الشعب يريد إسقاط النظام..الشعب يريد الديمقراطية..الشعب يتنفس حرية..هكذا كان الشعب يهتف في أولى خطواته على درب التحرر من قيود العبودية..الشعب الذي صنع ملحمته التاريخية في وقت كانت فيه الشعوب العربية تعيش تحت وطأة القمع والترهيب قبل أن يحيد نفس هذا الشعب عن مساره الذي سطرته دماء شهدائه وتتحول قضاياه النضالية التي خلقت لأجلها ثورة الكرامة والحرية إلى أرضية خصبة لحماقات البعض ويصبح ظهر الثورة مرتعا لكل من هب ودب يختلط فيه الحابل بالنابل والجد بالهزل وتصير الكرة قبل الخبز أحيانا... في تونس ما بعد 14 جانفي تقوم الدنيا ولا تقعد بسبب كرة على العارضة أو هدف مسبوق بتسلل فترفع الحواجز و"الباراجات" وتتوحد الصفوف لاعتصامات لا أول ولا آخر لها وتكون القصبة 1 و2 و3 نتاجا طبيعيا لفسلفة "ستار اكاديمي" 1و 2 ..و 8 والتاريخ يسجل...هذا الشعب الكريم الذي نام طيلة نصف قرن تقريبا في أحضان الزعيم ومن بعد صانع التغيير استيقظ فجأة وبداخله حماسة الأبطال فكان أن استبسل في الدفاع عن كرامته قبل قوته ثم عن كرته وجمعيته قبل هويته... أحباء مستقبل قابس أغلقوا مداخل المدينة لا لشيء سوى لان فريقهم حرم من نقطة التعادل في مباراة الترجي الجرجيسي بعد أن اقتحم بعض المندسين أرضية الملعب واعتدوا على كل من له صلة بفريق عاصمة الزياتين...هؤلاء المندسين ليسوا من قابس او هكذا قال مسؤولو "الجليزة" لان "القوابسية" ارفع من هذا بكثير... وبالمناسبة ثقافة المندسين لها تاريخها في تونس فالعنف والإرهاب والعمالة ليست جمعيها بضاعة محلية إنما هي تراث دول الجوار أو وافدة علينا من وراء البحار... في جرجيس لم يكن الوضع اقل سوءا فجماهير الترجي سلكت نفس الطريق واعتصمت ليس بحبل الله ولكن بنقاط الفوز التي سلبت منها في استئناف مكتب الجامعة..جماهير باجة تضامنت مع مثيلتها في جرجيس واستأسدت أمام مقر الولاية خشية سقوط فريقها إلى الدرجة الثانية ومغادرة دوري الأضواء... في الكاف هاجر "الكافية" إلى مقر جامعة الكرة في محاولة للضغط على الحداد وأتباعه لإيجاد مخرج يغير التاريخ..تاريخ أول بطولة لما بعد الثورة... غدا قد يعتصم جمهور الإفريقي للمطالبة بتجديد عقد زهير الذوادي..وقد تعتصم جماهير الترجي لإقناع مايكل اينرامو بالعودة إلى مركب الحديقة"ب" وقد تعتصم جماهير النجم للإفراج عن ابن عبد المجيد الشتالي وقد يعتصم الصفاقسية للمطالبة بمنحة تكوين اسكندر السويح من فريق الترجي.. وقد يعتصم جمهور البقلاوة لطرد أحمد المغيربي من "بلاتوهات" قناة نسمة وقد وقد والقائمة تطول والنتيجة دوما واحدة اعتصم وخاطب القوم بما يفقهون فما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بها... الثورة التونسية ما تزال تحبو رغم انه لم يمض على بزوغ فجرها سوى أشهر معدودة مع ذلك تبخرت كل مؤشرات العزة والكرامة التي تحسسناها فجر 15 جانفي لأن أهدافنا لم تكن واحدة وغايتنا كانت متباينة فكل يغني على ليلاه وليلى في بلدنا وسائر بلداننا العربية تتغير وتتشكل بين الفينة والأخرى كما نهوى ونشاء فمنا من يعشق رنين الدينار..ومنا من يبكي لضياع حلم المونديال..ومنا من يفنى لئلا يترك مقعد كرسيه حتى لو كان من نار... دماء الشهداء لم تنضب بعد وثورتنا هرمت وهي ما تزال في المهد والشعب الكريم يعتصم من أجل لحظة تاريخية كهذه..من أجل نقطة في مباراة كرة قدم لن تغير التاريخ لكنها ستبقى شاهدة على حماقة البعض وأنانية البعض الآخر...