مجلس وزاري مضيق يوصي بالتسريع في إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى في مخطط التنمية 2026- 2030    تشابه بين صحة برو والحجّامة؟...مراد بن نافلة يحسم الأمر    شيرين اللجمي تصنع الحدث في المسرح البلدي    خطاب مشوه واستهانة بعقل المشاهد .. اشهار تلفزاتنا... ابتذال و إساءة    نجم من رمضان ..جميلة العرابي... ذاكرةً تونس التي لا تموت    أم المؤمنين خديجة (8) .. خلوات في غار حراء... وأصوات وأنوار في اليقظة    فتاوى الذكاء الاصطناعي ...الفرق بين خطأ المفتي والبدعة منه    قراءات وإضاءات .. .وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ    كيف يصوم مريض فقر الدم بأمان خلال رمضان؟    نابل: تسلّم 27 حافلة مزدوجة جديدة لدعم النقل العمومي    قريبا: التوانسة بش يشوفوا سوسن معالج متقدّمة في السنّ    لجنة الحقوق والحريات تستمع لممثلي رئاسة الحكومة حول مقترح قانون حماية المعطيات الشخصية    انطلاق حصة التجنيد الاولى لسنة 2026 بداية من 2 مارس (وزارة الدفاع)    بينهم مسؤولون سابقون: أحكام بين عامين و13 سنة ضد شبكة متخصصة في الارتشاء والتدليس    ''بوطبيلة'' من عهد الصحابة إلى زناقي تونس...معلومات أول مرة تعرفها عليه    عاجل/ وزارة التربية تفتح مناظرة كبرى لانتداب 1630 أستاذ…    توريد آلاف الغنم وضبط الأسعار... قداش باش يكون سوم علوش العيد؟    عاجل : ألمانيا تسحب إقامة آلاف الأجانب: و هذه الجنسيات في الصدارة !    رئيسة الجامعة التونسية للسباحة: "السباح رامي الرحموني تم تجنيسه رسميا لتمثيل السعودية"    كأس العالم 2026: انفانتينو يبدي اطمئنانه إزاء استضافة المكسيك لبعض المباريات    منظمة الصحة العالمية تقدّم مجموعة من الإرشادات الصحية للحفاظ على صحة وسلامة الصائمين خلال شهر رمضان    في يوم واحد.. 11 حادث مرور يخلّف 7 قتلى    النادي الإفريقي يعلن شراكته مع قرى الأطفال SOS    عاجل : يهم التوانسة ...انخفاض أسعار السمك في هذا السوق    بلدية تونس تدعو أصحاب المحلات إلى العناية بواجهاتهم وصيانة محيطها    تراجع خدمة الدين بنسبة 78،7 بالمائة إلى غاية 20 فيفري 2026    مشاهدة مباراة نجم المتلوّي و الترجي الرياضي التونسي بث ماشر    اليك التشكيلة الرسمية لمباراة نجم المتلوي والترجي    بطولة النخبة: دربي العاصمة يتصدر برنامج الجولة الثانية إيابا    شراكة بين بورصة تونس ومؤسسة "كونراد أديناور" لتعزيز الحوكمة المستدامة واحتساب البصمة الكربونية للشركات المدرجة    فنزويلا تطلق سراح 3200 شخص بموجب قانون العفو الجديد    ديمو تونس قرطاج محور جلسة عمل بوزارة السياحة    الاتحاد الوطني للمراة التونسية ينظم حصصا توعوية تحت شعار صيام واع صحة افضل يوم 26 فيفري 2026    مهذب الرميلي يهاجم استاذة سينما لانتقادها الاشادة بأداء لمياء العمري في "خطيفة"    وزارة الداخلية تنتدب..    بيل غيتس يقرّر تحمّل "مسؤولية أفعاله" بشأن علاقته بإبستين    إنتقالات: شكري الخطوي مدربًا جديدًا لنادي أولمبيك آسفي المغربي    غانم الزرلي...خالد في ''الخطيفة'' : نجم التوانسة في رمضان..من هو ؟    وقتاش ''ليلة النصف '' من رمضان؟    عاجل : إغلاق مطار في هذه الدولة العربية    قبلي: تواصل اعمال المراقبة الصحية للمواد الاستهلاكية    مباريات اليوم : الريال ضد بنفيكا وباريس سان جيرمان يواجه موناكو...التوقيت    قداش من مرة تبدّل زيت ''قليان البريك''؟    عاجل/ بعد اتهامها بامتلاك صاروخ عابر للقارات: أول رد من ايران على خطاب ترامب..    4 فوائد صحية رائعة للأناناس    شنّوة الحكاية؟ دعوة عاجلة لمقاطعة الموز واللحم الأحمر    لقاءات حوارية وعروض موسيقية وتكريمات في ليالي رمضان الثقافية بمنزل تميم    السيجومي: القبض على 14 قاصرا تورطوا في أعمال عنف وشغب    بشرى سارة... أجواء ربيعية وحرارة تصل إلى 25 درجة اليوم    مأساة في المنستير... تلميذ يفارق الحياة تحت عجلات القطار...والد الضحية يوّضح    كاتب عام الجامعة العامة للنقل وأعضاء بالنقابة أمام دائرة الفساد المالي    عاجل- بعد زيارته لشركة اللحوم/ رئيس الدولة يفجرها ويفتح النار على هؤلاء: "كل الجرائم موثقة"..    عاجل/ رجة أرضية خلال السحور بهذه الولاية..    ترامب: أنهيت 8 حروب في 10 أشهر.. بما فيها غزة    ترامب يحطم الرقم القياسي لأطول خطاب عن حالة الاتحاد    إخراج نائب ديمقراطي أثناء خطاب ترامب حمل لافتة "السود ليسوا قرودا"!    طقس الليلة    عاجل/ وزارة الداخلية تفتح مناظرة كبرى لانتداب أصحاب شهائد عليا في هذه الاختصاصات..    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" كما الذئب في الخمسين " مجموعة شعرية جديدة للشاعر السيد بوفايد
نشر في الصريح يوم 24 - 09 - 2020

من أجمل الدروب في أرض الكتابة..درب الشعر..نعم هذا المحفوف بالمضي بعيدا و بالشجن و المغامرة و القول الباذخ حيث الكلمات مجال بهاء نادر يعلي فيه الشاعر من شأن الذات و هي تحاور تفاصيلها و عناصرها و أشياءها بكثير من الانتباه و الاصغاء للهامشي فيها و المتروك و اللامنتبه اليه..هي فسحة لا تضاهى تنبت خلالها و فيها أعشاب المعنى و أزهار الدواخل و تصعد أشجار كثيرة تعانق أسئلتها الشتى...
نعم الشعر ترجمان الفجيعة و فكرة الشيء و اللاشيء و حرقة الكائن و هو يتلمس عناصر حلمه المفقود و المنتظر و المضمحل بموسيقى الآه..
ثمة ذئب في البراري يتفقد الأثر و يقرأ ما تداعى من السنوات.. يعيد سرد ممكنات و ضياع و تفاصيل مر بها و لكنه الآن يراها من زوايا أخرى و بألوان مغايرة.
في تلك السنوات من منتصف ثمانينات القرن الماضي كان هناك صوت متعدد أنبأ بجيل شعري جديد حيث لم تكن هناك حفلات للشعر العميق و لا مهرجانات و لا نواد سوى لقاءات يتيمة يكبر فيها حب شعراء المرحلة ليصل المطاف بميلادين شعريين في ملتقى حي الزهور و بعده في مهرجان فليبية...لكن الشاعر يوسف رزوقة في تلك الفترة تغمد هذه الأصوات بحنان هائل تعريفا و تثمينا..و نشر رزوقة في تلك الفترة عددا من القصائد لدى اشرافه على الصفحات الأدبية لجريدة الأيام تحت عنوان " الشعر القلعاوي " و كان يعني حساسية شعرية بالقلعة الكبرى من الساحل التونسي و ضمت بالخصوص اصواتا مهمة ..و من الشعراء نذكر بديع بن مبروك و سمير بوقديدة و عبد الحميد ضريوة...و السيد بوفايد...
السيد بوفايد لازمه ذئب الشعر و ظل على دأبه الشعري من تلك المجموعة و الى الآن حيث تعددت اصداراته الشعرية و كذلك حضوره في الأماسي و اللقاءات و هو صاحب هذه التجربة الحرية بالمتابعة.
من أعمال السيد " ثمّة شيء غامض " و احتشاد الأسئلة و رياح الشتات و يهطل على ضفائرها البهاء و ذلك بين سنتي 2005 و 2015 وصولا الى ديوانه الأخير " كما الذئب في الخمسين " الصادر عن مطبعة فن الطباعة بتونس.
في هذا الديوان عدد من القصائد ضمن عناوين هي : اللّؤلؤة و لا أحد يليق بها و هنّ السود الجميلات و حضور يتسلّق الذاكرة و حوار عاطفي و المرأة الغامضة و شذرات و تخاريف المرضى و دعاء و مشهد الريح و كان يمكن أن ينجو و لا شيء يمنعني و غموض و نام حبيبي وحيدا و أكتب إليها و لا يعجبني و الموت المشتهى و الشجرة.
في هذه المجموعة ظل الشاعر السيد بوفايد وفيا لنهجه الشعري من حيث الوعي بأن القصيدة هي هذا الهاجس و الاحساس و الأسئلة الساكنة في دواخله يقولها بحيز سردي تمضي معه الكلمات في سلاستها بعيدا عن التعقيد المفتعل و البعيد عن الغموض الجميل الذي يقوي النص و يكسبه متانة جمالية تدعو القارئ لتعميق العلاقة به قراءة و تأويلا.
نعم قصيدته منسابة في شجنها و كبرياء شاعرها الذي يعود لأشيائه و عناصره و أهله مسائلا و بكثير من الحيرة و الحنين لا يرتجي غير شموخ هو من شيم و علامات و أحوال الشعراء :
" يقول ولدي
ماذا ستترك يا أبي
حين يأخذك الغياب
إلى الغياب...
ساترك
اسما شامخا تتباهى به
وما ورثته عن أبي (...). ".
السيد بوفايد ياطب الأشجار و الرياح و الحجر و الصمت لا يلوي على غير القول بالشعر هذا الشاسع في نظره تجاه الذات و الآخرين و عناصر الحياة في شجن بليغ و في لغة تسكن دواخله و هو الحالم في كون متداع و يشهد ضجيجه المفتوح على الفجيعة و هكذا فان بوفايد في هذا الديوان بث العناصر حبه تجاهها كطفل يتحسس لعبه الأولى في مسحة كشف و اكتشاف...هي علاقة الشاعر بالشجرة التي عدد جمالها الدفين و الصامت و هي الهادئة في هذا الأفول :
" وحدها الشجرة واقفة
بهدوء
لا تكترث بالريح تحتها
تمد يدها للفراشات
و تتعطر بظلها .
وحدها الشجرة القديمة
تراقب الأحداث
بعيون مفتوحة
و أذان صاغية
تحصي أخطاءنا
و ما ارتكب العشاق
من حماقات
تحت ظلالها.
وحدها الشجرة ذات الأوراق
المتجددة
تتابع خطانا
و تكنس بقايانا
حين نذوي
و تبقى
كعادتها دائما هادئة. "
في المجموعة الشعرية " كما الذئب في الخمسين " يبدو الشاعر متجولا مأخوذا وفق حالات شتى بين الحزن و الحلم و الأمل و الشجن و الحنين و هكذا فهو الكائن المهموم بتبدل الأحوال حيث الوجد ذلك العنوان البين في هذه الشؤون الشعرية التي أرادها الشاعر تعبيرات دالة على هشاشة الكائن الذي يرتجي شيئا من هدأة الذات و سكنها الوجداني :
" أين اختفى بريق عينيها
و أي ريح حملت ضوء
وجهها المعتاد
حتى تهاوت في ظنونها المبهمة
.....................
ألم
و دم يفور
وجسد أثخنه الخوف
و الحذر...".
الحزن يطبع مجمل نصوص المجموعة ..هذا الحزن المعتق الذي جعل منه السيد بوفايد ملاذا جميلا و حميما في زحمة الأحداث و المشاعر و لعله الحزن المتسع للطمأنينة فالشاعر يرى الأشياء وفق ايقاعه الخاص كأن يطمئن وسط الظلام و السقوط و الأهوال مستعيرا من الحياة سخريتها الباذخة...انه الحزن الناعم المولد للجمال و للجديد و ان " بعد عام ..بعد عامين وجيل " :
" أنا حزين جدا...
و أشعر بالضيق
كأن العالم قبر
فسيح...
و مع هذا
أرى الحياة تمشي بقدمين
مطمئنتين
هازئة مني
و بخطى الحلزون
تدب...".
الشاعر هذا الذاهب عميقا في جواهر الأشياء يتقصد ذاته فيها و بها يعود في هذه القصائد مبشرا بالبهجة في هذه الأمكنة التي تحتاج الورود و العصافير و الجداول و هو الذي يشير الى حاجة الكائنات الى عناصر الجمال قتلا للسواد و لكنه و هو المبشر بالفرح يلوذ بوحدته حين لا ينتبه الآخرون الى تنبيهاته و تباشيره ..هو الشاعر الغني بوحدته يبتكر أكوانه المثلى ممتلئا بذاته في خراب الأمكنة و الأزمنة :
" ... وحدي
كم أنا مبتهج بوحدتي
اوزعها على الأروقة
و الفراغات...
و أشكل منها
شرفة تتدلى
و طيورا...
و صباحات مشرقة.
وحدي
متوج على مملكتي
و ممتلئ بوحدتي...".
كما الذئب في الخمسين..كون شعري للسيد بوفايد راوح فيه بين القول بالذات في حلها الوجداني و ترحالها بين الحنين و الذكرا كل ذلك في لغة سلسة تجاه تلوينات العناصر و التفاصيل ..هي فسحة شعرية تبشر بأصوات الفاشات و الورود في ليل الضجيج و السقوط و الشاعر هنا صوت حكمة بدت في الخمسين من خطى السنوات..السيد بوفايد شاعر يزرع شجرة في غابة رغم عواء الذئب..هذا الذئب الوديع أحيانا عند منتصف الطريق...و تظل طريق الشعر شاسعة تجاه الأمل الملون بالشجن و الحزن و الحلم البليغ.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.