تحية الى من غادر الحياة او لنقل انه اختار المضي في رحلة النسيان، رحلة من فارق الحياة وهو ما زال على قيدها، فكانت مسارا لذكريات صرخت في نفسه وأيقظت ذلك الطفل النائم فيه وراحت تزف دموع عينيه في مطر الصراخ القادم من أقاصي الصمت ذلك الصمت الذي عانى منه طويلا أو كان ملازما له. لطالما أحببت فكرة ان الانسان يدور في دوائر تجعله ينطلق ليصل الى نقطة البداية، ما هذا القدر الساخر الذي يتلاعب بذكرياتنا؟ ان الذكرى تستفيق لتنام على ألم جديد، ألم الفنان الذي يمضي هباء فقد اختار النسيان بطريقته او انه لم يجد سواها، يخرج كل يوم ومعه أمانيه الصامتة فيه يتجول في انحاء المدينة، يدخل الحانة، يتخذ مقعدا، يطلب مشروبه وينغمس في التفكير ذلك التفكير المبهم الذي لا أدري من آمره الخفي يقوده حيث يشاء، يتجول به في مفكرة ذكرياته ولعلها كانت مزيجا جميلا بين المفرح والمحزن فيتخبط متحسرا بين ما عاش وبين ما يعيش، يطلب المزيد من المشروب فكأنه يصر على التمرد على وعيه الذاكر لما فات، يتذكر نفسه في مطبخ أمه وهو ذلك الطاهي المتجول بين أركان المكان. ذكريات عصرت في داخله وأجهضت متعة الحياة، لا شيء يساوي الغرق في الشرب ونسيان الواقع والمضي في رحلة صراخ الذاكرة، هنا ما من ذاكرة تعاني وانما الذاكر هو منبع المعاناة لأنه وجد نفسه فجأة أعزل ينزف دما، دما لطّخ الذاكرة ولوّث اسوارها فاستحالت مضاجعتها من اقاصي الصمت تشدو بلحن الحياة الاخرى حياة انسان تدمع عيناه ولكن لا مجال ليسيل الدمع كي لا تحتضر ذاكرته، فهي امرأة عاشت أرملة تربي ابناءها وسط الوحوش هنا هي تصاعر رغم انها تنزف بسبب الجروح ولا تملك العتاد لتدافع عن نفسها لكنها رغم ذلك تستبسل في القتال، عندها يتبادر الى أذهاننا ان هذه المرأة عانت كثيرا، فربما ما أمضته مسافرة كل ليلة في رحاب التفكير الصامت كانت اشد عناء من ايام تقاذفتها وكانت اشد عتمة من الليالي نفسها، لربما ان هذه الذاكرة اختارت ان تنزف فيه وذلك لانها عارية لا تملك الجرأة لتخرج الى العلن وهي كذلك، فكانت الذات الباطنية مسرح النزف والعراء من جهة تنزف لما طالها من مساوئ ومن جهة اخرى تتدار الذاكرة لانها عارية حيث جردت من ذكرياتها. فهل نزفت لان ذاكرته عارية أم تعرت لانها تنزف؟ صمت الذاكرة نعم هو صمت الذاكرة الذي ينزف، فكانت الذاكرة عارية تنزف فيه انه صمت ذاكرة ينزف وذاكرة عارية، فأفاقت قبالة صراخ الذاكرة. لعله فنان اختار ان يعبر عن معاناته من خلال ذاكرته فأيقظ في صراخ ذاكرة كنت قد واريتها تحت التراب فأججت فيّ صوتا قادما من أقاصي الصمت الذي أعيشه مع نفسي. محمد علي الناصر