتين "حرقة" تداولت بكثرة منذ الثورة لما آل اليه اقتصاد البلاد من مؤشرات حمراء، وكلمة "الطليان" أي البوابة إلى اوروبا وفي طيات الغلاف كلمتين صغيرتين جدا "أخي في العروبة " وأخي في الاسلام".
والرواية اعتبرها لوحات حلقاتها مترابطة بالمغامرات والمخاطرات والمفاجآت التي يمر بها الكاتب، والتي تصاحبها فيها ذكرياته، لما كان يعيشها في محيطه، فالقصة حافلة اذا بالتحاليل الموضوعية، وجب قراءتها بين السطور، والتمعن في ما ترمي اليه، واخترت منها لوحتين فقط لروايتهما، في الاولى لفت انتباهي طفولة الكاتب في "حي شعبي لا يسكنه كما يكتب الا "المزمر" وخوه"..."وفكر في السبعينات "في الحرقان"، وكانت ايطاليا حلم جميع اولاد الحومة"، فقرر اذا السفر الى "باليرمو" ويروي كيف عومل من قبل أولاد البلاد الذين يرددون "احنا التونسا في ايطاليا اصحاب باع وذراع وبونيه »… وكان هو من ضحاياهم،
ومن حسن حظه "انه يشبه، ويكاد ان يكون نسخة، من"روبرتو مارتيني" وهو "بطل دوخ ايطاليا طيلة العشر سنوات الأخيرة ..ولم تستطع الشرطة ان تصل اليه"، ويحكي ما جرى له لما تقمص دوره كبطل "روبارتو مارتيني بشحمه ولحمه وقوته وجبروته وسلطانه"، من أحداث أوصلته إلى التعرّف على أسياد القوم وسيداتهم، يرتدون ملابس غريبة، ويرقصون في مطعم ضخم يشبه النادي الليلي، ويعيشون في بذخ لم يتصوره حتى في احلامه، وانطلت عليه الصفة، وقدمت له الليرات، لأنه روبرتو المزعوم، وكان صاحب المطعم البرتو كارتوزو من عشاقه، صاحبه الى مكتبه، الذي هو جناح ضخم، أثاثه من طراز رفيع، وأركانه مليئة بالورد، وعرض عليه الاشتغال معه…
وكل هاته الاحداث تعود به الى تونس، ليتذكر أمه التي هي رهيفة الحس تبكي بسهولة، والمناخ الذي كان يعيش فيه، والاحداث التي أثرّت فيه، وهو صغير السن، ويتطرق الى ما حصل اليه عندما اراد مغادرة كارتوزو والرجوع اليه من جديد تحت الضغط، وهو الذي اصبح يقرر ماذا عليه ان يفعل، موفرا له غرفة نوم ليسكن بجواره، ثم كانت المغامرة تلوى الاخرى مع سائق التاكسي مثلا ، الذي كاد ان يقضي عليه لولا جوازه التونسي الذي أرجع الحقيقة الى نصابها، من أنه ليس روبارتو، والذي مكنه من شغل في مزرعة لمرأة فلاحة، عمالها اغلبهم من التونسيين، مقابل أجور زهيدة، وكلف بالإشراف عليهم، فتضاعف إنتاجهم، ولما سألهم عن تحملهم اوضاعهم البشعة، كان ردهم لان ليس لهم أوراق قانونية يشتغلون في "النوار"، و"ما يلزك على المر الا اللي أمر منو »….
ثمّ تعود به الذاكرة الى «حومته» الشعبية وما قاساه من فقر كل ذلك يبكيه ويحزنه الى أبعد الحدود، أما اللوحة الثانية التي وقع عليها اختياري فهي كيف تعرّف في المزرعة على رجل، يدعى ابراهيم العياط، شهر "كرطوشة"، كان يدرس في معهد نهج الباشا، و يخوض مع زملائه في الخلاف البورقيبي – اليوسفي، وكان هو منحازا لصالح بن يوسف، فحكى له بإطناب قصة تعذيبه من البوليس، وما لحقه من ضيم، نتيجة خذلان أحد اصدقائه باتفاق مع زوجته، وبين له كيف انتقم منهما، ثم طرح له انه لا مكان لليوسفية "التي كانت -حسب رأيه - كذبة كبيرة اخترعها بورقيبة"، وكان ذلك من الأسباب التي دفعته إلى مغادرة البلاد، وكانت "افكاره ومواقفه العروبية والقومية" ترضي الكاتب الذي يقول فيه "كنت في بعض الاحيان اتخيل انه أبي الضائع الذي كنت أبحث عنه" سرد له ابراهيم حكاية مرزوق ومآسيها، الى ان أتاهم صعاليك صاحب مطعم "البرتو"
لإرجاعه الى المطعم ولو غصبا وطلب من صاحبة المزرعة السيدة
الفلاحة طرده فاستجابت له… وفي خاتمة تقديمي، اعتبر أن الرواية طريفة في منهجيتها، مبدعة في لغتها ممتازة بجميع فصولها، تخللتها جملة من أفكار الكاتب، تتردد طوال اللوحات، من أشخاص من محض خياله، وهي رواية تحذر من الهجرة غير الشرعية، وتوابعها غير المحمودة اطلاقا، كما تفند فيها امثالا متداولة وكانت ولا تزال "كالتونسي للتونسي رحمة"، او هاته الرسالة المضمونة الوصول مخاطبة فيها العرب…
"انتم تفكرون بطريقة...وتتكلمون بطريقة مخالفة...و لا تعلنون عن افكاركم بصراحة...وتقولون ما لا تفعلون...وتفعلون ما لا تقولون"...
ورجائي من الاخ صالح المزيد في هذا المنهج و كان الله في عونه…


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.