إدراج الأردن وتركيا ومالي على قوائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب    تأكيد استعادة الدور الاجتماعي للدولة    ..ناطقا رسميا جديدا للداخلية    تقديرات سعر زيت الزيتون    وجبات صحية تساعد الطلبة على التركيز    بسبب نهائيات كأس أمم افريقيا...ال«فيفا» قد يحرم ليفربول من صلاح وماني لمدة 8 مباريات    في التصنيف الجديد لل«الفيفا»..تونس تحافظ على الوصافة الافريقية وفرنسا تعود من جديد    26 نوفمبر موعد قرعة ملحق تصفيات أوروبا لمونديال 2022    35 ألف معلم أثري بلا رقابة... مخدرات... دعارة وسطو على عقارات تاريخية    بوسالم .. وفاة طفل في حادث مروع    التضامن مبدأ إسلامي قويم    ملف الأسبوع: التضامن والتعاون ركيزة العلاقات الاجتماعية في الإسلام    إنما المؤمنون إخوة    فوائد القهوة    يهم النساء...6 علامات للتعب النفسي    مع الشروق.. ال«كنام».. «الCNSS».. الصّيدليّة المركزيّة.. وأزمة الدواء    اتحاد بن قردان يفقد جهود صديق الماجري في مباراة نهضة بركان    تصنيف الفيفا: المنتخب التونسي يخسر مقعدين في الترتيب العالمي.. ويواصل التربع على عرش العرب    الرابطة 1: درصاف القنواطي تدير لقاء الهمهاما وتطاوين.. والمالكي للبنزرتي وحمام سوسة    الجرندي يلتقي عبد الحميد الدبيبة في طرابلس و يبحث معه آخر المستجدّات والأوضاع في تونس وليبيا    زيادة قياسية في عدد الممنوعين: «الحرقة»... تحرق شبابنا!    سعيّد لدى إشرافه على مجلس الوزراء: "الحوار الوطني لن يشمل كلّ من استولى على أموال الشعب أو باع ذمّته إلى الخارج"    عاجل: البرلمان الأوروبي يصادق على القرار الخاص بالوضع في تونس    حجز مبلغ من العملة الاجنبية بقيمة 4.9مليون دينار بمطار تونس قرطاج    بعد الهستيريا الاستعمارية وجرائم عشرية الخيانات الأعظم، لقد آن أوان القرارات    جربة: افتتاح الملتقى الإقليمي حول الاقتصاد الثقافي الرقمي    فرنسا – ريال مدريد : بنزيما يبدي رغبته في الانتقال إلى البطولة الأمريكية مستقبلا    نتائج تحاليل منتوج "مشروب بعصير" تظهر احتواءه على كميات كبيرة من السكر    هام: هذا سعر زيت الزيتون لهذا العام..    تونس تطرح مناقصة لشراء 100 ألف طن من القمح و100 ألف طن من علف الشعير    نابل: توزيع 1 مليون كمامة طبية على 8 مستشفيات في الجهة وعلى عدد من مستشفيات ولايات زغوان والقيروان وبنزرت    سليانة: الإحتفاظ بأربعة أشخاص من أجل تكوين وفاق للتنقيب على الآثار والتنقيب على الآثار بدون رخصة    بنزرت: توزيع 3600 لتر من الزيت النباتي يوميا في المناطق الريفية والشعبية    تواصل الحفريات بالموقع الاثري "كستيليا" بتوزر    سليم سعد الله:" كميّات الزيت المدعّم التي تمّ ضخّها غير كافية"    تلامذة ينجحون في تصنيع قمر صناعي صغير واطلاقه على ارتفاع 260 مترا فوق سطح الأرض    انطلاق مؤتمر دعم استقرار ليبيا في طرابلس بمشاركة عربية واسعة    البرلمان الأوروبي يصوت اليوم على مشروع قرار حول الوضع في تونس    دوري أبطال أوروبا: برشلونة يحقق فوزه الأول    في العاصمة: القبض على 12 شخصا مفتش عنهم..    البرلمان العربي يدين تصريحات ماكرون بخصوص الجزائر    نقابة الصحفيين تحذر من مُنتحلي صفة صحفي    غدا اختتام الدورة الثامنة لبرنامج "خطوات " السينمائي بمدينة الثقافة    ماريو دراغي: على الاتحاد الأوروبي الانتباه للاستقرار السياسي الفعال لليبيا وتونس    نحو اقرار إجباريّة التلقيح ضدّ كورونا في تونس: سمر صمود توضّح #خبر_ عاجل    تونس: هكذا سيكون الطقس اليوم    بطاقة إيداع بالسجن في حق مهدي بن غربية    القبض على منحرف محل ستة مناشير تفتيش    الروائية المصرية سهير المصادفة ل«الشروق»: الكاتبة العربية لم تأخذ ما تستحق... ونبدع في تشويه رموزنا الأدبية    «ما لم تسقط من العمر.. لمْ تعد خضراء» للشاعرعمر دغرير...متاهة الذات الشاعرة    هل نتعاطف مع الفاسدين وناهبي المال العام؟…فتحي الجموسي    بايدن يصدر قرارا جديدا يخص السفير الأمريكي بتونس    مسؤول بصندوق النقد الدولي: "تونس لديها امكانات هائلة لكنها تحتاج الى دعم حقيقي"    عين على أيام قرطاج السينمائية في السجون    "فيسبوك" تعتزم تغيير اسمها…    ياسر جرادي: أسوأ فكرة خلقها البشر هي السجن.. ولدي أمنيتان في هذا الخصوص    أحداث جامع الفتح: وزارة الشؤون الدينية توضح    تحريض واحتجاج أمام جامع الفتح.. وزارة الشؤون الدينية توضح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حسن النّوايا لا يصنع رَجُلَ دولة...
نشر في حقائق أون لاين يوم 14 - 09 - 2021

تنتشر في تونس ظاهرة عجيبة هي إطلاق الألقاب المُضخِّمة للذات، على شخصيات في مواقع الحكم المختلفة، ولكن صار الأكثر ابتذالا هو استخدام تعبير رجل دولة، الذي ينعت به المعجبون بعض الساسة لمجرد إطلاقهم تصريحا يتسم بأداء مسرحي وانفعالات مبالغ فيها واستخدام لغة تساعد على إظهارهم كما لو كانوا أصحاب مواقف صارمة، معتمدين على ضعف الذاكرة من ناحية، وحاجة الناس إلى من يخاطب غرائزهم من ناحية أخرى، ولاحظتُ في الفترة الأخيرة أنه كثيرا ما اختلط على الناس الفارق بين السياسي ورجل الدولة.

يقول الكاتب الأمريكي جيمس فريمان إن "السياسي هو الذي يفكر في الانتخابات القادمة بينما رجل الدولة يفكر في الأجيال القادمة"، وهو هنا يضع مسافة كبيرة بين الصفتين إذ أن الأول يحتاج إلى صفات لا علاقة لها بالمستقبل، وإنما تركز على الحاضر وكيفية إرضاء غرائز الناس وإظهار قدراته على تأجيج مشاعرهم حتى وإن كانت المعطيات التي يطرحها غير صحيحة ولا قابلة للتنفيذ، وتزداد شعبيته كلما زاد إحباط الناس من واقعهم، فنجدهم يتمسكون بقشة حتى وإن علموا أنها لن تنقذهم من الغرق، بينما رجل الدولة يقف على مسافة بعيدة عن السياسي، إذ أن خطابه يكون في الأغلب مسكونا بهموم المستقبل القريب والبعيد ويكون أبعد ما يكون عن تحقيق مصلحة ذاتية، ومن الطبيعي أن نجد سياسيا يقف في مصاف رجال الدولة كما أن هناك رجال دولة كانوا في مواقع السياسي، وهي حالات نادرة تاريخيا.

يستمر السياسي طيلة ركوبه على السلالم مصارعا من أجل الاحتفاظ أو الوصول إلى موقع وظيفي يمنحه الصدارة والنفوذ وربما المال أيضا، ولا يتورع عن الكذب وتزييف الأرقام والحقائق والنيل من خصومه دون وقائع تبرهن ما يقوله، بينما يبقى رجل الدولة مترفّعا عن الخصومة الشخصية، مهموما محاصرا برؤيته المستقبلية وكيفية تحقيقها.

ومن أكثر الأمثلة توضيحا لمفهوم السياسي هي التي نراها في أعضاء ما يسمى بالمجالس النيابية المنتخبة، فنجد أن الكثير من هؤلاء يمارسون أدوارا متقلّبة خلال فترات وجودهم في مؤسساتهم، وتبلّدت مشاعرهم، وتبدلت ولاءاتهم بحسب تغيير الأوضاع، بل صار منهم من يقبل عن طيب خاطر بل ويلهث للتنازل عن يمين أقسم عليه مرات عدة مقابل مزايا وعطايا مادية.

في مقابل ذلك، لا يختلف اثنان في تونس، في الطهارة السياسية لرئيس الدولة قيس سعيّد، لكن وأيضا لا اختلاف في أنه سياسي صدفة أتت به نوازع الكفر بالأحزاب والشخصيات السياسية التي انتابت ومازالت نفوس الناخبين التونسيين وخاصة منهم الشباب. وقد وجد الرجل نفسه وخاصة بعد قراراته التاريخية في الخامس والعشرين من جويلية في موضع لا يحسد عليه، تتصارعه أمواج السياسي التائه، ومركب رجل الدولة قائد السفينة الذي عليه إيصالها لشاطئ النجاة، وهو ما دفع به إلى حالة من التخبّط وغياب الرؤية، هي بالمحصّلة نتاج انعدام تأصّل الصفتين لديه، صفة رجل السياسة وصفة رجل الدولة.

لذلك فإن الحالة السياسية التي تمر بها بلادنا تجعل الارتباك فاضحا لعمق المشكلة التي تزداد مظاهرها في تنامي حالة العبث داخل المجتمع وتنامي مظاهر العنف اللفظي، إلى جانب ما نراه طاغيا في إدارة الحوارات بالمدافع والقنابل، وصارت ساحات التواصل الاجتماعي ساحة خصبة لارتفاع معدّلات الكذب السياسي، وتحوّلت إلى أداة تشكل مناخا سلبيا يصعب التحكم في نتائجه.

وفي مثل هذه الأجواء يكون من غير الممكن إحداث التمايز بين الجاد المسؤول وبين التافه اللامسؤول، ومن المؤسف حقا أن أغلبية المتداولين صاروا أكثر انجذابا نحو الحديث، البعيد عن اللغة المحترمة والحوار الهادئ، وأصبح الصراخ ودعاوى التحريض هي الأكثر سيطرة على توجهاتهم وجذبا للمتابعين، وفي هذه الفضاءات المزعجة يتجلّى الفارق الفاضح بين السياسي ورجل الدولة.

والحقيقة أنه قلّما تجد رجلا صاحب فكر ورؤية منشغلا بالمواقع الاجتماعية، رغم أنها وسيلة مثلى لتبادل الأفكار وربما تلاقحها، ولكنها في واقعنا التونسي تحولت إلى منتديات للشتائم وتبادل الاتهامات.

وشخصيا صرتُ أكثر قناعة أنه عندما يصبح الصوت صارخا وموجها للطبقات المُحبَطة تزداد أعداد المتابعين والمهتمين، ويتزايد استخدام أقذع الألفاظ في حق المختلفين والخصوم. وفي حوار تابعته ذات مرة على إحدى القنوات التلفزية، كان النقاش يدور عن كيفية وسبب زيادة أعداد المتابعين لشخص معيّن في المواقع الاجتماعية، وكان الرد مذهلا: الحديث عن قضايا مثيرة للجدل بلغة يجب أن تكون معارضة للمؤسسات القائمة لأنها تصبح متنفسا أكثر من كونها منتدى للحديث عن المستقبل وهو ما يروق للمُحبطين واليائسين.

قد لا تكون ظاهرة الخلط بين السياسي ورجل الدولة محصورة على بلدنا خصوصا، والمنطقة العربية عموما، ولكنها أكثر خطورة، لأن استخدامها صار مُعيبا وضارّا، ويُظهر ضعف حالات التراكم الإيجابي واتساع مظاهر التراكمات السلبية...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.