حاتم بولبيار موسم هذا العام والحمد لله الصابة قياسية: حاجز ال 500 ألف طن من زيت الزيتون سيقع اجتيازه. رقم قياسي تاريخيا بعد موسم 2019/2020 والرقم القياسي الفارط (440 ألف طن). كان من المفروض ان هذه الأرقام القياسية تعطي دفعًا قويًا للقطاع ويطمّن الفلاحين، لكن الواقع جاء عكسي. الوفرة رفعت الخوف من انهيار الأسعار، وعدم الرضا عمّ القطاع. الدولة الأسبوع الفارط حدّدت سعر اللتر ب 10 دنانير، ثم عدّلته إلى 10.2 دينار، تعديل طفيف ما بدّلش الإحساس بأن الفلاح دايمًا متروك يواجه السوق وحدو. في تونس، فلاح زيت الزيتون يلقى روحو ديما خاسر: إذا الصابة ضعيفة يطيح المدخول، وإذا الصابة قوية يطيح السعر. المثل الشعبي "إذا سحّت نندبي وإذا صبّت نندبي" ولى توصيف اقتصادي دقيق للقطاع. وهذا يطرح سؤال أساسي: علاش قطاع يمثّل قرابة نصف المساحات الزراعية في البلاد، بحوالي 2 مليون هكتار، ويعيش منه 150 ألف فلاح، ويضم أكثر من 107 مليون شجرة زيتون، يمثل 3,5 % من الناتج المحلي، يبقى دايمًا هشّ، بلا استقرار، وتحت رحمة الصدمات؟ الجواب ما هوش في الأرض ( شجرة الزيتون) و لا في السماء (المطر) ولا في المستهلك ( التونسي بالأساس ثم الأجنبي)، بل في السياسات العمومية واختيارات الدولة. منذ السبعينات، وخاصة مع قانون 1972، ترسّخت في الإدارة التونسية عقيدة "التصدير أولًا". هذه العقيدة، اللي تحوّلت إلى مانترا إدارية، خلّت التصدير غاية في حد ذاته، موش وسيلة لخلق قيمة مضافة أو لبناء توازن بين السوق الداخلية والخارجية. في زيت الزيتون، هذا الخيار تترجم في تشجيع تصدير الزيت الصبّة، التركيز على الكميات والعملات الصعبة، وإهمال السوق الداخلية. النتيجة المباشرة كانت تآكل الاستهلاك المحلي. في التسعينات، التونسي كان يستهلك في المعدل 7.5 لترات من زيت الزيتون في السنة، اليوم المعدل هبط إلى حوالي 2.5 لتر فقط للفرد. هذا التراجع ما هوش نتيجة تغيّر طبيعي في العادات الغذائية، بل نتيجة سياسات رفعت الأسعار وقلّصت العرض المحلي، وخلّت زيت الزيتون بعيد على القدرة الشرائية. هكذا خرج زيت الزيتون تدريجيًا من المطبخ التونسي، ومعاه خرجت السوق الداخلية من دورها كصمّام أمان للقطاع، خاصة في سنوات الوفرة. ويزيد يعمّق التناقض خيار آخر في السياسات العمومية: دعم الزيت النباتي المورّد بدل دعم زيت الزيتون المحلي. الدولة، عمليًا، تشجّع التونسي يستهلك زيوت مستوردة كيما زيت النخيل وزيت الصوجا، وهي زيوت أقل جودة غذائيًا ومضرّة صحيًا، في نفس الوقت اللي تترك فيه زيت الزيتون خارج منظومة الدعم. هذا الخيار ما هوش فقط مسألة صحية، بل مسألة اقتصادية ثقيلة الكلفة: خلال العشر سنوات الأخيرة، كلف دعم الزيت النباتي حوالي 3 مليارات دينار من المال العام، وفي سنة 2025 وحدها قرابة 375 مليون دينار. الدعم هذا يضغط على الميزانية، يضرب الميزان التجاري، ويعمّق التبعية الغذائية، وفي المقابل يساهم في تراجع العادات الغذائية التونسية وإقصاء زيت الزيتون من الاستهلاك اليومي. ورغم هذا الإضعاف المتواصل للسوق الداخلية، ترفع الدولة اليوم شعار الانتقال نحو التعليب والقيمة المضافة. عبر صندوق النهوض بزيت الزيتون المعلّب، رُصد مبلغ 6.2 مليون دينار لدعم هذا التوجه، بهدف مضاعفة الصادرات من 5 إلى 10 مليارات دينار. نظريًا، الخيار صحيح: الزيت المعلّب يُسوّق عالميًا بأسعار تتراوح بين 24 و26 دينارًا للتر، مقابل 12 إلى 13 دينارًا للزيت الصبّة حسب أسعار الموسم الفارط. الفارق واضح، والقيمة المضافة مؤكدة. لكن الإشكال الحقيقي هو غياب الانسجام في القرار العمومي. في نفس الوقت اللي تتحدث فيه الدولة عن التعليب، قامت بالتفويت ( او إعطاء الضوء الاخضر للتفويت للأجانب) في أهم حلقة صناعية تدعمه: مصنع الزجاج "الشركة التونسية للبلور" ، اللي أُنشئ بأموال عمومية (1963) ، ثم خُصخص وبِيع، خرج اليوم من السيطرة الوطنية. وهو يؤمّن بين 70% و75% من حاجيات السوق التونسية من الزجاج المخصص للتعليب، والبقية تُورّد، ما يعني عمليًا أنه عنصر محوري في كامل سلسلة القيمة، خاصة في زيت الزيتون. اقتصاديًا، ما تنجمش تطوّر التعليب من غير ما تضمن السيادة على مدخلاته الأساسية. التعليب نتيجة لتكامل رأسي يشمل الإنتاج الفلاحي، التحويل الصناعي، مواد التعليب، اللوجستيك، والنفاذ للأسواق. التفريط في حلقة الزجاج يعني زيادة التبعية، هشاشة في الكلفة، ضعف القدرة التفاوضية، وتآكل تدريجي للقيمة المضافة محليًا. والأسوأ إن المستثمر الأجنبي ينجم يوجّه الإنتاج للأسواق الخارجية، ويخلّي السوق التونسية مكشوفة, وفي المقابل، يقدّم المغرب نموذجًا مغايرًا: سياسة صناعية منسجمة تهدف إلى تعليب حوالي 70% من إنتاج زيت الزيتون، بالتوازي مع الاستثمار في الصناعات الداعمة وحماية حلقات سلسلة القيمة. الفارق هنا موش في الموارد، بل في وضوح الرؤية وانسجام السياسات. قطاع استراتيجي كيما زيت الزيتون ما يتصلّحش بقرارات معزولة ولا بميزانيات محدودة (6.2 مليون دينار)، بل برؤية شاملة تحترم السوق الداخلية، تحمي الأصول الصناعية، وتبني سلاسل قيمة وطنية مستدامة. دون هذا الانسجام، يبقى القطاع يدور في نفس الحلقة المفرغة: وفرة بلا استقرار، تصدير بلا قيمة، دعم لمنتج مستورد، وفلاح ومستهلك يدفعوا الثمن. وفي كل موسم، نرجعوا لنفس الخلاصة: إذا سحّت نندبي... وإذا صبّت نندبي, تابعونا على ڤوڤل للأخبار