أن نكون أو لا نكون، هكذا قال شكسبير في تلك الأيام الغابرة، أما عالم الاجتماع بيار بورديو فقد جعل السؤال الشكسبيري أكثر التصاقا بواقعنا الراهن حين قال: «أن نكون مرئيين على شاشة التلفزيون أو لا نكون، هذا هو السؤال»، وهي عبارة نجد تأكيدا لها على الارض اليوم، حين نرى الديمقراطية اليمينية الجديدة تنكر وجود المعذبين في الارض ماداموا لم يظهروا في الصورة، وتكتم اصوات من يدّعي وجودهم حتى يثبته بصورة، ثم تشكك في المصور وفي آلة التصوير، وتعمل على محو الصورة والصوت، أي على قتل الشاهد والشهيد، وكأنها لا ترى تحققها الا حيث لا عين ولا فم، باستثناء عينها هي وفمها هي. الامر الذي يفقدها شرطا من أهم شروط الديمقراطية: القبول بالتعدد والاختلاف. راودتني هذه الخواطر بعد جلسة من تلك الجلسات الجانبية التي يتيحها لنا معرض تونس للكتاب، وأنا أستمع الى صديق عراقي يروي لنا آخر النكات التي جاء بها من هنا. أذكر أنّ إحدى هذه النكات بدت لي أفضل تعبير عما أصاب الديمقراطية العالمية هذه الأيام، حين وقعت في أيدي «لوبيات» النفط والسلاح، فإذا هي أشدّ على الحرية من قبضة الجلاد. نسيت تفاصيل النكتة كعادتي، لكني قرّرت أن أعرضها على قرّائي حتى لو تطلب الامر أن اخترعها من جديد. وها أنا أفعل: استبشر البعض خيرا ببركات «العناية الامريكية» بعد ان تم اقناعهم بأنها جزء من «العناية الالهية»، وسال لعاب ديمقراطي كثير يمسح وجه الارض لعله يمحو بقع الدم، وخرجت الجموع الى الأسواق بحثا عمّا كان مفقودا. فاذا البضاعة الوحيدة الرائجة: كلمة الديمقراطية Made in USA. فتواصوا بالصبر صدقوا من قال لهم أبشروا فهذه البضاعة متوفرة وبأرخص الأثمان. وهل أرخص من بضاعة لا تتطلب غير سذاجة الزبون؟ ثم أنهم طلبوا هذه البضاعة فلم يجدوها الا في الشعارات المرفوعة في الجرائد والاذاعات والتلفزيونات. يصاب أحدهم بطلقة قنّاص فيتم تشييعه بندوة صحفية. يشتد الجوع بأحدهم فيدمغه احدهم بجريدة. حتى كدنا نرى عدد الصحف والفضائيات بعدد أيام السنة. ولا فائدة من إضاعة الوقت في تبيان كثرتها وقلة بركتها أو التلميح الى تحويلها الى مجرد «كاباريهات» لانتاج الغيبوبة و»سردنة» الأدمغة (وفي لغة أخرى: تحويل الأدمغة الى علب سردين)، حتى أصبح الناس يكذبون واقعهم ويصدقون جرائدهم وتلفزيوناتهم. لم يمت لهم أحد مادام نعيه لم ينشر في جريدة. انهم غير بؤساء ماداموا سعداء في ستار أكاديمي. لا يوجد تعذيب في غوانتانامو ولا في أبي غريب مادامت الكاميرا لم تصوره. كلهم مع بوش ضدّ شعبهم، أو مع شارون ضدّ أرضهم، أو مع الشيطان ضدّ المخيّر فيهم، مادام هذا ما تعكسه أجهزة الاعلام المسؤولة، أما الاخرى التي تقول عكس ذلك، فهي «مراهقة»، بل هي ارهابية او من أتباع القاعدة، ولا يهمّ إن كانت لا تعرف هل «القاعدة» المقصودة قاعدة طيران أم قاعدة هندسية. شيئا فشيئا، أصبح الكثيرون يسمّون بناتهم «ديمقراطية» أو «جريدة» وأولادهم «قناة» أو «تلفزيون». بعضهم تجرّأ فسمى كلبه «دش» أو «بارابول». بل أن البعض أصبح يفضّل لفّ طفله الرضيع في أوراق الجرائد، كما اعتاد آخرون أن يطعموا أولادهم برائحة الحبر وصرير المطابع وعناوين الصفحات الاولى، ويقال والعهدة على الرواة، إنّ عادة جديدة أخذت تتصدر المشهد، عملا بالاصلاح الذي يدعو اليه نيرون الجديد. وتتمثل هذه العادة في أن يعمد أهل «العروس» الشرق أوسطية الى لفّ ابنتهم بأوراق الجرائد كلما كانت نحيلة نحيفة هزيلة، ومن مزايا لفلفة العرائس في ورق الجرائد (المنتفخ بفعل الأكاذيب طبعا) ان يبدين سمينات مكتنزات، متمتعات بتلك «التكورات» المحبذة (شرقيا) في كل أنثى تحترم نفسها. ويحكى أنّ عروسا تسمى ديمقراطية لفلفت بأوراق الجرائد على هذه الشاكلة وزُفّت الى عريسها «تلفزيون» في احتفال ديمقراطي بهيج، ثم تفرق المدعوون. إلاّ أن التليفون أيقظ والدها في الهزيع الأخير من الليل. مساء الخير... آآآ... صباح الخير يا عمّي. ما الأمر يا صهري العزيز؟ لا شيء... لا شيء... بسّ لو تفضّلت يعني... ما الحكاية؟ هل حدث لديمقراطية شيء؟؟ لا، لا... بسّ... أنا أريد تقبيلها. وماذا في ذلك؟ لقد زوّجناك ابنتنا وهي الآن حلال عليك. المشكلة أنها ملفلفة في كل هذه الجرائد، وأنا أبحث عن فمها منذ ساعات. ماذا؟ أرجوك يا عمّي... لو تفضلت، يعني، وتكرّمت، هل يمكن أن تقول لي، فم ابنتك ديمقراطية في أي صفحة؟؟