بالفيديو: وزير التشغيل السابق: إقالة يوسف فنيرة من وكالة التشغيل كانت بسبب ثبوت شبهة تضارب مصالح    ائتلاف «صمود»: تصرفات النهضة غير مقبولة    مدنين: وفاة طفل بعد أن أضرم النار في نفسه    اختتام المعرض الشخصي للفنانة أولغا مالاكوفا بقرطاج درمش : كتاب فني و معرض وفق نظرتها    بالفيديو: نور الدين الطبوبي: يا ألفة الحامدي عيّش بنتي وسّع بالك راك ظاهر فيك كنت عايشة في بيئة أخرى    عاجل: امكانية اقرار صحي شامل ب15 يوما..واجراءات جديدة أكثر صرامة للتصدي لانتشار فيروس كورونا..    صفاقس :بعد تعليقه جراء الحجر الصحي ووباء "كورونا": استئناف تصوير مشاهد مسلسل "عين النمر" بربوع معتمدية عقارب خلال الأسبوع القادم    "الشيوخ الأمريكي" يوافق على تنصيب "أوستين" وزيرا للدفاع    حي العوينة سوسة : احتجاجات وغلق للطريق    شبيبة القيروان.. العقبي يعود.. والحداد أول الانتدابات الشتوية    إثر وفاتها مصطفى بن جعفر يعدد خصال الراحلة محرزية العبيدي    دراسة وطنية تكشف أن 25 بالمائة من المؤسسات الاقتصادية المستجوبة غيرت مجال نشاطها لمواجهة تداعيات كورونا    غلق منطقة بالكامل يومي السبت والاحد    البريد التونسي يتيح صرف جرايات التقاعد لمتعاقدي الكنام عبر موزعاته الالية للاوراق المالية    بعد وعد جديد من اليونسي.. لاعبو الافريقي يعودون إلى التمارين    الرابطة الثانية.. ماذا عن تركيبة المجموعات الاربع.. وبرنامج الجولة الاولى؟    سامي الطاهري: التباطؤ في تحديد موعد لإجراء الحوار الوطني سيؤدي حتما إلى مزيد توتر الوضع في البلاد    بداية من الاحد القادم: فرنسا تلزم القادمين من دول الاتحاد الأوروبي بهذه الاجراءات..    مستجدّات الحالة الوبائية في قفصة    "الوضع الصحي سيء" في فرنسا رغم التدابير المتخذة..العودة إلى الإغلاق واردة    فيروس كورونا يتحدى جيمس بوند    تفاصيل القبض على امرأة من أجل السرقة بجهة الحفصية..    صفاقس: إقبال ملفت للانتباه على اقتناء الكتب القديمة (صور)    تكليف الفرقة المركزية الثانية للحرس الوطني بالعوينة بفتح بحث اثر العثور على مواد غذائية فاسدة بميناء رادس    محرزية العبيدي تصل غدا وتوارى الثرى يوم الأحد    تعاون تونسي أمريكي لإنجاح الإستراتيجية الوطنية للتلقيح ضدّ كورونا    مصر.. ضبط مواطن وزوجته عرضا طفلتهما للبيع عبر "فيسبوك"    القبض على شخص من أجل السرقة من داخل سيارة بجهة البحيرة والإضرار بها    هذا ما قررته المحكمة في شأن 3 أشخاص تورطوا في الاحتجاجات الليلية    وزارة التجارة توضّح حقيقة الترفيع في أسعار السيارات الشعبية    الأمم المتحدة تحدد موعدا لإختيار حكومة إنتقالية في ليبيا..    كان يوزعها على المورطين في اعمال التخريب والشغب الليلية: القبض على تاجر مخدرات وبحوزته 16 صفيحة زطلة    "داعش" الارهابي يتبنى الهجوم الانتحاري في بغداد    نجاح بن عمار: "وفرة في انتاج الغلال بالسوق الداخلية وانخفاض في الأسعار"    سوريا: قصف اسرائيلي يسفر عن مقتل مدنيين    غدا السبت.. اصدار طابع بريدي بمناسبة اليوم الوطني لإلغاء الرّق والعبودية بتونس    اتفاق الكامور 2: أهم مخرجات الجلسة بين الوفدين الحكومية والجهوي    حركة "تحيا تونس" تنعى محرزية العبيدي    الرابطة الاولى.. برنامج النقل التلفزي لمباريات الجولة التاسعة    بن عروس: القبض على 15 شخصا وحجز مسروقات    بقرار من الكاف.. نجم الزمالك يغيب عن مواجهتي الترجي في رابطة الابطال    اصابة نجم السيتي أغويرو بفيروس كورونا    تنبيه: تغيّرات جوّية منتظرة    المديرة العامة لمركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي.. هدفنا تحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي مثمر    اسألوني    في فيديو جديد .. درة البشير تغازل «المسرار» بأنغام الحركاتي    أوروبا لأردوغان: حول أقوالك لأفعال    اليابان تقطع الشك باليقين: لن نلغي أولمبياد طوكيو    75 عمليّة حجز في حملات للشرطة البلدية    من ترامب إلى بايدن.. تفاصيل جديدة بشأن الرسالة السرية    بعد ما راج حول مقاضاتها بتهمة الاعتداء على الأخلاق الحميدة، نرمين صفر تستنجد بمنير بن صالحة    منها العجين والمربى ..حملة للتعريف بمشتقات التمور في تونس    حجز أكثر من 10 قوارير «مولوتوف» وأكثر من 20 إطارا مطاطيا    في ندوة صحفية ...الستاغ تقدم فاتورة جديدة أكثر شفافية    العدل أساس التعايش السلمي    محرزية العبيدي في ذمة اللّه    موقف نجوم ريال مدريد من إقالة زيدان    ر.م.ع. الستاغ: لا زيادة في تعريفتي الكهرباء والغاز في 2021    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد المحسن يكتب/ على هامش المشهد الإحتجاجي: كان الله في عونك..يا حكومتنا الفذّة..!
نشر في الصريح يوم 01 - 12 - 2020


كمن ينثر الورد في واد غير ذي زرع..
هكذا صارت حالنا بعد عشر سنوات من ثورة دحرجت رؤوسا كثيرة وردّت الإعتبار لمن نال منهم الظلم والظلام في نخاع العظم..
نحن بواد و-حكومتنا الفذة-بواد آخر،تنبئنا مع اشراقة كل صباح بأنّ قوافل الخير المحمّلة بجرار العسل في طريقها إلينا..ستفيض بلادنا لبنا وعسلا..
قليلا من الصبر فقط..أيّها الشعب العظيم..
الكل ينآى بنفسه عن الواقع الأليم الذي تتحفنا به قنواتنا التلفزية في كل نشراتها الإخبارية:اعتصام هنا..واحتجاج هناك..وتنسيقيات تصول وتجول..
ولنا أن نفرح.لنا أن نهلّل.وطوبى للحزانى لأنّهم عند الله يتعزّون. قيل لنا أنّ تونس ستشبه بعد الثورة جنّات من تحتها تجري الآنهار.
وقيل لنا أيضا أنّ الحرية سينتشر عطرها في الأقاصي حتى يزكم الأنوف..
أما أرغفة الخبز فسيكون عددها أكثر بكثير من عدد الأفواه الجائعة..
جاري فقط نبّهني لأمر جلل..جاري الذي قدّم ابنه مهرا سخيا لعرس الثورة،قال لي:لا تؤذّن مع المؤذنين في مالطا،فلن يسمعك أحد..
هكذا صارت حال كل من ينتقد الوضع الراهن..
-الثورات العربية-وعدتنا بأنّ الخيرات ستتوالى.وسيعمّ الخير و الرفاه بلاد العرب من البحرين حتى أقاصي بلاد شنقيط موريتانيا العظمى،وستنال الصحراء الغربية نصيبها من الغنيمة أيضا.
وعلى العرب أن يفرحوا.عليهم أن يهللوا للصدقات أمريكية هذه المرة.ولهم أن يبتهجوا بالنظام العالمي الجديد صانع المعجزات..
وكافر من يردّد قول المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
الكل يهرب من الواقع المؤلم،يحتضن طموحاته مرغما ويمضي بها.
من اعتقد أنّ الدين هو الحل لحلحلة الملفات العالقة ارتدى جلبابا "أفغانيا" وأطال لحيته وانتهى إلى أنّ الديمقراطية كفر وضلال.
أما الذي يرى في "البروليتاريا" قوّة ضاربة وقادرة على ترجيح الكفّة لصالح الفقراء والجياع فانبرى ينظّر ويرمي -اللوم-جزافا على الناخبين الذين لم يهدوا له أصواتهم،وأشاحوا بوجوههم عن برامجه الثورية الواعدة..موضّحا أنّ الطريق إلى جهنّم مفروش بحسن النيات..
البعض منا أصيب بالفصام أيضا: يصفّق للنهضة صباحا..وينتصر للقوى التقدمية عند المساء..!
أما أنا فمازلت ألعن أم الإنتهازيين وخالاتهم من الرضاعة..والأمم المتحدة.. وكلّ قوى الخراب في هذا الكوكب الأرضي الكئيب..
لم أعد أعرف ماذا كان يجب عليّ أن أفعل،أخذت جرعة من الأمل،ثم دسست طموحاتي بين كتب الأدب،واعتبرت الكتابة جدارا أخيرا أحتمي به من الإنكسار.
لعلي آمنت بأنّه لا فائدة من -الحكومات المتعاقبة-إن هي ظلّت تعزف على نفس الوتر:التنمية قادمة..العدالة الإجتماعية في طريقها إلينا..والخير والرفاه سيعمّ البلاد من شمالها إلى جنوبها..
وداعا أيها الفقر اللعين..
أنا لا أراهن كثيرا على -حكومة المشيشي-ولكن حضور الأمنيات القليلة اللطاف أفضل من غيابها الكلي..لذا سأرتّل،بصوتي العليل تعاويذ الأمل..وأكتب..
ولكن الحياة الكريمة أقدس من النص،والفعل المقاوم أعظم من أن تحيط به الكلمات.. يحدوني الأمل قليلا وأنا أتابع خطابات -رئيس حكومتنا-وهو يذكّر الجميع بحكمة ورثناها عن أجدادنا: لا تغلّب الفتق.. على الرتق..واطلب المستطاع إن أردت أن تطاع.. ثم يتعهّد بإتخاذ اجراءات صارمة ضد الفساد..فترتجف قلوب الفاسدين..
يا رئيس حكومتنا الفذ-نحتاج قليلا من صبرك الرباني فالرّوح محض عذاب.
إعلامنا المؤقّر-أبهجنا-بعودة-رموز التجمّع-إلى الواجهة كي يعلموننا المبادئ الأساسية للديموقراطية الحقيقية..وحقوق الإنسان!! علنا نأسف على رحيل -الرئيس الراحل-ونذرف دموعا سخية بحجم المطر على الإطاحة بحزب التجمّع اللعين..
ثمّة في العيون غيظ مكتوم..وطوبى للثكالى لأنهن عند الله يتعزين..
رئيس الحكومة (يحفظه الله) ينبئنا بأنّ أوضاعنا الإقتصادية ليست على ما يرام،أما بخصوص القروض الذي "يتكرّم"بها علينا صندوق النقد الدولي فستخصّص للإستهلاك بدل التنمية،وما علينا والحال هذه،إلا أن نواجه مصيرنا الكئيب بأمعاء خاوية..بعد أن تراجع الدعم العربي وشحّ المال والماء والأمل..
علينا إذا،أن نهلّل..ولنا أن نبتهج بالثورة التونسية المجيدة صانعة المعجزات. وكافر من يردّد قول المسيح ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان..
رئيس حكومتنا هذا "أبدع" في التصريع.. بمعنى إثخان الجرح ورش الملح عليه بدل لملمته وتضميده..صادق أنت وصريح.. يا رئيس حكومتنا الموقرة..!
غريب أمر هذا الشعب التونسي لا يكتفي بالخبز بديلا عن الحياة والكرامة.
مدهش أمر هذا الشعب الذي أربك بثورته المجيدة أصقاع العالم..
عظيم هذا الشعب الذي مضى لملاقاة دبابات وعسكر ولا سلاح معه غير جسده وإصراره،فمعنى ذلك أنّ المقدّس فيه قد تجلّى.
أفتح الأنترنات و-أتسكّع-بين مواقعه فأبتسم للتعليقات الساخرة على صفحات -الأصدقاء الفايسبوكيين-على مردود الحكومة وعدم قدرتها على ترتيب -ما بعثرته الفصول-لشعب أنهكه طول الإنتظار و من ثم دعوتهم للإعتصام غدا أو بعد غد..لا يهم..المهم أن لا تتوقّف الإحتجاجات والإعتصامات،وما على الجميع إلا أن يحملوا معهم زجاجات المياه المعدنية وعلم تونس وأحذية مريحة وسندويتشات تكفيهم طوال مدّة الإعتصام..ويستلهموا من أبي القاسم الشابي المعنى الحقيقي للمجد والكرامة..
عجيب أمر هذا الشعب التونسي الذي يرفض أن تنتهي الحياة إكراما للذين تسابقوا للموت إعلاء للحياة..وتمجيدا لها..
هذا الشعب التونسي العظيم يعلم علم اليقين أنّ هناك من عقد العزم على إبادة الحياة وعلى إفسادها وتحويلها إلى جحيم.وهو على يقين أيضا بأنّ -المفسدين في الأرض- يستدرجون الحياة إلى الهاوية.
وهاهم جنودنا البواسل ورجال أمننا الأفذاذ يتسابقون إلى الموت لأنهم مؤتمنون على استمرارية الحياة.من هنا تستمدّ المواجهة لديهم عنفها المدوّخ الضاري.
تونس يا مهد الثورات العربية. تونس.. يا خضراء.. ذات ربيع رحل أوكتافيو باز*. كتب شعرا ثم رحل.
لست أنا القائل بل هذا الشاعر الذي اسمه أوكتافيو باز هو القائل: "لا يجب علينا أن نترك التماسيح الكبيرة تصنع تاريخ البشرية، إنني لا أستبعد الإنهيار الأمريكي،فالتاريخ لا يمكن أن يتحمّل إلى ما لا نهاية هذا الإلتحام الهائل بين الموت والموت.لذلك أدعو دول العالم الثالث إلى العودة إلى الجوهر،وإلى الوقوف وقفة واحدة في مواجهة الجحيم." حتما لم يكن أوكتافيو باز يدري أنّ التونسي سيقف في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وحيدا.
و"السيد الرئيس الأستاذ قيس"يدعو أيضا شعبه إلى ضبط النفس وعقلنة المسار الديموقراطي تجنبا للسقوط في هوّة الفوضى..
ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان،بل بذاكرته المنقوشة في المكان.
أزمنة متراصة مكثّفة.
وإذن؟
هي ذي تونس إذا.
زمان تكثّف حتى غدا مكانا وحكايات،أقاصيص وملاحم،سماء تنفتح في وجه الأرض،أرض تتسامى وتتخفّف من ماديتها حتى تصبح كالأثير.ثم يلتقيان.الأرض والسماء يغدوان واحدا.
هي ذي تونس اليوم مجلّلة بالوجع ومخفورة بالبهاء:أمل يرفرف كلما هبّت نسمة من هواء..ثمّة فسحة من أمل..خطوة بإتجاه الطريق المؤدية، خطوة..خطوتان ومن حقّنا أن نواصل الحلم.
ولتحيا الحياة.
هوامش
*أكتافيو باز (31 مارس 1914 - 19 أبريل 1998)، أديب مكسيكي.ولد في مدينة مكسيكو. حصل على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1990 ليكون بذلك أول شاعر وأديب مكسيكي يفوز بهذه الجائزة. عرف بمعارضته الشديدة للفاشية،وعمل كدبلوماسي لبلاده في عدة دول.تشعب نشاطه في عدة مجالات،فإلى جانب كونه شاعراً فقد كتب أيضاً العديد من الدراسات النقدية والتاريخية والمقالات السياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.