سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بتونس تدعو الشركات التونسية إلى المشاركة في قمّة للاستثمار والتكنولوجيا    نتنياهو يعلن وقف إسرائيل ضربها لمنشآت الغاز الإيرانية بطلب من ترامب    "نمر بمحنة قاسية".. شيخ الأزهر يوجه نداء للعرب والمسلمين عشية عيد الفطر    نشرة متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..#خبر_عاجل    تنبيه/ اضطرابات وانقطاعات في التزود بالمياه في 3 ولايات بداية من هذا التاريخ..#خبر_عاجل    على مستوى القلعة الصغرى: وفاة شاب دهسا بالقطار والسيطرة على حريق اضرمه سكان على خلفية الحادث    قفصة.. تفكيك شبكة مختصة في تزوير العملة التونسية    "الفيفا" ينهي الجدل حول نقل مباريات إيران في المونديال خارج الولايات المتحدة    شكون الدول الي عندهم عيد غدوة؟    سوسة.. إستياء بسبب تركيز مجسم أمام الجامع الكبير    عاجل/ صواريخ إيرانية تتساقط على "تل ابيب" وتقطع الكهرباء كليّا عن هذه المناطق..    بمناسبة العيد..نقل تونس تعلن عن بشرى سارة المواطنين..#خبر_عاجل    تونس; الجمعة 20 مارس هو أول أيام عيد الفطر المبارك    تونس تعزّز ريادتها في طب أعصاب الأطفال وتستعد لاحتضان ملتقى علمي دولي    صادم: حرق كامل قطار تونس-سوسة بعد وفاة شخص دهسًا احتجاجًا على الحادث    أبرز أعراض التهاب المعدة والأمعاء التي لا يجب تجاهلها    تعويضات وجدولة ديون لفائدة فلاحي 12 ولاية متضررة من الجفاف    نصف النهائي للبطولة الوطنية المحترفة لكرة السلة: شبيبة القيروان تفوز على النادي الافريقي 72 - 66    هل يجب إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه؟    وزارة التشغيل: إستراتيجيتان وطنيتان للحد من بطالة حاملي الشهادات العليا    صدمة في الأسواق: حجز أكثر من 36 ألف منتج خطير ومخالف خلال رمضان!    تُعطش بعد ما تأكل ''الحوت''؟ هاو علاش؟ وكيفاش تعمل؟    شنّوة ''خرجة'' العيد في تونس؟    رئيس هيئة السلامة الصحية يدق ناقوس الخطر: مياه الشاحنات المتجولة غير آمنة    إطلاق برنامج لمرافقة 84 مؤسسة صغرى ومتوسطة تونسية في مجال التجارة الرقمية والتدويل    وزارة الصحة تكشف عن حزمة من الإجراءات لفائدة الصيدلية المركزية لتأمين التزوّد بالأدوية الحيوية    الإفراج عن الناشطة الحقوقية سلوى غريسة    هذه الدول تعيّد يوم السبت    اللجنة الجهوية لمقاومة الحشرات: التدخلات تبدأ الأسبوع الجاي    بلدية تونس: غلق الأسواق اليومية البلدية خلال أول وثاني أيام العيد    تأجيل النظر في قضية "كاكتوس برود"    QNB تونس يؤكد نجاح استراتيجية إعادة الهيكلة ويعزّز أدائه المالي في 2025    الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية تعلن عن تعديل أوقات قطارات أحواز تونس خلال الفترة الصباحية    المنتخب التونسي لكرة القدم للاواسط - مهاجم اولمبيك مرسيليا سعيد رمضانية يعزز الصفوف    مائدة عيد الفطر في تونس: فسيفساء من الموروث الغذائي الجهوي وتوازن يجمع بين التقاليد والصحة    الصيد بالشرفية: إرث تونسي متجذر في قرقنة مسجل على لائحة التراث العالمي يوثقه كتاب "قرقنة أرخبيل الشرفية"    المتاحف العسكرية تفتح أبوابها مجانا للعموم بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال    ميسي يبلغ الهدف 900 ويواصل كتابة أسطورته الكروية    أبطال إفريقيا: من هو جلال جيد حكم مباراة الأهلي المصري والترجي الرياضي؟    منذ بداية رمضان: حجز 400 طن من المواد الغذائية الفاسدة وغلق 50 محلا    عاجل: التّرخيص لجمعية ''س و س'' بجمع التبرّعات وزكاة الفطر عن طريق الإرساليات القصيرة    هامّ: ارتفاع أسعار النفط    الحكومة السنغالية تعكس الهجوم على الإتحاد الإفريقي لكرة القدم    ارتفاع أسعار الذهب بدعم من تراجع الدولار    أسعار الغاز في أوروبا ترتفع ب 35%    التوقعات الجوية لهذا اليوم..ضباب كثيف..    جندوبة: عيادات طبية مجانية في"رمضانيات صحية"    الديوانة التونسية: حجز كميات هامة من المخدرات والبضائع المهربة منذ بداية رمضان    بطولة الجزائر: محمد علي بن حمودة حاسم مجددا مع شباب بلوزداد    إيران تهاجم 5 دول خليجية بالصواريخ والمسيّرات    افتتاح مكتب بريد جديد بحي العمران في المنستير لتعزيز تقريب الخدمات للمواطنين    بن فرحان: رسالة الرياض إلى إيران واضحة لن نقبل الابتزاز والتصعيد يقابله تصعيد    مساجد المدينة ... مسجد سيدي عبدالرّحمان بتوزر ...بناه شيخ المدينة في منتصف القرن 18م    ظهور نادر لنجاة الصغيرة يثير موجة من الجدل: ما القصة؟    عاجل/ أول رد من السينغال على قرار سحب كأس الأمم الافريقية منها..    حالة الطقس المُتوقعة أيام العيد: تقلبات منتظرة وأمطار متفرقة من 19 إلى 22 مارس 2026    من ''المقرونة'' ل ''السورية''.. جودة لخصت معاناة الام اليومية    القيروان: قتيلان و 6 اصابات في حادث مروع بمنطقة عين البيضاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحث عن الشّرعيّة!
تسول الأعداد:
نشر في الشعب يوم 06 - 01 - 2007

لا أظنّني سأنسى قريبا تلميذ السابعة أساسي وهو يقف قبالتي مشدوها ليسألني بأدب كبير وبحيرة أكبر: «أستاذة لماذا لا تزيدين الأعداد؟!» أثّرت في حيرته الصّادقة. ولم يؤثّر في السؤال الممجوج. فهو خبز يوميّ أو يكاد، يتجنّد له الكبار والصّغار.
الكلّ يبحث عن مبرّر ما لهذا «التسّول الجديد». وكلّما كانت المسوغات أصلب كانت الحصيلة (من الأعداد طبعا) أهمّ. زيادة الأعداد صارت في معجم «متسوّليها» مرادفا للنزعة الإنسانيّة الرّحيمة عند «الواهبين» وهم الأساتذة. فمن زاد أكثر من غيره وعمّ خيره على المحتاجين، كان أقرب الى مرتبة الكمال الانسانيّ والمهني. ويكون الاستنتاج الضّمني لهذا التمشّي هو: من لا يزيد الأعداد يُعتبر عديم الرّحمة، وقد لا يكون جديرا بالإنتماء الى صنف «المعلّم الذي يُوفّي التّبجيل».
لن يشفع لهذا المدرّس الشّحيح الموضوع في قفص الاتهام تفانيه في عمله ولا نزاهتُه العلميّة ولا كفاءتُه المهنيّة، حتّى وان اعترف له بذلك المتّهمون (بكسر الهاء) سرّا وعلانيّة. ستتبخّر هذه الخصال سريعا بمجرّد أن يرفض الإنخراط في «جمعيّة الرّاحمين الجدد».
أساليب تسوّل الأعداد قد تجاوزت الاستعطاف الى الضغط، فأحيانا يشترط التلميذ المشاكس انضباطه في القسم وربّما خارجه بقدر ما من الأعداد المزيدة. وأحيانا أخرى يحرص بعض روّاد الدّروس الخصوصيّة من ضعاف المستوى خاصّة، على أن يكون المال الذي يدفعون مقابلا موضوعيّا للعدد الذي يطلبون. ويتندّر التلاميذ حول هذا التعاقد الضّمني بالعبارة الرّائجة: «أعطيك عشرة (من الدّنانير) وتعطيني عشرة (من الأعداد)».
استطاع تسوّل الأعداد ان يفتكّ مكانا يُحسد عليه في أسر بعض التلاميذ فما صرنا نعجب لمرأى أحد الأولياء وهو ينوب طفله في هذه المهمّة الصّعبة. ستراه يتعلّل بقسوة الظّروف ومرارتها. وإن لم تستجب أيّها المدرّس لطلبه المقنع غالبا والصّريح أحيانا، تكون قد تآمرت ضدّه مع تلك الظّروف وتحالفت معها قصدا لتدمير مستقبل ابنه الدّراسيّ، أي لتدمير أمل الاسرة كلّها في النّجاة من محنة الفقر والخصاصة.
إذا لم تنفع قسوة الظّروف لتسويغ هذا التسوّل، لن يحار مجادلك في ايجاد البديل: إنّ امتناع المدرّس عن زيادة ما تيسّر من الأعداد للتّلميذ المهدّد بالرّفت النّهائي لتجاوزه السن القانونية أو لغيره من الأسباب هو إلقاء بهذا المراهق المغلوب على أمره في مأزق الإنحراف والجنوح. وإن حدث شيء من ذلك، سيظلّ «الأستاذ الشّحيحُ» مسؤولا عن جريمته النّكراء تلك الى يوم يُبعثون. لن تنظر عقول الأسرة الى سنوات الطّيش والاستهتار وضحالة المستوى التي سبقت الخيبة الأخيرة ولو نظرا عرضيّا. إنّها حسبهم خيبة مفاجئة لا شأن لهم فيها ولا مسؤوليّة لإبنهم عليها.
وفي السّنوات الأخيرة تمكّن هذا التسوّل الجديد من أن يفتكّ بعض المقاعد داخل حرم المؤسسات التّربوية. وقد حدث معي منذ سنوات أن طلب منّي قريبُ تلميذتي وهو زميلي في نفس المؤسسة «إعانة» ابنة أخيه لنجدتها من الرّسوب، والحال أنّها أحوجُ ما يكون إليه. كنت وقتها مبتدئة، فحاولت جاهدة إقناعه بأنّ الرّسوب في مثل هذه الحالة حقّ وواجب معًا. وعندما يئس نهائيّا من استجابتي، قاطعني وألّب ضدّي بعض صحبه. هذا لأنّ رفض طلبه يُعدّ اهانة لشخصه أوّلا وتجاوزا لأخلاق المهنة ثانيا. إنّ لهذه «الزّمالة الجديدة» إذن حقّ «شرعيّ» مطلق في تسوّل الأعداد لذوي القُربى!
قد يقصدك أيّها «المدرّس الشّحيح» موظّف في نفس مؤسستك. فيُلفتُ بلباقة عجيبة وبأسلوب مجازيّ مدهش، الى أحد تلاميذك قائلا: «هاذاكا متاعْنا» (لم أستطع تعريب هذه العبارة بما يحافظ على كثافتها الدّلاليّة) و»متاعنا» هذه تعني أنّ التلميذ المتسوّل (بفتح الواو) له، قريب أو صديق أو مجرّد مستجير بالموظف المذكور. وعلى المدرّس أن يدفع «الصّدقة» طلق المحيّا ومنشرح الصّدر حتى يؤكد تقديره العميق «للزّمالة» أوّلا ولقيم الاخوة والاجارة والرّوابط العائليّة ثانيا. وإن خضع المدرّس للضّغط مرّة سيظلّ مطالبا بالخضوع مرارا. ولن يغفر له أحد (من المتسوّلين طبعا) تخلّيه عن ذاك الإلتزام الضّمني.
اذ يستميتُ «التسوّل الجديد» في افتكاك شرعيّة ما، يطرح نفسه أحيانا بديلا أقلّ سوءًا وشراسة من الغشّ في الامتحان. فالغشّ تطاول على المدرّس في غيبته وطعنٌ له في ظهره. أمّا التسوّل فهو تذلّل له في حضرته وشتّان بين هذا وذاك!
تجاوز التسوّل قاعات الدّرس مع مدرّس المادّة، ليكتسح مجال الأستاذ المراقب في امتحانات الأسبوع المغلق وفي الامتحانات الوطنيّة، ونخصّ بالذّكر منها: الباكالوريا. فكثيرا ما يستدّر الممتحنون (بفتح الحاء) عطف المراقبين، ساردين من الأعذار ما لا طاقة لنا بتصوّره أو ذكره. لكنّ الاستعطاف المرن يتطوّر أحيانا، اذا ما اصطدم بمصداقية الأستاذ المراقب وبنزاهته، الى غضب ونقمة وعنف. وقتها يُوضع المراقب (بكسر القاف) «الشّحيح» هو الآخر في قفص الإتّّهام. إنّه لا يقدّر عسر البرنامج ولا قسوة فترة المراجعة، ولا هو يتفهّم نفسيّة التّلاميذ المرتعدين من ظروف الامتحان، ولا يأخذ بأيديهم وهم يمرّون بمرحلة انتقاليّة مصيريّة.
خلاصة القول: إن فشل هذا الصّنف من التّلاميذ في نيل الشّهادة المرجوّة، فالذين عالق في رقبة الأستاذ المراقب الى يوم الدّين. وإن لجأ المراقب الى سلطة القانون ليحمي شرف المهنة من هذا الغشّ العلنيّ المفضوح، كان كمن أهلك طفلا ساذجا ذنبه الوحيد أنّه يريد أن ينجح أيا تكن السّبل الى ذلك. وقد حدث معي مرّة أن صارحني تلميذ يجتاز أحد امتحانات الباكالوريا، بعد أن يئس من كسر طوق المراقبة، بحاجته الماسّة الى الاستعانة ببعض زملائه. فحذّرته من مجرّد التّفكير في ذلك. عندها قال وقد ثبّت عينيه في عينيّ وعلى وجهه مزيجٌ من الدّهشة والاستنكار والغضب المكتوم: «وهل أرسب أنا؟!» لقد دخل قاعة الامتحان، وأمثاله كُثر، خالي الذّهن معوّلا على «إعانة» واجبة: على الزّملاء التّلاميذ منحُها بلا قيد أو شرط، وعلى الأستاذ المراقب تسهيل عبورها وتأمينُه!
إنّ ما يدُهشني حقّا هو شعور التّلميذ الذي خاب تسوّله بالضّيم وإيمانه الصّادق العميق بكونه ضحيّة قساة القلوب من المدرّسين والمراقبين. إنّه مقتنع بشرعيّة تسوّله اقتناعنا بتجريمه: أي اعتباره جريمة في حقّ التلميذ المتعلّم وفي حقّ رسالة التّعليم سواء بسواء.
والبحث الدّؤوب عن شرعيّة ما، يدلّ على أنّ «تسوّل الأعداد» أصبح في مؤسساتنا التربوية ظاهرة حقيقية كارثيّة تزيد في تراجع المستوى العلميّ لتلاميذنا استفحالا وتزيد ضعف المستوى الأخلاقي عندهم حدّة.
هل من اجراءات قانونيّة تردعُ هذا «التسوّل» المهين للرسالة التربويّة؟ وهل من حملات توعويّة تكشف مخاطره المتعاظمة على المتعلّمين (بكسر اللاّم)؟ وهل من مراجعات لمقاييس الجزاء يجعل «تسوّل الأعداد» عبثا لاغيا وتقطع الطّريق على مُشرّعيه: أي من أضفوْا عليه الشّرعيّة الوهميّة التي تستند إليها الآن وينمو نموّا سرطانيّا على أساسها؟
فوزيّة الشّطي أستاذة عربيّة تونس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.