دبي التونسية فاجأ مانو خليل أحباء السينما بفيلم في طعم العسل عنوانه «طعم العسل»، يروي قصة نحّال (مربّي نحل) كردي في منطقة «البستان» على الحدود السورية التركية، كان ينتج 18 طناً من العسل في تسعينات القرن الماضي متنقلاً بين الجبال والوديان بحثاً عن النحل وجمعاً للعسل، وفي عام 1993 كانت الحرب في أوجهها بين «حزب العمال الكردستاني» و«الجيش التركي». منعطف حياة هذا النحّال سيكون مع التحاق ابنه بصفوف «حزب العمال»، ومن ثم ممارسة الجيش التركي ضغوطاً عليه ليتعامل معه ويصبح عميلاً للجيش. يضطر الأب «إبراهيم كيزر» إلى الهرب إلى الجبال، بينما تهرب عائلته المؤلفة من أم وعشرة أطفال إلى اسطنبول. ليس ما تقدم إلا عقدة درامية أولى، فزوجته ستنتحر في اسطنبول بأن تلقي بنفسها من نافذة بيتها، وسيدخل اثنان من ابنائه السجن ليهربا بعد ذلك إلى لندن، بينما ستقوم مؤسسة انسانية بأخذ أبنائه السبعة إلى سويسرا، ومن ثم سيتمكن النحّال نفسه من الالتحاق بأبنائه التسعة هناك، إذ إن ابناً واحداً ستكون أخباره مقطوعة ولا أحد يعرف عنه شيئاً. نتساءل ما الذي سيفعله النحّال في سويسرا؟ والإجابة لدى مانو خليل «سيعود إلى تربية النحل، رغم أن هذا العمل يعتبر هواية في سويسرا، لا بل إنه سيتلقى من الحكومة السويسرية 3 آلاف فرنكا لشراء أثاث لشقته، ليأخذ هذا المبلغ ويشتري به نحلاً ويمضي يعيش في جبال الألب محاطاً بمحموعة من الأصدقاء السويسريين، يتواصل معهم بالاشارة لأنه لا يعرف اللغة السويسرية». يقول مانو خليل «إن الواقع أشد خيالاً من الخيال وأجمل القصص هي التي تكتبها الحياة» ومع استكمال سرده لما يحمله فيلمه سيتزايد هذا الإحساس، فمع كل قصة متعلقة بهذا النحّال هناك خيط درامي له بداية ووسط ونهاية، كأن يخبرنا خليل بأنه تمكن من التواصل مع الابن العاشر المفقود أثناء تصويره الفيلم «تمكنت من التواصل مع الابن المفقود في 28 جويلية 2012، وحصّلت صوراً له تقاسمتها مع النحّال وعائلته، وعرفت أنه أصبح من مقاتلي حزب العمال الكردستاني، لكن وفي 18 أوت 2012 تلقيت نبأ مقتله». حاول مانو خليل أن يخفي عن النحّال هذا النبأ الفاجع، لكنه عرف عن طريقة جريدة تصدر بالكردية في «بارن» السويسرية نبأ مقتل ابنه. يعيش مانو خليل منذ عام 1996 بسويسرا وهو ممنوع من العودة إلى وطنه منذ 18 سنة وقد فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان السينما الوطنية السويسرية عن فيلم «طعم العسل» لعام 2013 وهي اكبر جائزة سينمائية في سويسرا. وبمناسبة عرض الفيلم في مهرجان الخليج السينمائي كان لقاؤنا في دبي فاتنة الخليج العربي... أنت مختلف عن الصورة النمطية للمخرجين، ملابسك عادية وهيئتك تشبه أي مواطن قد يعترضك في أحد شوارع بغداد أو بيروت أو تونس؟ أعتقد أن هذا يأتي من خلال سيرتي الذاتية التي أوصلتي إلى دراسة السينما، أنا ما ولدت في عائلة فنية وما كان والدي يأخذني معه إلى قاعات السينما، درست الحقوق والتاريخ في سوريا ثم إنتقلت إلى تشيكوسلوفاكيا سنة 1986 وفي عائلتي لم يدخل التلفاز بيتنا إلا عندما كنت في السادسة عشرة من عمري ولكني عزمت على ان ادرس السينما ولهذا السبب لما غادرت سوريا لم افكر في شيء سوى في دراسة السينما... ماهي مراجعك الفنية وانت شاب مقبل على دراسة السينما؟ بالتأكيد أنا شفت فيلم «الفهد» لنبيل المالح قبل ثلاثين سنة، هناك مقاطع أعيدها إلى اليوم في مخيلتي، حين كنت طالبا في جامعة دمشق ذهبت إلى المؤسسة العامة للسينما وطلبت منهم كل اعداد مجلة «الحياة السينمائية» وقد إستجابوا لي رغم اني لم اكن ادرس سينما وبصراحة أتاحت لي مجلة «الحياة السينمائية» في ذلك الوقت التعرف على تجارب اخرى مثل الإخوة تافياني، كانت المجلة تنشر سيناريوهات مترجمة لسينمائيين فرنسين وإيطاليين «فهمت شغلات» في وقت لم نكن نشاهد فيه سوى الأفلام الهندية وأفلام الكوبوي. ماذا كان موقف عائلتك من اختيارك للسينما؟ أبي فلاح كردي بسيط ولكنه كان فخورا بي حين عدت من تشيكسلوفاكيا بعد ان صورت فيلما وثائقيا قصيرا سنة 1992 كنا مع جماعة من الناس احدهم ناداني يا دكتور فرد ابي إبني ليس دكتورا بل هو مخرج سينمائي. كيف تتحدث عن نفسك كسوري أو كمواطن كردي؟ أنا إنسان قبل كل شيء ، ولكن بما اني مجبر على إتيان أشياء لا أحبها فسأقول لك أنا كردي بالتأكيد، إذا الطفل منعته عن شيء فسيقوم بذلك الفعل كإنسان. لي بعض الحقوق مثل كل البشر. لماذا يحق للكلب أن يعوي ويمنع الطفل الكردي في السادسة من عمره من أن يقول «نان» عن الخبز؟ لماذا تحرمه من حقه في ممارسة لغته؟ هل هو كفر برب العباد ؟ لهذا السبب اقول إني كردي والله لو كانت عندي حرية لما صورت غير أفلام الإيروتيك والضحك. ما سر مشاكلك مع الرقابة التركية والحال أنك سوري؟ كإنسان كردي أنا محارب (بفتح الراء) الأكراد في العراق ضربوا بالكيمياوي وفي سوريا كان الكردي يقضي سنوات السجن بلا حساب ولا يحق للأكراد إستعمال لغتهم وفي تركيا ، قال اوردوغان لو كوّن الأكراد وطنا في الأرجنتين إسمه كردستان لضربناه ، هذا اوردوغان داعية السلام الذي يفاوض عبد الله أوجلان في سجنه من أجل السلام. ليس شرفا أن تكون كرديا ولا مبعث إفتخار، أنا إنسان قبل كل شيء ولكن الشخصية الكردية مستهدفة، انا ادافع عن حق الكردي في الحياة ودوره في الحياة مثل إبراهيم كيزر (بطل فيلم طعم العسل) يقدم النحل للسويسريين، هذا هو الإنسان الذي احبه أنا. سنة 1988 أجريت معي مقابلة في تشيكوسلوفاكيا وكتب عني مانو خليل سينمائي كردي من سوريا، بعد خمس سنوات حين عدت إلى سوريا حبسوني بسبب ذلك، قالوا لي لماذا تقول إنك كردي من سوريا؟ «ما تحكيها» في بلدي افلامي لم تعرض، مستحيل يعرض لي فيلم في بلدي. مهرجان دمشق السينمائي هو مهرجان إرهابي يمنع الفن بإسم الشعب، هم يعرضون كل شيء عن القتل واللواط وعن الإجرام أما أن يغني طفل أغنية كردية في فيلم فممنوع، ويمنع أي فيلم تذكر فيه كلمة كردي. أنا أنجزت فيلما بعنوان دافيد توليهلدان سنة 2006 عن إبن رئيس المحكمة الفيدرالية بسويسرا الذي ترك الجنة السويسرية وإلتحق بالمقاتلين في جبال كردستان من أجل حرية الشعب الكردي وصورت قصة أمه التي صعدت إلى جبال كردستان لملاقاة ولدها، تركيا تدخلت لمنع أي شيء يتحدث بإنسانية عن الأكراد. وقبل سنوات كنت مدعوا في مسابقة أفلام الإمارات في أبو ظبي تدخلت تركيا ومنعت عرض الفيلم. «إذا واحد يكره وجودي كشخص ليس مطلوبا مني كشخص أن أشعره بحبي وعطفي، سأقف ضده، هذه الأنظمة تترك تاجر المخدرات وتلاحق شاعرا من أجل قصيدة وصحافيا من أجل مقال فني لأنهم يعرفون أن المقال أخطر من المخدرات». لماذا إخترت تشيكسلوفاكيا، للدراسة هل يعكس ذلك ميولاتك اليسارية؟ كل إنسان يصل إلى الثلاثين ولا يكون يساريا فهو غبي ومن تجاوز الثلاثين ومازال يساريا فهو غبي، في ذلك الوقت كانت هناك منح للطلاب ، فرنسا كانت غالية علينا. كيف إخترت شخصية إبراهيم كيزر بطل فيلمك «طعم العسل»؟ بالصدفة، بدأت التصوير سنة 2009 وإنتهينا في آخر 2012 طالت المدة حتى كسبته كصديق وحتى وثق بي وأدرك أني إنسان أحترم رأيه وأبكي معه مرات ففتح قلبه. عادة في الوثائقيات العربية يظهر المخرج بشكل أو بآخر انت غائب عن الفيلم ولكن نستشعر حضورك في مسار الأحداث؟ الفيلم الوثائقي اليوم ليس نقلا للواقع لا بد أن يكون لك سيناريو تنطلق منه. هل وجّهت بطل «طعم العسل» من حيث الموقف السياسي؟ أبدا، حاولنا ان نظهر قضية إبراهيم كقضية إنسانية لا كردية حتى يشعر بها اي إنسان ولهذا السبب اظن انه في المسابقة الوطنية للسينما في سويسرا تم تتويج «طعم العسل» لأن إبراهيم لا يحقد على أحد رغم حجم معاناته. كيف تفسر لي أن مخرجا كرديا متمردا مثلك يختار منطقة محافظة من العالم العربي(الخليج) ليعرض فيلمه لأول مرة؟ كل عرض لفيلم في أي مكان من العالم هو إنتصار للإنسان حتى لو عرض في دكتاتورية بورما ،هذا إنتصار كبير للفيلم، لا تهمني الأنظمة، أكبر دعم لي أن يقول لي شاب في أي مكان من العالم لقد أعجبني الفيلم ، وبرأيي أن مهرجان الخليج السينمائي هو مهرجان الأكراد بإمتياز، أنظر عدد الأفلام الكردية في مهرجان الخليج السينمائي، بصراحة المهرجان لم يغلق أبوابه دوننا وعلينا أن نعترف له بذلك اقول هذا رغم إيماني بأن السينما لغة عالمية في عالم مفتوح. كيف ترى مستقبل الفيلم؟ هو مدعو لمهرجان ميونيخ السينمائي وعدّة مهرجانات أخرى. وعربيا؟ سيعرض في المغرب بالتأكيد. وفي تونس؟ أنتظر دعوة منكم ،يهمني جدا أن يعرض الفيلم في تونس بعد 14 جانفي، الحدود إنتهت، أنا اعيش في بلد فيه اربع لغات وأي قرار يصدر في سويسرا يترجم إلى أربع لغات فورا، أنا أؤمن بشدة بالفكر السويسري، الفكر السويسري الذي يحترم البشر وأتمنى أن يروج هذا الفكر وهذه العقلية عندنا. لماذا تغيب مواقفك السياسية في فترة تاريخية من مسار الأحداث بسوريا ؟ لا أؤمن بالسياسة، أشتغل بالفن، إذا سنحت لي الفرصة بالعودة إلى بلدي سأصور فيلما. هل سيسقط نظام بشار الأسد؟ ليكن ما يكون، أتمنى أن يأتي نظام أجمل يحترم حقوق البشر وربما أتمنى أن يتغير بشار الأسد وجماعته بين عشية وضحاها ويغيرون النظام، فليبق هو وإبنه وحفيده خمسمائة ألف سنة ،ما يهمني أن أنام وأستيقظ بحرية وأعطي قطعة خبز لإبني بحرية ، ليس من طموحي أن أصبح وزيرا أو عضوا بمجلس الشعب أو حتى رئيسا للمؤسسة العامة للسينما «ما بيهمني»، أريد أن أعيش بحرية بين أطفالي وأصور أفلامي بحرية فهل هذا كثير علينا؟ فليذهب الأسد أو الذي سيأتي بعده إلى الجحيم إن لم يعطني حريتي كمواطن سوري كردي. ما هو فيلمك القادم؟ هو «السنونو» وهو أول فيلم روائي طويل وسيبدأ تصويره في كردستان العراق في جوان المقبل، عن عودة شابة من سويسرا إلى كردستان للبحث عن والدها بعد ثلاثين سنة على مفارقتها له.