تونس في صدارة إنتاج الزيتون البيولوجي    مع الشروق : ولنا في الأعياد امتحانات !    عاجل/ بعد ضربة عراد وديمونة.. نتنياهو يهدد باستهداف قادة إيران..    متابعة للوضع الجوي لهذه الليلة..    إيران تعلن تحويل عقيدة قواتها المسلحة من الدفاع إلى الهجوم    بعد غياب طويل: شيرين عبد الوهاب تظهر بفيديو طريف مع ابنتها    تطورات جديدة في الحالة الصحية للفنان هاني شاكر: التفاصيل    هل تعرف ما الكمية المثالية من القهوة لتقليل التوتر؟    مصر.. تفاصيل صادمة في واقعة مذبحة الإسكندرية المروعة    إصدارات.. "السيرة الذاتية الروائية في الأدب العربي المعاصر"    تراجع ملحوظ في حوادث المرور خلال الثلاثية الأولى من السنة الجارية... والسهو وعدم الانتباه من أبرز الأسباب    الاتحاد المنستيري يقصي النادي الإفريقي من مسابقة كأس تونس لكرة القدم    عاجل-باجة اليوم: ماء الشرب ينقطع على هذه الشوارع    نابل: الوطن القبلي يفوح برائحة النارنج مع انطلاق موسم الجني والتقطير.. ودعوة إلى الترفيع في التسعيرة لضمان هامش ربح للفلاح    الزهروني: إيقاف عناصر إجرامية خطيرة وحجز مخدرات وأسلحة بيضاء    وزير أمريكي يعلق على التناقض الكبير في تصريحات ترامب بين إعلان النصر وإنذاره طهران لفتح مضيق هرمز    عاجل: إيران تهدّد بإغلاق مضيق هرمز بالكامل...شنّوة ينجم يصير في جيب التونسي؟    الرئيس اللبناني يدين استهداف إسرائيل البنى التحتية والمنشآت الحيوية    وقتاش ينجم يكون ''العيد الكبير''؟    كأس تونس: شكون تعدى وشكون لا؟    معهد الإحصاء.. نسبة الولادات القيصرية في تونس بلغت 44,4 بالمائة    وزارة المالية تكشف أسباب رفض تأمين السيارات القديمة    شنّوة الشهر الي يجي بعد شوال؟    مع نهاية عطلة العيد: كيفاش باش تكون أحوال الطقس بداية الأسبوع ؟    شركة النقل بقفصة تدعو حرفاءها للحجز المسبق    ملتقى التوظيف بالمدرسة العليا للتجارة بتونس يسلط الضوء على سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي    اللاعب السينغالي إدريسا غي يعرب عن استعداده لإعادة ميداليات 'الكان' إلى المغرب!    تاكل في 10 دقايق؟ قلبك في خطر!    لقاء "المجتمع المدني والمناطق الرطبة" المتوسطي من 24 الى 26 مارس 2026 بتونس    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    من مضيق هرمز إلى تونس: حين تُوجّه الجغرافيا التاريخ و الحاضر    دول الاتحاد من أجل المتوسط تعتمد ثلاث استراتيجيات مائية لتعزيز الحوكمة الإقليمية حتى 2030    وقتاش يدخل الصيف؟    اكتشاف طبيعي: حاجة في الكوجينة تحميك من السكري والسرطان    رمضان في المراقبة: أكثر من 400 طن مواد غذائية تالفة تحجزت    يهمّك: تونس تعود إلى التوقيت الشتوي بعد عيد الفطر    الترجي والنجم الساحلي في قاعة الزواوي...وين تنجم تتفرّج ووقتاش؟    عاجل: سقوط مروحية في قطر ووفاة 6 أشخاص    تونس تتوقع استقطاب استثمارات أجنبية بقيمة 4 مليارات دينار في 2026    عاجل/ قتلى في تحطم مروحية بهذه المنطقة..    اليوم في زواوي: مواجهتان للترجي، الإثارة مضمونة...التفاصيل    وزارة التربية تبرمج 276 رحلة مدرسية لفائدة تلاميذ الأرياف والأحياء الشعبية    السويسري إيهامر يحطم الرقم القياسي لمسابقة السباعي في مونديال ألعاب القوى داخل القاعة    بعد غلق مضيق هرمز.. إيران ترد على تهديدات ترامب    الاتحاد المنستيري يلاقي النادي الإفريقي في قمة مباريات الأحد    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    تكاملت فيه كل المكوّنات... مسلسل «حياة» يعيد الحياة للدراما التلفزية التونسية    اتحاد الناشرين التونسيين يطلق أول معرض دوري للكتاب تحت شعار "اقرأ لتبني"    الليلة.. انخفاض طفيف في درجات الحرارة    ديوان الخدمات الجامعية للشمال ينظم الدورة الرابعة لملتقى الطلبة الدوليين من 24 الى 27مارس لفائدة 150 طالبا/ة    تحرّك عاجل من وزارة العدل إثر زيارة مفاجئة لمركز إصلاح بسيدي الهاني    قرارات غلق صارمة في تونس الكبرى لمكافحة الاحتكار وحماية القدرة الشرائية    وزارة النقل تدعو المترشحين لمناظرة انتداب 6 متصرفين إلى إيداع ملفاتهم قبل 17 أفريل    التشكيلة المتوقعة للترجي في مواجهة الأهلي الليلة    سيدي بوزيد: الدورة ال 27 من مهرجان ربيع الطفل بالمزونة من 24 الى 26 مارس    اليوم: دخول مجاني للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية والمتاحف المفتوحة    تونس; الجمعة 20 مارس هو أول أيام عيد الفطر المبارك    وزارة الصحة تكشف عن حزمة من الإجراءات لفائدة الصيدلية المركزية لتأمين التزوّد بالأدوية الحيوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عطب الذاكرة في تونس
نشر في الشاهد يوم 24 - 04 - 2014

تشير احدى البرقيات التي نشرت على موقع ويكيليكس قبل اشهر قليلة من هروب الرئيس التونسي المخلوع بن علي من بلاده في اعقاب موجة احتجاجات غير مسبوقة، الى عشاء فاخر جمع صيف العام 2009 روبرت غوديك السفير الامريكي المعتمد في العاصمة تونس في ذلك الوقت بصخر الماطري صهر بن علي، وأحد اقوى المرشحين السابقين لخلافته، وذلك بمنزله المطل على البحر بالحمامات. في البرقية اسهاب في الحديث عن تفاصيل صغيرة من قبيل ان ‘المكان كان يمتلىء بالاشياء' و'بتحف فنية قديمة من اعمدة رومانية ولوحات جصية ورأس اسد تنبع منها المياه وتصب في بركة'. كما لا تغيب عنها ايضا ملاحظة السفير بان ‘للماطري نمرا ضخما يسمى باشا، في قفص بمنزله وهو في حوزته منذ ان كان عمر النمر اسابيع ويتناول اي النمر، اربع دجاجات يوميا'، كما يوجد وصف لقائمة الطعام المعروض ومنها ‘الايس كريم والزبادي القادم من سانت تروبيه على شاطىء الريفيرا الفرنسي'.
المعطيات الدقيقة حول الثراء الفاحش وحياة البذخ التي كان يعيشها صهر الرئيس وافراد عائلته لا تتضمن في المقابل على تنوعها واغراقها الشديد في كثير من الجزئيات، معلومات بشأن قطعة اثرية نادرة هي قناع ‘غورغون' الذي سلمته السلطات التونسية الى وزيرة الثقافة الجزائرية خلال زيارتها الاخيرة الى تونس. والقناع المذكور هو تحفة فنية واثرية تعود الى العصر الروماني تم نهبها عام 1996 من متحف هيبون قرب مدينة عنابة الجزائرية ليعثر عليها في الاسابيع الاولى التي تلت هروب بن علي في احد منازل صهره صخر ضمن عدد من التحف والمقتنيات النادرة والثمينة.
ومن المؤكد ان الديبولوماسي الامريكي سوف لن يعدم حيلة او عذرا ليبرر عدم انتباهه الى القناع المسروق او معرفته به في تلك السهرة الملكية الفاخرة. لكن الحقيقة التي لن يستطيع تجاهلها او الاستمرار طويلا بانكارها، هي انه كان على علم تام ومسبق بالفساد المستشري في تونس وبحالات النهب والسلب التي كانت تمارسها العصابة الرئاسية ومن دار في فلكها على جميع ما تقع عليه ايديها من مصادر الثروة والكسب السريع والمشبوه. ولعل ما يذكره تقرير حديث اصدره البنك الدولي في السابع والعشرين من اذار/مارس الماضي من ان ربع ارباح القطاع الخاص في تونس كانت تحتكره عائلة الرئيس المخلوع بن علي، بفضل تشريعات وانظمة وضعت خصيصا لحماية مصالحها من التنافسية، ليس سوى جزء بسيط من تلك الحقيقة الصادمة والمنسية لان ما خفي كان بالقطع أعظم.
الصهر الشاب الذي لم يتجاوز بعد عقده الثالث، يستمتع الان بقضاء عطلة في جزر السيشيل ذات الطبيعة الخلابة بعد ان مددت له السلطات في الخامس والعشرين من اذار/مارس الماضي تصريحا للاقامة في اراضيها لمدة عام اخر بحجة انه ‘يمكن ان يتعرض للاضطهاد ولن يحظى بمحاكمة عادلة في تونس′ اين تلاحقه احكام بالسجن بتهم الفساد والاختلاس وتبييض الاموال.
قرار السلطات السيشيلية لم يحدث ادنى ضجة تذكر، والمساحة التي أخذها خبر نشره في الصحف التونسية لم يتجاوز الاسطر القليلة. ما تبقى بعد ذلك هو فقط ما يعلمه معظم التونسيين من ان الدولة قد صادرت معظم ممتلكاته في البلاد مثل غيره من افراد العائلة. لكن ما يلفت الانتباه الان في تونس، بعد كل ما جرى هو ان الحديث عن ذلك الزمن الاسود الذي لم يمض عليه سوى بضعة اعوام فقط، لم يعد يجذب نفس القدر من الاهتمام عدى ما تبديه فئة محدودة بين الحين والاخر من مشاعر حنين وشوق الى ايام ‘الزين' بثقة وتبجح.
شيئا فشيئا وبمرور الايام يسقط التونسيون في حالة قد لا تختلف كثيرا عن تلك التي يصاب بها مرضى الزهايمر، اذ تضعف ذاكرتهم ويصيبها التلف، مما يجعلهم يتوهمون الماضي صفحة ناصعة البياض لم تتلطخ بعد بالجرائم والمآسي. يقودهم الى ذلك هذا الغموض الذي يلف الحاضر والمستقبل ويلقي ضبابا كثيفا على واقع اختلطت فيه الامور لتنقلب الادوار بشكل سريالي مفزع جعل الضحية جلادا والجلاد حملا وديعا لا اثام له ولا جرائر وكل ذلك تحت لواء هذه المصالحة الصعبة وهذا الوفاق الوطني الثمين.
لقد وصفت وزيرة الثقافة الجزائرية عملية السطو على قناع ‘غورغون' في التسعينات بانها بمثابة' الخنجر في الظهر'، حيث ‘نهبت اثار الجزائر في نزيف تراثي حقيقي عندما كان هذا الشعب يجاهد للحفاظ على هويته ووحدته'. ما يحصل الان في تونس يفوق ذلك خطورة ومرارة لان الامر لم يعد متعلقا بنهب الاثار فحسب، بل هناك نهب سرطاني واسع لما تبقى من ذاكرة التونسيين وسط غبار قصف اعلامي متواصل وانشغال تام ومحموم بمصير جيوب يتهددها شبح الافلاس وصناديق اقتراع تبحث باكرا عن الاصوات. تبادل الاتهامات هنا حول المتسبب في وصول البلد الى هذه الحالة يمنح املا جديدا لكل المجرمين بان تطمس بشكل نهائي اخر المعالم الباقية لجرائمهم من خلال مساواتها بالاخطاء التي ارتكبها اسلافهم في مراحل الانتقال الديمقراطي التي تلت رحيلهم.
والاشكال الحقيقي الذي قد تجد تونس نفسها بمواجهته قريبا هو ان كان الانطلاق نحو المستقبل مفتوحا وممكنا بذاكرة معطوبة.
لقد كانت نهاية حكم بن علي بحسب مجلة ‘فورين بوليسي' اولى ثورات ويكيليكس، وقد يكون اصلاح ذاكرة التونسيين بعد ذلك اولى ثوراتهم واكثرها مشقة وصعوبة.
عن القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.