تونس: ارتفاع إنتاج الكهرباء في تونس بنسبة 7% خلال جانفي 2026    جندوبة: المهرجان الجهوي للرياضات الجوية بمشاركة واسعة من مختلف الولايات    "المبدعة العربية والترجمة" محور الدورة 28 لملتقى المبدعات العربيات بسوسة    صيف 2026: هذا شنوا حضرت الصوناد للتوانسة    الوطن القبلي: نقص المساحات المخصصة لزراعة الفراولة.. وهذه الاسباب    جندوبة: تألق للمندوبية الجهوية للتربية في الملتقى الاقليمي للموسيقى    تقدّم موسم البذر في الزراعات الكبرى بنسبة 87 بالمائة إلى منتصف مارس 2026    مقترح برلماني إيراني للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي    الميادين والمنار تنعيان المراسلين فاطمة فتوني وعلي شعيب إثر استهدافهما بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان    في العيد الوطني للطفولة.. إطلاق مدونة الأسرة لمنع الشاشات على الأطفال    مباراة ودية: تركيبة طاقم تحكيم مواجهة النادي الإفريقي ونادي الخضراء الرياضية    أول اتصال رسمي: بوروسيا دورتموند يدخل سباق ضم مهاجم المنتخب الوطني    الهاكاثون الجامعي حول الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات يومي 18 و19 افريل 2026 بقصر العلوم بالمنستير    تونس تشارك في الدورة 57 للصالون الدولي لصناعات التجميل بمعرض بولونيا بايطاليا    اليوم اختتام الدورة الخامسة للمسابقة الوطنية لنوادي الفنون التشكيلية بدور الثقافة والمركبات الثقافية    انطلاق فعاليات المؤتمر الدولي الطبي الثاني للوقاية من أمراض القلب والشرايين بجزيرة جربة    النادي الإفريقي يرفع نسق التحضيرات .. وموعد ودي في الأفق    عاجل : إعلان هام لجماهير الترجي قبل دربي كرة اليد    القبض على مقترف سلسلة من السرقات لمحلات تجارية بين حي النصر وباب الخضراء    عاجل/ انفجار قرب هذا المطار..    نتائج المؤتمر: قائمة السالمي تنفرد بالتنفيذي والمالية والنظام الداخلي    عاجل/ هذا ما قرره القضاء في حادثة اضرام النار بقطار في سوسة..    الدورة 14 لمهرجان "عيد الرعاة" من 25 الى 29 مارس الجاري بالمركز الثقافي بسمامة    افتتاح ملعب "أزتيكا" التاريخي خلال ودية المكسيك والبرتغال    عاجل/ هجمات بصواريخ ومسيرات تستهدف هذه الدول الخليجية..    أبرز ما جاء في لقاء رئيس الدولة بوزير الداخلية..#خبر_عاجل    التوقعات الجوية لهذا اليوم..    وفاة شخصين وإصابة ثالث في حادث مرور بالقيروان    كأس تونس: وداد الحامة ضد الترجي الرياضي ...الساعة و القناة الناقلة    هجوم بطائرات مسيّرة على رادار مطار الكويت    مباراة تونس وهايتي الودية مباشرة على هذه القناة    حادثة حرق قطار بالقلعة الصغرى: إصدار 10 بطاقات إيداع بالسجن    العثور على جثة أدمية بغابة الصبايا بمعتمدية الشابة من ولاية المهدية    التمديد في نشر فيلق مشاة خفيف تحت راية الأمم المتحدة في إفريقيا الوسطى (الرائد الرسمي)    المهدية: الاحتفاظ بتلميذة من أجل مسك وترويج مواد مخدرة بمحيط أحد المعاهد الثانوية    إصابة مقاتلة "إف-16" و"سنتكوم" تؤكد هبوطها اضطراريا في السعودية    عاجل/ الحوثيون ينضمون رسميا الى الحرب ويطلقون أول صاروخ على اسرائيل..    لجنة التشريع العام تستمع الى هيئة المحامين حول مقترحي قانوني المحكمة الدستورية، و تنقيح وإتمام المرسوم 54    المقاومة اليمنية تهدد بدخول المعركة في حال استخدام البحر الأحمر ضد إيران    سوسة تحتضن المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب    المهرجان الدولي للطائرات الورقيّة: ...طائرات السّلام ... تحلّق في سماء تونس    خلال جانفي 2026: فائض ميزان منتوجات الصيد البحري يُقدّر ب9،1 مليون دينار    البنك المركزي...شروط تمويل استيراد المواد غير الأساسية للوسطاء الماليين    إشارات خفية من الجسم وراء الرغبة الشديدة في تناول السكر... هل تعرفها؟    تكلس المفاصل: السبب الخفي وراء آلام الكتف المفاجئة    التبادل التجاري بين تونس والأردن يرتفع بنسبة 135 بالمائة مدفوعا بصادرات زيت الزيتون    لقاءات مباشرة بين الأطباء والمرضى: صالون المرضى من 3 إلى 5 أفريل المقبل    عاجل: في بالك ''قنطرة بنزرت'' تنجم توفى قبل ب 4أيام...شنّوة الحكاية؟    10 أسرار بش تكون حياتك الزوجية سعيدة    دراسة : الاكتئاب يطارد الآباء الجدد بعد عام من ولادة الصغير    أذكار صباح الجمعة    امطار متفرقة اليوم بهذه المناطق..#خبر_عاجل    وزارة التعليم العالي تفتح مناظرة الدخول لدار المعلمين العليا    منع الزكاة كبيرة من أعظم الكبائر .. .هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ    خطبة الجمعة...آداب الاستئذان    النجمة درة تحصد لقب أفضل ممثلة عن دورها في مسلسل 'علي كلاي'    هلال ذو القعدة...وقتاش؟    وزارة الثقافة تنعى المطرب وعازف الكمان أحمد داود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصدمة التي أنتجت الورطة.. إسرائيل بين "صورة النصر" والهزيمة
نشر في باب نات يوم 07 - 11 - 2023

يهيئ القادة الإسرائيليون الرأي العام الإسرائيلي المتوتر والمحبط في الداخل لمفاجآت غير محسوبة في حربهم على غزة، بالحديث عن حرب طويلة ومكلفة وقاسية بشريا، وقد وضعوا سقوفا عالية لحربهم يصعب تحقيقها، دون وجود خطة واضحة عسكريا أو سياسيا.
يقول رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي "نخوض حربا مع عدو قاس ولهذه الحرب ثمن مؤلم وباهظ"، فيما يعبر عضو المجلس الوزاري الحربي بيني غانتس عن صعوبة الحرب البرية بقوله "الصور القادمة من المعركة البرية مؤلمة ودموعنا تتساقط عند رؤية جنودنا يتساقطون".
...
فقد أطلقت القيادة الإسرائيلية حربها على غزة في وقت لا تمتلك فيه سوى 27% من ثقة الجمهور الإسرائيلي، بينما يثق نحو 51% فقط من هذا الجمهور في الجيش الإسرائيلي، يضاف إلى ذلك أعباء لجوء 250 ألف نسمة من غلاف غزة والشمال، ووجود أكثر من 240 أسيرا لدى المقاومة في غزة.
تبعا لذلك، ليست هذه الحرب بالنسبة لإسرائيل مثل الحروب السابقة، إذ تتكبد خسائر يومية مهولة وتآكلا يوميا للموارد يشمل الجنود والمعدات والوقت والمال والشرعية (الدعم الداخلي والخارجي)، وستستمر الكلفة في الارتفاع مع طول الحرب أو توسعها.
وتعلق صحيفة معاريف عن ظروف الحرب البرية الدائرة على أطراف غزة إن "القوات المقاتلة (المقاومة) بعيدة جدا عن الانكسار، ورغم التصفيات والاغتيالات، تنجح حماس في معظم الحالات في الحفاظ على طريقة قتال منظمة، تستند أساسا إلى قتال الأنفاق والخروج من المكامن وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع بجرأة".
مفاعيل الصدمة
وما يحرك الحرب الإسرائيلية الشرسة على غزة سببان، أولهما صدمة الهزيمة العسكرية المدوية والإخفاق الأمني والاستخباراتي الذي انجر عن إطلاق المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وثانيهما ورطة وقوع عدد هائل من الأسرى لدى كتائب القسام والفصائل الفلسطينية الأخرى، ولذلك يتمحور العمل العسكري حول هذين الهدفين.
وضع القادة الإسرائيليون هدفا كبيرا لحملتهم العسكرية، التي استدعي لها احتياطي من 360 ألف جندي، إضافة إلى 170 ألفا من الجنود المباشرين، وهو تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتقويض سيطرتها على غزة، وأهدافا فرعية من بينها تحرير الأسرى.
بتأثير الحالة النفسية لوقائع "السبت الأسود"، ذهب الإسرائيليون مباشرة إلى الهدف النهائي لأي حرب وهو "تدمير العدو"، وكان هذا سقفا عاليا ربما يعرفون بحكم ما خبروه سابقا أنه لن يتحقق في حالة حركة حماس، وإن حصل فلن يكون إلا بأثمان لا يقدرون على دفعها.
وفي هذا السياق، يقول وزير الدفاع يوآف غالانت "لا مكان لحركة حماس في غزة.. في نهاية معركتنا لن يكون هناك حماس". ويبدو ذلك هدفا غير واقعي استنادا إلى وقائع الماضي وبمجريات ما يحصل فعليا على الميدان.
وبالعودة إلى الحروب السابقة أعوام 2008 و2014، نجد أن هدف "تدمير حماس" كان هدفا أساسيا لم يتحقق لمعظم الحروب الإسرائيلية على غزة، وليس هناك ما يدعو للاعتقاد أنه سيكون قابلا للتحقيق هذه المرة، خصوصا أن الحركة اكتسبت مزيدا من القوة والصلابة والتجذر في القطاع، وقوّت دفاعاتها العسكرية وترسانتها بشكل يصعب اختراقه، وهي في النهاية ليست دولة أو جيشا نظاميا ليعلن استسلامه، بل هي حركة مقاومة شعبية ممتدة في مسار نضال فلسطيني ممتد.
الحرب التي لا تريدها إسرائيل
إذا كانت الحرب هي الأعمال القتالية التي يستوجب تعبئة موارد وقدرات الدولة للقيام بجهد حربي محدد وتنفيذ أهداف عسكرية وسياسية، تتراوح بين تحريك جبهة لتحقيق أهداف تكتيكية وفرض شروط معينة أو القيام بمعركة حاسمة تكسر إرادة "العدو"، فإنها تتطلب قيادة متفقا عليها تحظى بقدر من الإجماع ومنظومة عسكرية مدربة ومجهزة ومعبأة نفسيا بالحد الأدنى للقتال وخطة مواجهة مناسبة، وجبهة داخلية سياسية واجتماعية موحدة ومتماسكة وموجهة نحو ذلك الهدف.
كما تستوجب جهدا اقتصاديا يستوعب ظروف وسير الحرب ومفاجآتها وجبهة دولية أو إقليمية متفهمة أو مؤيدة، ويصعب تحقيق النصر إذا انتفت إحدى هذه القواعد أو جميعها، خصوصا في ظل المعارك الطويلة التي تتطلب تعبئة مستمرة، كما أن النتائج مرتبطة برد فعل "العدو" ومدى قوته والتكتيكات التي يتبعها. فهل كانت إسرائيل مستعدة؟
من حيث القدرات العسكرية، تبدو إسرائيل مستعدة دائما للحرب وعلى عدة جبهات، لكن القدرات العسكرية الفنية والأسلحة لا تحسم وحدها الحروب، خاصة بانتفاء مفاعيل الحرب الخاطفة التي تحبذها إسرائيل، وعمليا تعاني إسرائيل من خلل في كل الشروط المذكورة تقريبا كمقومات لكسب الحرب.
على مستوى القيادة: لا توجد في إسرائيل قيادة متفق عليها وتحظى بالإجماع أو الكاريزما اللازمة، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كما تشير التقديرات في أدنى درجات شعبيته.
وفي استطلاع حديث للرأي العام الإسرائيلي أجرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، تبين أن 27% فقط من الإسرائيليين يؤيدون بقاءه، ولا تحظى قراراته السياسية والعسكرية بالقبول ويتعرض لانتقادات واسعة، كما أثبتت مجريات الحرب أنه متردد ولا يملك خطة واضحة ومقنعة للعمل العسكري أو السياسي.
كما أن نتنياهو يرفض تحمل مسؤولية الفشل الأمني في 7 أكتوبر، ما عرّضه لانتقادات داخلية شديدة، حيث اعتبره زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد مثلا، أنه "تجاوز الخطوط الحمر"، محذرا من أن محاولات التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على المؤسسة الأمنية تضعفان الجيش الإسرائيلي".
الجبهة الداخلية: تبدو الجبهة الداخلية مفككة وتعيش حالة من الانقسام الشديد على المستوى الحزبي والشعبي والسياسي، ولاسيما في كيفية التعاطي مع قضية الأسرى لدى المقاومة والنظر لمخاطر الحرب البرية والخسائر الكبرى التي تجرها الحرب.
ويُتهم نتنياهو وأعضاء حكومته من المتطرفين بتقسيم المجتمع الإسرائيلي، حيث اتهمت زعيمة "حزب العمل" المعارض ميراف ميخائيلي رئيس الوزراء ب"قتال الجيش وشعب إسرائيل"، كما تسهم قضية الأسرى لدى المقاومة في مزيد التصعيد الداخلي خاصة بعد دعوة وزير التراث عميحاي إلياهو إلى قصف غزة بقنبلة نووية، قائلا "ماذا يعني مختطفون؟ في الحرب يُدفع الثمن، لماذا حياة المختطفين أغلى من حياة الجنود؟". وهو ما اعتبره الأهالي "تخليا من قبل الحكومة عن التزامها بإعادة المخطوفين".
الجبهة العسكرية: أثبتت مجريات "طوفان الأقصى"، ولا سيما الساعات الست الأولى ليوم 7 أكتوبر أن الجيش الإسرائيلي يعاني من أوجه قصور شديدة، وكذلك أجهزته الأمنية العديدة، كما أن الخسائر اليومية التي يتكبدها في عمليته البرية الجارية، جعلته محل شكوك داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي كان يعتمد عليه لتحقيق عنصر الأمان والاستقرار.
الوضع الاقتصادي: يعد الوضع الاقتصادي الإسرائيلي في أسوأ حالاته بتوقف قطاعات رئيسية مثل السياحة، وتراجع حركة السفر وتضرر القطاع الزراعي. ومع تعبئة نحو 360 ألف جندي معظمهم من القوى العاملة، وإجلاء نحو 250 ألف مستوطن، يشهد الاقتصاد نقصا شديدا في العمالة في مختلف المجالات، كما أن إسرائيل أعلنت أن الحرب كلفت الميزانية في الأسابيع الثلاثة الأخيرة نحو 7 مليارات دولار، دون احتساب الأضرار المباشرة وغير المباشرة، فيما قد تكلف هذه الأضرار نحو 3 مليارات دولار شهريا، وتظهر تقديرات أولية أن الحرب على غزة ستكلف ميزانية إسرائيل 200 مليار شيكل (51 مليار دولار)، أي حوالي 10″% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع استمرار الحرب لفترة طويلة قد يصاب الاقتصاد الإسرائيلي بالشلل، وفق تقديرات إسرائيلية.
الجبهة الدبلوماسية: بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سارعت الدول الغربية المنحازة تاريخيا لإسرائيل لتأييدها، لكن هذا الحزام بدأ يتآكل على وقع الجرائم الإسرائيلية والشكوك في قدرة الجيش الإسرائيلي على حسم الحرب، كما أن دولا عديدة أدانت إسرائيل أو قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها (كولومبيا، بوليفيا)، فيما استدعت دول أخرى سفراءها (تشيلي، الأردن، البحرين، تركيا، هندوراس..)، ويتزايد الضغط الشعبي العالمي على الحكومات لاتخاذ إجراءات مقاطعة، بما يعرض إسرائيل إلى عزلة بدأت في التفاقم.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، وعلى عكس التأييد المباشر في البداية، بدأت إدارة الرئيس جو بايدن نفسها في مراجعة التأييد المطلق لنتنياهو تخوفا من انفلات الأمور إلى حرب إقليمية واسعة، وباتت واشنطن تخشى من السيناريوهات الجنونية التي يتبعها نتنياهو في محاولة لإنقاذ مستقبله على حسابها.
وبعد نحو شهر، أدرك الأميركيون أن الثابت الوحيد في الخطة الإسرائيلية هو استعمال قوة تدميرية هائلة تستهدف المدنيين والبنية التحتية في قطاع غزة وانتظار حل ما ينقذها من ورطة قاسية في رمال غزة وترقب وهْم استسلام المقاومة الذي لن يحصل. وقد بدأت الشكوك تنتابهم بشأن إدارة إسرائيل للحرب ونتائجها.
وأشارت شبكة "سي إن إن" إلى أن الرئيس الأميركي جو بايدن وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية حذروا إسرائيل من أن الدعم لها يتآكل تدريجيا مع اشتداد الغضب العالمي بشأن حجم المعاناة الإنسانية جراء جرائمها في غزة.
ما الذي يحدث في الميدان؟
لا يبدو من مجريات نحو شهر من الحرب أن إسرائيل حققت مكاسب جدية على الأرض مع بدء تنفيذها المناورات البرية. وتشير التصريحات المتناقضة إلى حيرة في كيفية إدارة المعركة ووضع أهداف نهائية لها، مع المقاومة الشديدة التي تواجهها. وما زالت صدمة إدارة معركة 7 أكتوبر والندوب النفسية التي خلّفتها في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية برمتها تخيم على سير الحرب.
كما تخيم تلك الأجواء النفسية على الجنود، وهم يدركون أن عودتهم من رمال غزة ستكون معجزة، ويستحضرون تجارب زملائهم وذكرياتهم المريرة في حرب 2014 وهم يرون نخبة لواء جفعاتي تغرق في رمال غزة في معركة ما زالت في بداياتها.
عمليا، تقدم الجيش الإسرائيلي بضعة أمتار في أراض مفتوحة شمال قطاع غزة وفقد 30 جنديا -حسب المصرح به- بمعنى أنه من الوارد أن يفقد المئااف من العسكريين إذا تقدم الجيش بضعة كيلومترات، وسط شبكة معقدة من الأنفاق ووسائط الدفاع المختلفة وحقول الألغام والقناصة والقتال المتلاحم في الشوارع والعبوات الناسفة وإرادة القتال غير المحدودة للمقاومة.
وفي حين لا تملك إسرائيل خطة واضحة للحرب، أصبحت تميل إلى التقدم البطيء المحسوب داخل غزة، وبذلك قد يستغرق تحقيق الهدف النهائي المشكوك فيه فترة طويلة وخسائر كبيرة فوق الاحتمال، وقد تحصل في هذه الأثناء تحولات مهمة عسكرية أو سياسية تعصف بالخطة برمتها.
وفق سير العمليات الراهنة، تفقد إسرائيل ما يصل إلى 5 جنود يوميا على تخوم غزة دون تقدم واضح ومؤثر عسكريا، ويقول الصحفي الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" ناحوم برنياع "إن حرب استنزاف في ضواحي غزة هي آخر ما يرغب الإسرائيليون في تجربته".
ويدرك المسؤولون العسكريون الإسرائيليون أنه من المستحيل تحرير الأسرى عسكريا، لكنهم يمضون في ذلك تحت ضغط داخلي، رغم أن أهالي الأسرى يرغبون في صفقة تبادل وكذلك الدول التي لها رعايا من بين الأسرى، فيما يرى نتنياهو أن تلك الصفقة تعد إقرارا نهائيا بالهزيمة وانتصارا لحركة حماس والمقاومة الفلسطينية.
تماسك المقاومة واللاخطة الإسرائيلية
ويخشى الرأي العام الإسرائيلي أن تكون خسارة الحرب على جبهتين أو أكثر، بالفشل في تحرير أو إطلاق الأسرى، إذ قتل نحو 60 منهم في الغارات الإسرائيلية، كما لن يتم تفكيك قدرات حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، بالإضافة إلى أن عددا كبيرا من الجنود سيقتلون ربما بالمئات.
وخلافا للضربة العسكرية الموجعة التي وُجهت لإسرائيل صباح يوم 7 أكتوبر، تبدو خطة حماس والمقاومة في المقابل واضحة، وتتمثل في وقف الحرب والقيام بعملية تبادل شاملة للأسرى ورفع الحصار بدرجة ثانية، وهي تمارس حرب استنزاف للجيش الإسرائيلي وتكبده خسائر يومية في تصاعد مستمر، وتبدو مستعدة لحرب طويلة ستتآكل فيها عناصر القوة الإسرائيلية.
وإذا كان الوقت ليس في صالح إسرائيل، إذ تفقد المزيد من المال والرجال والشرعية وتتفاقم أزمتها الداخلية وتتزايد الضغوط والشكوك حولها، مع احتمال تفجر الأوضاع إقليميا، فإن ذلك يصب في مصلحة المقاومة الفلسطينية التي ترى أن كل هذه الضغوط العسكرية والسياسية الداخلية والخارجية ستجعل إسرائيل ترضخ في النهاية لشروطها.
وفي هذه الحالة، لن تنتهي الحرب بهزيمة نتنياهو فقط، بل بهزيمة حكومة اليمين المتطرف وخياراتها العنصرية، فالمجتمع الإسرائيلي أصبح أكثر رفضا لسياسات هذه الحكومة على جميع الأصعدة، وقد أثبتت هذه الحرب أنها لن تفرض خيارات الاستسلام على الشعب الفلسطيني رغم المآسي التي تسببت فيها الجرائم الإسرائيلية في غزة، كما أن تداعياتها جعلت المجتمع الدولي أكثر يقظة وأكثر رفضا للسرديات الإسرائيلية.
ورطة نتنياهو
وبدأ المجتمع الدولي يوقن أن الحملة التي يشنها بنيامين نتنياهو على غزة لا تعدو كونها سلسلة من المجازر اليومية البشعة بحق المدنيين دون تحقيق أي اختراق عسكري مهم، وسوف يكون مضطرا للانصياع للهزيمة تحت الضغوط الداخلية والخارجية، في وقت بدأت فيه تحركات جدية من المجتمع الدولي لوقف الحرب على وقع هول المجازر الإسرائيلية.
وفي حين يرى الكاتب نداف إيال في مقالة له بصحيفة يديعوت أحرونوت أنه لا يمكن للجيش الإسرائيلي أن يكتفي ب"صورة النصر" في حربه على غزة، وأن عصر سياسة "جز العشب" (تخفيض التهديدات إلى مستوى مقبول) قد انتهى، مشيرا إلى أن إسرائيل تحتاج إلى "نصر حقيقي"، وهو ما يحرج كثيرا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
والمعضلة الرئيسية تتعلق بنتنياهو نفسه، الذي لا يريد أن ينزل من الشجرة التي وصل إلى أعلاها منذ صباح 7 أكتوبر، وهو يدرك أنه انتهى سياسيا ويربط بشكل ما إعادة بعث نفسه بنتائج حملته على غزة.
ويتصرف نتنياهو ومجلس وزرائه الحربي مندفعا بتأثير صدمة 7 أكتوبر، دون خطة عسكرية واضحة للحرب، التي تستند في معظمها إلى رد فعل المقاومة في غزة واستعداداتها، كذلك دون خطة واضحة لتحرير الأسرى أو استعادتهم، أو لمواجهة هذا الكم الهائل من الاحتجاج الدولي المتصاعد، لدرجة أنه بدأ يخاطب الجنود الإسرائيليين في غزة باقتباسات من التوراة، قائلا لهم "أذكر ما فعله بك عماليق"، (الذي يُمثل ذروة الشر في التقاليد اليهودية)، واستخدمه نتنياهو أكثر من مرة لتحفيز الجيش الإسرائيلي في حربه ضد غزة.
يُراكم نتنياهو خسائره على جميع الجبهات، محاولا شطب "السبت الأسود"، ومتجاهلا قيادته التي لا تحظى بقبول شعبي، كذلك الجيش المنكسر والاقتصاد الذي يتآكل والسمعة الدولية التي تتقوّض والجبهة الداخلية المفككة والخسائر العسكرية اليومية الكبيرة، وتململ الأمم المتحدة من جرائمه.
المصدر : الجزيرة
تابعونا على ڤوڤل للأخبار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.