قيس سعيد: مجهودات كبيرة تبذل للعودة بالتونسيين العالقين في الخارج    إستئناف العلاقة التعاقدية بين ال"كنام" ونقابة الصيدليات الخاصة    التوزيع الجغرافي للمصابين بفيروس كورونا    حمدون:”دفن المتوفين بفيروس كورونا في المقابرلا ينقل العدوى”    وفاة رئيس الوزراء الليبي السابق محمود جبريل بسبب كورونا    يوميات مواطن حر: نُقّاد السمع والبصر    محمد الحامدي : وزارة التربية منفتحة على الصحفيين دون قيود    التشكيلات العسكرية تنفّذ 1200 دورية نهاية الأسبوع الفارط.. وتشرع اليوم في إيصال المساعدات إلى نقاط التجميع    القلعة الكبرى: إنفجار قارورة غاز بمنزل    فكرة: قيس سعيد ينحاز للشعب ويترّحم على المجاهد الأكبر    على طريق عقارب منزل شاكر: إنقلاب سيارة إسعاف    الرئيس الألماني لسعيّد: "لا يمكن للحجر أن يتواصل دون انقطاع"    مسؤول قطري: مصر رفضت استقبال مواطنين يرغبون في العودة    فيروس كورونا يفتك بوالدة غوارديولا    صفاقس: غلق سوق الأسماك بباب الجبلي مجددا بسبب الاكتظاظ    الصيدلية المركزية تعلن: سنتمكن من صنع حوالي 30 مليون كمامة في ظرف 15 يوما    هذه الليلة: بعض السحب والحرارة تتراوح بين 6 درجات و16 درجة    مؤشر المرونة العالمي.. تونس في المرتبة 90 ومرونتها الاقتصادية ضعيفة    الوكالة الوطنية للسلامة المعلوماتية تحذر من نشر المعلومات الخاصة بالإجتماعات والدروس عن بعد    في اجتماع لجنة الأمن والدفاع.. تأكيد على أهمية تمكين الامنيين والعسكريين من المعدّات والوسائل الوقائية    "شوفلي فن" بداية من الليلة على الوطنية 2 ..    تدهور صحة روني الطرابلسي المصاب بالكورونا: شقيقه يُوضّح    كتاب اليوم..مجمع الكتّاب التونسيين    فان ديك: أريد أن أكون أسطورة في ليفربول    هذا ما قاله سعيد للفخفاخ في اجتماع اليوم    تعزيز التعاون القضائي بين تونس والولايات المتحدة محور لقاء وزيرة العدل بالسفير الأمريكي    المدير التنفيذي للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات: 61 بالمائة من مواطن الشغل في تونس مهدّدة بسبب "كورونا"    تونس: تعافي 4 أشخاص من فيروس كورونا    أبو ذاكر الصفايحي يكتب لكم : رسالة مضمونة الى "الفونة يوسفونة"    يسدّد طعنتين على مستوى القلب لشقيقه    بداية من الليلة: التخفيض في أسعار البنزين    أمين محفوظ:الفخفاخ لا يمكنه إصدار المراسيم حاليا    فكرة : 30 مليما خليوهم عندكم    مدنين.. ايداع 12شخصا سجن حربوب    حارس مرمى ريال مدريد سابقا يهزم كورونا    نحو التخفيض في اسعار هذه المواد بداية من شهر رمضان    بالخير.. راعي أغنام يعثر على قرابة ألف طلقة من بقايا الحرب العالمية الثانية    عمدة يوزّع السميد على أقاربه وآخر يستولي على الكميّة.. الكشف عن فساد مسؤولين محليين    خالفوا الحجر الصحّي وحظر التجوّل: ايداع 46 شخصا بالسجن وإحالة 72 آخرين بحالة سراح    وزير الفلاحة يعقد جلسة عمل مع المجمع المهني المشترك للخضر    فيفا يوصى بتخفيض رواتب اللاعبين خلال فترة فيروس كورونا    سفيان سفطة ل"الصباح نيوز" : "البلوزة البيضاء" هدية دعم للجيش الأبيض.. ورباعي الأغنية جمعه حب تونس    أنس جابر من نيويورك : "أفكر في الرقص للحفاظ على لياقتي البدنية"    سمير الوافي يعتذر من الزوجة الأولى لبن علي    نيرمين صفر : "كتيبة عقبة الارهابية تهددني بالقتل"    عبد اللطيف المكي : "ستطير الطائرة إلى الصين لتأتي بالبضاعة بإذن الله ولا صحة لغير ذلك"    برشلونة يستهدف ثلاثة لاعبين من البطولة الهولندية    ما هي حقيقة وفاة تركي آل الشيخ بفيروس كورونا ؟    منوبة : أربع إصابات عدوى إضافية بفيروس كورونا في الجهة    الجاليات الأجنبية بالكويت تقاضي الفنانة حياة الفهد بعد مطالبتها برميهم في الصحراء    الملكة إليزابيث تعد بانتصار بريطانيا على كورونا    حصيلة حملات الشرطة البلدية على امتداد ال24 ساعة الأخيرة    بايرن مونيخ يعاود التمارين بطريقة مبتكرة    الروبوتات بديل للطلبة في حفل تخرج جامعة يابانية    الاتحاد الإفريقي: نحو 20 مليون وظيفة مهددة في القارة بسبب وباء كورونا    توزر: سائق سيارة يدهس عون حرس ويلوذ بالفرار    لأوّل مرّة في التاريخ، الأذان يرفع في العاصمة الألمانيّة برلين، كيف ولماذا..؟!    مصمم إيطالي قتله كورونا وتبرع ب100 ألف يورو لمكافحته    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





د. صالح خليفة صاحب أضخم مدوّنة شعريّة في التّاريخ: كلّهم لصوص لا يجيدون نظم الشّعر
نشر في الشروق يوم 11 - 09 - 2014

نظم أربعمائة الف (400.000) بيت شعري باللسان الفرنسي واصدر الى حد الان عددا هائلا من دواوين الشعر بفرنسا وتونس وهكذا اصبح صاحب اضخم مدونة شعريّة في التاريخ البشري.. هو الدكتور صالح خليفة..
1) بلغت حتى الآن أربعمائة ألف (400.000) بيت من الشعر وهذا رقم لم يسبقك إليه أي شاعر حتى الآن وعلى امتداد تاريخ البشرية، لو توضح لنا كيف انطلقت فكرة المشروع ومتى بالضبط؟
في سن مبكرة من حياتي أيقنت حقائق عدة منها مكانة اللغة الفرنسية في المناهج التعليمية إذ كانت بها تدرس كل العلوم والفنون وكنا ندرس العربية على أساس أنها لغة أجنبية في المدرسة الفرنكو عربية (franco-arabe) وهنا نلاحظ أن كلمة فرنكو تسبق عربية، أيقنت حينئذ أن عليّ الاعتناء بهذه اللغة الأجنبية خصوصا أن أبي (الذي درس هو أيضا في المدارس الفرنسية) عبّد الطريق أمامي بكتبه العديدة وقواميسه المختلفة ونصائحه وتفتحه على حضارة فرنسا.
وحتى أنجح في دراستي عليّ إذن أن أشحذ هذا السلاح الذي به تجتاز كل ميادين المعرفة فإن كان سلاحك مشروخا ما استطعت خوض أي معركة تذكر.
أما اليقين الثاني فهو يتعلق بمواهبي ذلك أني كنت أشعر دوما بارتياح كبير في دروس الفرنسية والتي تلقى بالفرنسية (ولو أني احتللت الرتب الأولى في العلوم الأخرى) وهكذا شغفت بهذه اللغة شغفا قل نظيره.
ثم إني بدأت أنظم الشعر في بداية المرحلة الثانوية (lycée) بسوسة ولا بد أن أذكر ما كان يقول لنا معلمونا الفرنسيون في المدرسة الابتدائية الفرنكو عربية فكم من مرة ردد لنا موسيو Amet أن فكتور هيڤو (Victor Hugo) هو أعظم شاعر عرفته البشرية وكم من مرة أكد لنا مسيو Carayon أن "العملاق" نظم 120.000 بيت شعر فكانت كلمة عملاق ترن في أذنيّ وتحملني بعيدا بعيدا فأقول في نفسي "لم لا أصبح مثله؟"
وجب عليّ حتما أن أصقل اللغة الفرنسية من حيث هي سلاح. بعد حصولي على الشهادة الابتدائية بقصيبة المديوني والتحاقي بlycée سوسة أصبح لديّ يقين آخر: استطاع العملاق الكتابة بهذه الغزارة لأنه حافظ نسبيا على استقلاله الفكري باستقلاله المالي فعليّ وجوبا أن أضمن لنفسي حياة حرة لا يكبّلها أحد بمال ولا سلطان والسبيل إلى ذلك يمرّ بنجاحي في كل الامتحانات العلمية التي عليّ اجتيازها.
وامتلاكي للغة الفرنسية – هذا السلاح المشحوذ باستمرار – مكّنني فعلا من إحراز كل الشهادات الأكاديمية التي تمنح في فرنسا (بدءا بالشهادة الابتدائية وانتهاء بدكتوراه الدولة من جامعة ليون III).
جنّبت نفسي حينئذ مذلة السؤال وترقب عطايا ذوي الجاه أو المال فمنذ سن الحادية والعشرين (بعد التحاقي بدار المعلّمين العليا بتونس) أصبحت أتقاضى راتبا منتظما يكفي لحياة كريمة عفيفة وإنتاج فكري متواصل.
عندما كنت صغيرا في المرحلة الابتدائية ناجحا كان يقول لي والدي: "أكبر عدو لتلميذ مثلك هو التدخين" فما دخّنت قط وفي مرحلة المراهقة (وكنت تلميذا داخليا في مبيت الlycée) أي بعيدا عن عائلتي) كان يردد بحزم أنّ ألدّ عدو لكل تلميذ هو تعاطي الشرب ومعاقرة الخمور فتحاشيت الشرب والتدخين. في عقلي نقش أبي أنّ التدخين والشرب يخربان الفكر ويدمران كل ملكة لدى الإنسان تدميرا فلا يمكن أن أنسى نصائحه العديدة المختلفة أبدا في شتى ميادين الحياة.
لو جمعت الموهبة الفطرية مع رعايتها وصيانتها بإبعادها عن كل ما يعيقها وجمعت رصيدي في اللغة التي لولاها ما استطعت تحقيق حريتي المادية ولا استقلالي الذاتي عن الآخرين لفهمت بيسر تواصل إبداعاتي وغزارتها الفريدة.
انطلقت فكرة المشروع منذ المرحلة الثانوية إذ كان عليّ أن أختار وقتها بين نظم الشعر ونشره ومواصلة دراستي فاخترت الدراسة طبعا لأنشر ما أكتب فيما بعد.
كنت أسير بخطى رصينة إلى أن التقيت بالبروفسور عبد الرزاق بنور (أستاذ الألسنية بجامعة منوبة) بعد أن كتب وما كان يعرفني (في la Presse 30/06/ و07/07/2003) "تفوّق عليهم جميعا في لغاتهم وروائعهم"، قلت له عند أول لقاء: "لماذا كتبت لغاتهم؟ هل هو خطأ مطبعي؟" أكد لي أنه مطلع على روائع كل الغرب إذ أنه يتقن الإنكليزية والألمانية والإيطالية والإسبانية مع الفرنسية والعربية فأكد لي أني تجاوزتهم جميعا من حيث جودة الكتابة والنظم فقلت "وحتى من حيث الغزارة سوف أتجاوز العملاق Victor Hugo" فارتعش وانتصب على كرسيّه في المقهى وقال بحزم مذهولا "لا يأخذنّك الغرور إلى هذا الحد، لا يمكن أن يحصل هذا، ألا تعرف أنه أغزر شعراء العالم بأسره نظما؟" فقلت طبعا، ورصيده 120.000 بيت ويقال أحيانا 140.000 بيت" فقال "لله درك، إنك تعرف عنه كل شيء"، قلت "في فنون الحرب على كلّ خصم معرفة نقاط ضعف خصمه ونقاط قوته وإلا دخل الميدان مهزوما سلفا" قال: "ما نقاط ضعفه؟" قلت: "الشّبق والرّكض وراء النساء (أكانت مومسات في المواخير أم خادمات عنده) وشحّ النفس إلى حدّ القذارة" قال: "وما هي نقاط قوته؟" قلت: "الكتابة باستمرار عشرين ساعة في اليوم على امتداد السنين مع عطلة بثلاثة أسابيع في كل عام". قال: "يكفي، إنك تعرف عنه أكثر مما يعرف بعض المختصين في الأدب الفرنسي ورغم هذا كلّه لا يمكن لمدوّنتك البالغ عدد أبياتها سبعين ألفا أن تتفوّق على مدوّنته."
رجعت إلى تونس بعد خمسة أشهر فدعوته لرشف قهوة أو نقع شاي في أحد مقاهي المنزه حيث أسكن. جاء وتجاذبنا أطراف الحديث ومنكبي على كراس أغلقته قبيل مجيئه فقال: "ما هذا الكرّاس ؟" قلت: "فيه أكتب شعرا". نظر إلى بطاقة الغلاف عليها اسمي وعنواني وعدد الأبيات التي نظمتها إلى ذلك التاريخ وقرأ 100.000 فصاح: "ماذا أقرأ؟" قلت ما قرأت هو ما قرأت" فوضع يديه على الطاولة وقال: "أنت بازّ له لا محالة".
من دون شطط بإمكاني القول إذن إن فكرة المشروع اتضحت بعد معرفتي الأولى بالدكتور بنور ثم أصبحت أكثر جلاء بعد لقائنا الثاني (ديسمبر 2003).
2) غايتك الآن هي تحقيق ½ مليون بيت من الشعر وبذلك تدخل Guinness للأرقام القياسية، ألا ترى أن الأمر متعب ويتطلب كثيرا من الجهد والوقت؟ ثم هل أنت واثق من أنك ستصل هذا الرقم؟
لو أردت الولوج إلى Guinness لفعلت بكل يسر بعد حوارنا الأول أي منذ عشر سنوات بما أني تجاوزت مدوّنة العملاق بعشرين ألفا فأين مدونته الآن من مدونتي الشعرية إذ تجاوزته بأكثر من ثلاث مرات.
إني لا أبحث إذن عن الدّخول إلى موسوعة Guinness بقدر ما أبحث عن مجد هذه الأمة التي إليها أنتمي.
دخلت الإمارات العربية الموسوعة ببناء أعلى برج معماري في العالم، نعم هذا جميل وهل سيبقى طويلا؟ من هم المهندسون المعماريون؟ أليسوا أجانب؟ من هم العمال؟ أليسوا أجانب؟ كم هي تكلفة هذا الصرح؟
كتبت في مقدمة ديوان "أبيات الأسود X" والله العليم العلاّم لو أردت أن أنظم مليون بيت شعر لفعلت..."، إنها الإرادة، إنه التوفيق من العلاّم، إنه الأخذ بالأسباب، إنه التحدي لهذا الغرب العنصري وخاصة لفرنسا الاستعمارية التي غرست في قلوب جلّ من تتلمذوا في مدارسها الخنوع والذلة والمسكنة والهوان وعدم الثقة بالنفس فما اعتزّوا بذويهم ولا بمنبتهم، لماذا ترى جلّ الرؤساء تلاميذ فرنسا متزوجين بفرنسيّات؟ وكذلك كبار موظفي الدولة بعيد الاستقلال؟ ألم يكن بوسعهم التزوج من بنات جلدتهم؟ لا بل إنهنّ متخلفات وهم تحضّروا وتقدّموا في مدارس فرنسا؟ أبناء فرنسا البررة لا يتزوجون "بأهليات" (indigènes)، "الأهليون" (هكذا كان يقول عنا المستعمر الفرنسي العنصري) تكبروا عن "الأهليات" فارتموا في أحضان "الأم الحنون" فرنسا فأصبحوا إلى بناتها أقرب منهم إلى بنات أحيائهم أو بنات قراهم أو بنات مدنهم، بكل بساطة تنكّروا إلى منبتهم وانبتّوا عن الأصل بحكم طول الدراسة في معاهد فرنسا وقلة الإيمان بالذات والهوية والتاريخ والوطن.
أمّا من يعمل للأمّة فيستهين بالعقبات مهما تكن كؤودا لأنّ الوطن العريض يستأهل أن نهب له جزءا بسيطا من خيراته التي منّ بها علينا.
إنه التحدي لمن غرس الإحباط في قلوبنا واحتقار أنفسنا بأنفسنا فأقول لمن شيّد أعلى برج "عربي" بارك الله فيك، إنك على الأقل لم تهرّب هذه الأموال خارج الوطن ومتى تصبح تثق بأبناء جلدتك من أصحاب النزاهة والكفاءة؟
إنها الثقة الكاملة بالنفس والاطمئنان والإيمان بقدر الأمة العريقة التي إليها أنتمي وبالقيم والدين اللّذين بهما أؤمن، كل ذلك يدفعني إلى المضي قدما لأكمل قدري، كل ذلك يملي عليّ أن أترك في أمتي مدوّنة شعرية لا يرقى لها أحد، أكتبها بلغة تعلّمتها في قصيبة المديوني إذ مثّل جيلي آخر جيل تعلّم في مدارس الاحتلال الفرنسي وأعدك أن أصل إلى نصف المليون بيت في القريب العاجل إن شاء ربنا تعالى أن يبقيني حيّا.
3) تكتب باللسان الفرنسي، ولكن بإحساس عربي، كما تقول دائما، ولكنك تجاوزت مجرد الإحساس لتكتب الشعر الفرنسي بإيقاعات عربية، كيف ذلك؟
كل الأدب الفرنسي الذي درسنا تحدث من دون استثناء عن معتقدات فرنسا وقيم فرنسا فلا وجود لحياة العرب والمسلمين إلا في صورة مشوهة بشعة مثل الغدر والخيانة والتهور والتخلف.
أتذكّر درسا في الأدب الفرنسي أبكانا وأحزننا وكنّا صغارا لا تتجاوز أعمارنا الثانية عشرة، أنشودة رولان (Roland) ملحمة تحكي جسارة ابن أخت شارلمان وحكمة صديقه أوليفيي (Olivier) أمام الأعداء الغادرين الكفرة ذوي البشرة السمراء بمكان Roncevaux (أودية الأشواك) شمالي إسبانيا فكنّا نتخيّل جبال Pyrénées وأوديتها الضيقة المظلمة ونهاية البطل Roland تحت ضربات الهمّج الغازين لإسبانيا وبما كنا للتاريخ جاهلين تعاطفنا مع المغدور Roland وصديقه وجيشه الصغير وإلى الآن أتذكر النهاية لأبطال الملحمة الإفرنجية المحزنة والأشلاء المنثورة والدماء السائلة والخيول المبعوجة أو الشاردة والسحب المدلهمة.
منذ الصّغر انتابتني مشاعر كلّ فرنسي في عمري أصيل، فرحت لفرح فرنسا وحزنت لحزن فرنسا؛ نعم، في صغري وفي شبابي وحتى في مرحلة متقدمة لازمني شعور متجذر بالانتماء إلى "الأم الحنون" فرنسا ما شعرت بالانتماء إلى أمتي الأصلية إلا في نكبة 5 جوان 1967، استيقضنا يومها في الصباح الباكر، كلّ إذاعات العرب عدلت برامجها إلا إذاعة تونس فكانت تبث أغنية شعبية ركيكة وكأن الأمور عادية هناك في الشرق العربي، نزلنا إلى الشوارع وانتفضنا انطلاقا من شارع حسين بوزيان فأرغمنا النظام على الانخراط في الحرب وحدث ما يعرفه الجميع... كانت نكبة 5 جوان 1967 تاريخا فارقا أحسست وقتها أنني إلى أمة مظلومة مقهورة أنتمي استعمرها المستعمرون نتيجة فسوق ملوكها وفجور وزرائهم والفساد المستشري في كل الأرجاء.
في هذه الفترة كنت أعدّ نفسي لحياة كريمة حتى أتعفّف عن السلطان والأقوياء الظالمين فأكتب ضد كلّ معتد أثيم مهما يكن أصله أو نسبه؛ تقرأ لي قصائد في نقد أولئك الذين تربعوا على دموع المستضعفين في الأرض وعرقهم ودمائهم وعرضهم ولم يسلم من قلمي أحد منهم لا في القديم ولا في الحديث المعاصر المعيش فتهكمت على الآلهة والإلاهات وأنصاف الآلهة مستعملا قاموسي الميثولوجي الواسع لأشهر بهم جميعا.
إحساس عربي ولد في بلاد كبّلها ملوكها وزادها الاستعمار تكبيلا فوق تكبيل، إحساس عربي ولد في أمّة جلّ ملوكها وأسيادها منحرفون موالون لهذا الغرب اللاهث وراء أطماعه والذي لا يؤمن إلا بجمع الأموال غير عابئ بالقيم الأخلاقية الإنسانية، إحساس عربي اكتشف أنّ جلّ ما درس في فرنسا كان (ومازال) ينطلق من مصالحها المادية البحتة فطالما لم تعارضها في مصالحها الحيوية أنت مواطن صالح، وتصير إرهابيا في الوقت الذي تظهر معارضتك لها فالفلسطيني الذي يدافع عن أرضه وأرض أجداده إرهابي وأنا الذي أدافع عن القضية الأم لا أتوج حتى لا أشعّ ولا يسمع لي صوت ولا قول، إحساس عربي اكتشف زيف أغلب ما يروّج عن الحضارة الفرنسية (والغربية من ورائها)، هل تعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تدخل الحرب العالمية الثانية إلا بعد أكثر من سنتين؟ هل تعلم أن لرئيسها Roosevelt وقتها سفيرا لدى الرئيس الفرنسي عميل هتلر؟ هل تعلم أنه تواطأ مع الغول الأعظم ولم يدخل الحرب إلا بعد أن قصف الأعداء اليابانيون أسطوله في Pearl Harbor ؟ فهل حرك ساكنا عندما كان الغول الأعظم يكتسح كل أوروبا؟ كان يتّبع سياسة الانعزال ويريدون أن يجعلوا منه ومن بلاده المدافعين عن الحريّة وانعتاق الشعوب من الاستعمار وهذا هو البهتان المبين؛ إنهم شوهوا "الغول الأعظم" وضخّموا هول المحرقة ليعيثوا في أرضنا فسادا وهكذا هم يفعلون.
أدعياء الحرية والديمقراطية لا يؤمنون بها إلا في ديارهم، أمّا نحن، أمّا الآخرون فعليهم أن يخلصوا أنفسهم بأنفسهم إن استطاعوا، إحساس عربي آمن ويؤمن بالعدل والقيم الرفيعة.
كتبت ولا زلت أكتب أن Jean Moulin بطل فذ من المقاومة الفرنسية وأن الرئيس Pétain ووزيره Laval عميلان قذران خانا فرنسا والفرنسيين وتعاملا مع أعداء فرنسا المحتلين النازيين وباعا فرنسا لهتلر وأولاد فرنسا وبنات فرنسا وثروات فرنسا وعزة فرنسا كما كتبت ولا زلت أكتب (شعرا ونثرا) أنّ الصهاينة من أعتى المجرمين في التّاريخ البشري وكل من يساعدهم على احتلال عسقلان والناصرة وبيت لحم والخليل.
عربي ولد في أرض عرفت ظلم ذوي القربى قبل ظلم الأعاجم، عربي يكتب الشعر بلسان فرنسي حذقه منذ نعومة أظفاره وهذبه ونقّحه ولكن بإيقاعات عربية لأن هذا العربي أصيل يحمل في جيناته بلاغة العرب وفصاحتهم وبديهتهم، عربي لم يتعلّم العروض قط في مدارس فرنسا ولكن العروض الفرنسي (prosodie) فجاء شعره الناطق بلغة فرنسا عربيا في الوزن والإيقاعات والنظم.
4) تتمهر كثيرا على اللغة الفرنسية وتلعب كثيرا على الكلمات حتى إن السامع لك يشك أحيانا أنك تعيد نفس البيت مرتين لكنك لا تفعل، لو توضح هذه المسألة؟
قبل أن أرتاد المدرسة الفرنكو عربية بقصيبة المديوني (1949) وجدت مكتبة أبي فلم يكن فيها كتاب واحد بالعربية فقد تفتحت عيناي حينئذ على لغة فرنسا المكتوبة قبل تفتّحها على لغة الضاد فأصبحت ألفة بيني وبينها في المدارس الفرنسية وزاد تلبّسي بها حتى الهيام إذ سرعان ما فهمت آنذاك أنها أساس كلّ المعارف لتحقيق وظيف راق فشغفت بها شغفا متينا قل نظيره ويفسر علماء النفس هذا الشعور: في صغري قرأتها قراءة البوار وفي سن الشباب قراءة التجار وفي كهولتي قراءة الأحرار.
أفسر المستوى الأدنى بقلة حيلتي فكنت تراني معجبا بكل حرف وكلمة وجملة ينطق بها مسيو Carayon أو Amet أو Gasga أو زوجاتهم المعلمات الفرنسيّات وأفسر المستوى الثاني بسعيي وراء كسب وظيف مرموق يقيني شظف العيش وأفسر المستوى الثالث بتمكني من ناصية اللغة الفرنسية والجرأة عليها فكنت تراني أقرأ وفي يدي قلم أحمر لأصلح به أخطاء المؤلفين.
لا بد لي أن أروي نادرتين فقط حتّى يطلع القارئ على حقيقة ما أقول: زرت فرنسا أوّل مرة في بداية صيف 1967 أي بعيد النكبة الثانية فمن تقاليد "الأم الحنون" استضافتها لأبنائها الأجانب (خاصة) مدة شهر حتى يتعرفوا بلادهم الثاني أو الأول حسب معادن هؤلاء الأبناء، اختارني مجلس جامعة تونس وقتها فقضينا 15 يوما في باريس وزرنا معالمها ثم وزعنا على أقاليم فرنسا فذهبت إلى مقاطعة Languedoc؛ في النهار كنا نزور ربوع الجهة ونتناقش ليلا فيما كنا نرى من آثار ومعالم وأكثر من كان يتدخل في النقاش هو صالا (هكذا ينطق اسمي بالفرنسية) كنت أقارن المعالم المعمارية الرومانية بLanguedoc هذه المعالم الغليظة الخشنة بالفن المعماري الأندلسي الرفيع في الضّفة الأخرى من جبال Pyrénées وأحط من قيمة المعالم الرومانية (romanes) وأرفع من شأن فنّ الأندلس بإشبيليا وغرناطة وقرطبة وسرقسطة ... وأتفنّن في المقارنات وكان نصف الطلاب الحاضرين فرنسيين وفرنسيات والنصف الآخر من شتّى دول العالم حيث تدرس اللّغة الفرنسية.
في اليوم الثالث تحلقت حولي مجموعة من الفرنسيات وفرنسيّ فقالت الأولى: صالا، أنت من بلجيكا؟ فقلت: لا، فقالت الثانية: إذن من كندا، فقلت: لا، فقالت الثالثة: أنت إذن من سويسرا، فقلت: لا، فقالت الرابعة: أمّك إذن فرنسية، قلت: لا، فقال الخامس: أنت درست حينئذ هنا في فرنسا، فقلت: لا، فصاح الجميع صيحة واحدة مفاجئة قوة: أتستهزئ بنا؟ أتسخر من عقولنا؟ ما هذا؟ أخرجت جواز سفري من جيبي بهدوء وقلت اقرؤوا، فقرؤوا: الجنسية تونسية، فجاءت الصيحة الثانية أعتى وأطول من الأولى وبهت الجميع برهة ثم قالت إحداهم: كيف تفسر كونك تونسيا تتقن لغتنا بطريقة عجيبة لا نقدر عليها نحن الفرنسيين الأقحاح؟ فقلت: ملوكنا باعوا أجدادنا لملوككم فظننتم أنكم أفضل منّا وها أنذا أقدم لكم عكس ما تعتقدون في ميدانكم الخاص بكم، في لغتكم التي رضعتموها أبا عن جد... وهكذا وجدتني أفسر لهؤلاء الطلاب الفرنسيين احتلال فلسطين والاستعمار الصهيوني العالمي فكانوا لا يقرؤون إلا ما يكتبه أعداؤنا وأذنابهم ذوو الأقلام المأجورة، وجدت سدا غليظا قويا بدأت شرخه بصعوبة لا محالة لكن بدأ الشرخ ولن يتوقف أبدا إلا بزوال الاحتلال.
النادرة الثانية مرتبطة بطريقتي في إعداد امتحاناتي بالجامعة، كنت في السنة الرابعة تاريخ أسكن غرفة منفردة فكان يتردد عليّ أحد أقربائي نجيب عياد طالب بالسنة الأولى، وجدت هذا التردد طبيعيّا، إذ كنت بمثابة أخيه الأكبر فكان تارة يجدني أقرأ كتابا في الفلسفة وأخرى كتابا في علم الموسيقى وطورا ديوان شعر (والمفروض أن أقرأ كتبا في التاريخ).
ذات مرة (في شهر ديسمبر 1967) بعد أن تناولنا فطور الصباح جاءني ساعي البريد وقدم إلي طردا مكتوبا عليه بالأحرف اللاتينية الغليظة "دروس السربون" فصاح نجيب قائلا: "الآن فهمت سر نجاحك بتفوّق كما يقال في القصيبة" قلت له: "خذ الطرد واصعد معي إلى غرفتي وافتحه؛ فتحه في الغرفة وفيه وجد منشورات سرية ضد النظام وكان عليّ أن ألصقها على جدران الكلية حيث أسكن (ودفع بعض أترابي ممن لم يأخذوا حذرهم ثمن هذا الصنيع خمس عشرة سنة سجنا في برج الرومي) فصاح نجيب: ما هذا؟ ما هذه الأفاعي؟ قلت إنها القنابل القاتلة ولا أعرف من يبعث بها إليّ ولم أكن كاذبا.
واصل نجيب تردده على غرفتي في كل وقت وكثيرا ما كان يجدني منغمسا في الاستماع لبعض روائع Mozart أوBeethoven أو Strauss ومرت الشهور وكادت تنقضي السنة الجامعية فحدّدت الامتحانات النهائية في 3/4/5/6 جوان 1968، قبل المراجعة قررت التنزه في تونس يوم 27 ماي وما إن وصلت إلى الشارع الرئيس ومررت بالمكتبات حتى جلب انتباهي كتاب في الفلسفة "سؤال حيّ لرب ميت" Question vivante à un Dieu mort)) اشتريته في الحال وفتحته وعدت أدراجي فكنت تراني أشق أزقة المدينة القديمة منهمكا في قراءة الكتاب الجديد وما كانت تفصلني عن الامتحانات سوى أيام معدودة، واصلت طريقي في الأزقة المحدودبة المنحدرة الصاعدة الملتوية إلى أن دخلت دار المعلمين العليا فصعدت السلم ببطء شديد وكانت غرفتي في الطابق الرابع، كان نجيب ينظر إليّ وبمجرد أن اقتربت منه قال: ماذا تقرأ؟ ولم يترقب الإجابة فأخذ الكتاب من يدي وقرأ العنوان فصاح بملء فيه وانفجر قائلا: ماذا؟ ماذا؟ أترابك يراجعون منذ زمن بعيد وتابعتك سنة كاملة لأنه يقال في القصيبة إنك تنجح الأول من دون جهد وعناء فما هذا؟ما هذا؟ أقول لك بكل ودّ وأخوة لن تنجح هذه السنة أبدا، لن تنجح بعد ما رأيت... بعد أن هدأ وبعد هذا الغضب الشديد محبة لي قلت: سأبدأ المراجعة غدا 28/06/؛ قال وأكد صائحا: "لن تنجح، لن تنجح مهما تفعل، فات الأوان وحصّل ما في الصدور...
نجحت بتفوّق ونلت جائزة الرئيس في دورة جوان 1968.
بدأ هذا التمهّر على اللغة الفرنسية في الحقيقة منذ السنوات الأولى من التعليم الابتدائي ففي ليلة من ليالي الشتاء بينما كنت أراجع دروسي سألني أبي إن كنت أعرف معنى كلمتي (beauté austère) {جمال متقشف} فأجبت بالنفي طبعا، تناول أحد قواميسه وفتش عن المعنى وحشرت نفسي لأفتش معه ثم أخذت الكلمات المجلية معانيها ترقص أمام مخيلتي بعد أن وضعت رأسي على المخدة فاستحالت (beauté) جمال (botté) محذّى وانشطرت الكلمة الثانية (austère) (متقشف) كلمتين (os terre) عظم يخيف ولم أدر قط كيف تشكلت هذه الرباعية البدائية في سن مبكرة جدا: عظم محذّى يخيف جمالا متقشفا وهكذا الأمر بالنسبة إلى رباعيات الأسود التي نظمت فيما بعد؛ في الوقت الذي أسمع فيه à Téhéran (بطهران) تتشكل صورة ملحد تائه (Athée errant) وبمجرد أن أقرأ "cent bacchanales" (مائة اجتماع فاسق) يتلألأ أمام ذهني sang baque annales يحفظ دم مائة خبر، أقرأ في كتاب قصص ta reine anglaise (ملكتك الإنكليزية) فيحولها عقلي وأقرأ (أعب عانة من طين) (tare aine en glaise) والمركفا الصهيونية (Merkava) تجرّ حتما mer cava = حفر بحر.
تتحول الكلمات والأصوات والأسماء والروائح موسيقى كلامية هادفة لها معان تخدم قناعاتي العميقة فعندما ينطق اسم رئيس فرنسا الاشتراكي Mitterrand تمرّ أمام مخيلتي (Mythe errant) أي أسطورة تائهة وبنفس الطريقة العجيبة الغريبة Emirat (إماراة) تستحيل émit rat (أرسل فأرا) وRobespierre (أحد أبطال الثورة الفرنسية) robe ès pierre (فستان من حجر) وMarathon تصبح mat raton (راكون ميت) ثم وبطريقة في منتهى العفوية تتركب رباعية من أبيات الأسود طبقا لكل قواعد اللغة الفرنسية والعروض والنّطق:
Scinque émit Rats أرسل زاحف فئران
De Marathon ماراطون
Cinq Emirats وخمس إمارات
De mat Raton. إلى راكون ميت
لا بد أن ألاحظ أنّ صورا لا تحصى تمرّ بسرعة فائقة مع كتابة هذه الرباعية (فالماراطون يذكرني بالفرس وحروبهم مع آثينا ودهاء الحرب وقصة الجندي الذي قضى بعد إبلاغه آثينا نصرهم على الفرس وبأمراء فاسدين قد يكونون من الأندلس المسلوبة أو معاصرين لنا ثم تمرّ صورة حيوانات تزحف على بطونها بكل ذلّ وهوان أمام حيوانات أخرى أشرس منها ثم حيوانات مسالمة...) وبإمكان كلّ من له لبّ وباع في تحليل النصوص الأدبية أن يكتب الصفحات الطويلة العريضة عن كل رباعية نظمتها وعددها خمسون ألفا (أي 200,000 بيت على هذه الشاكلة فقط).
كنت في Queens' café بالمنستير قبل أيام قليلة فرنّ هاتفي وطلبت مني الشّاعرة الصديقة نجوى عمار أن تقدم إليّ شاعرين فرنسيين اسمه Jean Charles واسمها Babette من مدينة Arles (درسا في السربون) فتجاذبنا أطراف الحديث عن الثّورة في تونس والعالم العربي وفلسطين والشّعر ودوره ثم قلت له: أتريد أن أكتب اسمك بطريقي؟ قال: ليست هناك طريقة أخرى لكتابته فقلت: خذ قلما وقرطاسا واكتب حرف J ثم فاصلة عليا وفعل anche ومدينة Babette واقرأ مع الربط طبقا لقواعد اللغة الفرنسية فقرأ J'anche Arles وهو نفس النّطق لJean Charles، اندهش ولم يصدّق ثم قلت له سأكتب Babette بطرقتي: Bat bête أي يضرب حيوانا وهكذا تصبح الجملة جملتين بنفس النّطق مع معان مختلفة كليا.
أما أنت يا سي صالح سويسي فهل تريد أن أكتب اسمك بهذه الطريقة الفذّة في رباعية يسجلها التاريخ الأدبي: Salah Souissi صالح سويسي
Tord Kettani; يلوي كتّاني،
Salace ouït Sî شهواني استمع لسي
Tors Caëtani. الماكر كتاني.
(تلاحقني صور الكتّاني عميل فرنسا ضد الملك محمد الخامس والكردنال Caëtani في القرن 14م بمدينة ليون الذي تعاطى السّحر والشعوذة).
لا يتعلق الأمر أبدا بلعب على الكلمات أو بالكلمات كما يخيّل إلى كلّ قرّائي، إنه طغيان الأفكار وتزاحمها وغزارتها في خيالي المخصّب بثقافة شاسعة.
إنها الأفكار الآتية بكل تلقائية من دون تصنّع ولا تكلّف وكلّ هذا يفسر غزارة مدوّنتي الشعرية فلا تأتي هذه الأفكار اعتباطا بل إنّها تخضع لقناعاتي الأخلاقية القيمية، خذ هذه الرباعية مثلا من أبيات الأسود:
Lys raille élite يهزأ زنبق بنخبة
De Vagabondes تائهات
L'Israélite, وبالإسرائيلي
De Vaga bondes. وسدادات فاكا.
أترك كل هذه الألغاز للنقاد النزهاء الباحثين عن ماهية هذا النوع من الشعر (أبيات الأسود).
5) علاقتك باللغة الفرنسية لم تتوقف عند كتابة الشعر بل تجاوزتها لتصلح أخطاء الأكادميين الفرنسيين أنفسهم، ماذا عن ذلك الموضوع؟
في الأول عند الصّغر كنت أقرأ الأدب الفرنسي قراءة البوار أي قراءة المبتدئ الذي لا يملك الثقة بنفسه وهذا الشعور طبيعي عند أطفال كل الأجناس البشرية وفي سن الشباب صرت أقرأ هذا الأدب قراءة التجار حتى أملك ناصية اللغة وأحرز وظيفا ساميا وفي سن الكهولة قرأته قراءة الأحرار بعد أن تمكنت من أخذ المبادرة في حياتي الاجتماعية ذلك أنّي لم أعد أسمح لنفسي بأن أدع أخطاء الكتّاب والمؤلّفين العظماء تمرّ مرّ الكرام من دون أن أصلحها وأكتبها على طريقة الفرنسيين الأقحاح.
ذات ليلة قال لي أحد أترابي بسوسة كيف لك أن تصلح العملاق وأمثاله؟ ومن يجرؤ على خدش كتاباتهم؟ قلت: الفرق شاسع بيني وبين الآخرين ذلك أني أقرؤهم بعين حرة نافذة ويقرؤهم الآخرون بعين التّابع المستسلم والخانع الذليل فبالنسبة إليّ كل كتابات البشر خاضعة للنقد لأنها ليست مقدسة ثم هل تريد أن أريك بعض أخطاء العملاق في ديوانه الشرقيات (les Orientales) الذي هو في سيارتي؟ فهل تريد رؤية هناته؟ قال: أصدّق ما تقول، عرفتك ذا باع منذ خمسين سنة في قسم الفلسفة ونجحت من الأوائل في البكالوريا وتخرجت بجائزة الرئاسة في الجامعة إلاّ أنه لا يخطر أبدا ببالي أن أتجرّأ على أحد من الذين درسنا أدبهم.
لا بد أن ألاحظ أشياء بديهية لكل ذي لبّ قد تغيب عن الأغلبية الساحقة من المثقفين.
لكل أصحاب الجاه السياسي (أكانوا ملوكا أم سلاطين وأمراء ورؤساء ومستبدين...) علماء متزلفون يبرّرون ما يفعله هؤلاء الحكام الظلمة باسم الدولة والوحدة والعدالة والعلم المفدّى وهم في ادعاءاتهم كاذبون، إنما يجمّل هؤلاء المرتزقة بشاعات الظالمين متسلحين بشهاداتهم العلمية التي باعوها بأثمان بخسة، أثمان الخزي والعار.
أما أصحاب الجاه المالي فهم أيضا لهم علماؤهم الذين باعوا ضمائرهم فأضرب لك مثلا بسيطا، إنهم اخترعوا كلمات لها رنة علمية تعقد السامع البسيط، يسرق فلان ويقبض عليه في حالة تلبس فيهرع الأخصائيون والحقوقيون ويؤكّدون أنه لم يسرق وإنما هو مصاب بمرض الكلبتومانيا (cleptomanie) ولا يسجن طبعا بل ينصح بمعالجة نفسه أما السارق الفقير المعدوم فيسجن لأنّه سارق فعلا ولأصحاب الجاه الأدبي أيضا من يدافع عنهم، أي أن لهم عبيدا (nègres) من المفكرين دونهم مستوى وشهرة فيبتدعون مصطلحات (من جذر يوناني أو لاتيني) لتبرئة هنات أساتذتهم العظماء إذ لا يمكن للعبقري فلان ولا للفذّ علان أن يخطئا أبدا في الكتابة والخطأ الذي عنه تتكلم ليس بخطإ بل إنّه الصواب تجوز (syllepse) كتابته ثم يستنبطون قواعد نحوية متضاربة يسمونها شواذّ وهكذا تتحول أخطاء العظماء إلى قواعد شاذة وجراء جهل هؤلاء الأفذاذ أو تسرعهم أو سهوهم أو استخفافهم تتسرّب الهنات وتكثر، فأقول الخطأ هو الخطأ سواء ارتكبه زيد أم عمرو. (نفس المنطق الذي يبرر به أصحاب الأقلام المأجورة جرائم أسيادهم المستبدين: هذه ليست جرائم بل تطهير البلاد من شرذمة فوضوية باسم الوطن وكلّهم كاذبون).
أضرب لك بعض الأمثال في هذا الأدب الفرنسي حيث يسبق الفاعل الفعل كقاعدة أساس مع بعض الشواذ حيث يجب تقديم الفعل ضرورة (وهذا يحصل بعد حروف معينة وظرف زمان أو مكان) وفي كثير من الأحيان لا تطبّق هذه القاعدة.
اعلم أن للغة الفرنسية ثمانية عشر زمنا (بين حاضر ومضارع وماض وأمر وشرطي ونشيط ومبني للمجهول وافتراضي...) في هذه الغابة الكثيفة كثير من الأفخاخ لا يتفطن لها العظماء ومنها قاعدة المطابقة الزمنية concordance de temps وقاعدة الزمن الافتراضي (subjonctif) ثم إن كثيرا ما تكون إجازات الفعل والفاعل معيبة (ellipses du verbe et du sujet) لأن القاعدة ليست واضحة في أذهانهم بالمرّة بل إنّهم فيها يتخبّطون فعندما أقرأ "قال رجال كثر: الطقس حار وواحد فقط: الطقس معتدل" أقف وأقول إنّ إيجاز الفعل (ellipse du verbe) هنا معيب لأنّ الفاعل الأول جاء في صيغة الجمع (رجال كثر) والفاعل الثاني في صيغة المفرد (واحد فقط) يجب حتما تطابق الأفعال مع الفاعلين.
ثم إنّ هنالك مشكلة عويصة في ترتيب الضمائر حسب طبيعة الجملة إن هي منفية (négative) أو مثبتة (affirmative)؛ في حقيقة الأمر الهنات التي عنها أتحدث تبقى دقيقة لا يكتشفها إلاّ من تبحّر في كتابة هذه اللغة الجميلة وتفقه فيها، أما الآخرون فإنهم يمرون عليها مرّ الكرام وحتى يفهم القارئ ما أعني لا بدّ أن أقدم لك نصا عربيا ظاهره سليم من الأخطاء وباطنه اعوجاج إذا ما قسناه بمسطرة قواعد اللغة العربية: "قال التلميذ لصاحبه إنّ أمّه فخورة به نظرا لاجتهاده في القسم فقال الصديق القوي والذكي: هل رأيت صديقنا جعفرا يوم الإثنين الفارط؟ يقال أنّه مريض فاحتاج دواء نادرا جلبه له أبوه من بلاد بعيدة؛ حوت هذه الجملة ثمانية أخطاء تمرّ بيسر على القارئ العادي وسوف أفرد مجلدا خاصّا بهنات عظماء فرنسا.
فالغاية ليست إصلاح أخطاء الأكاديميين الفرنسيين أمثال: Victor Hugo وشاطو بريان Chateaubriand وماكس كالو Max Gallo وهنري تروايا Henri Troyat وجان جاك روسو J-J. Rousseau وMaurice Druon بل إنها تتجاوز هذه النية لأقول لهم: "أنا التّونسي تعلمت لغتكم في المدرسة الفرنكو عربية في ظلال الزياتين بقصيبة المديوني وأشجار اللوز والرمان لأصلحكم في أعزّ ما تملكون وهي لغتكم التي ورثتموها أبا عن جد فها أنذا أظهر هناتكم اللّغوية، يا أيها الّذين يحرسون هذا الكنز إنكم أوّل من يضيّعونه لأنكم تكتبون لاهثين وراء ما تجنونه من مداخيل تدره عليكم هذه المؤلفات فأنتم تكتبون كتابة التجار وأنا أكتب كتابة الأحرار فهذا هو الفرق بيننا: أنتم عبيد المال وعبيد أسيادكم وشهواتكم وطموحاتكم الضيقة وأنا عبد الله.
(7-6) كيف تحديت 6 قرون من الشعر الفرنسي؟ وكيف تقبّل الفرنسيون هذا الأمر؟
قبل هذا التحدي عليّ أن أقول إنّي أرى في الشكل (e) (للغة الفرنسية 5 أشكال رئيسة) سببا قويا في اعوجاج الشعر الفرنسي من حيث الإيقاعات والأوزان، لذا ألّفت ديوانا كاملا (3210 بيت) عنونته إعدام Condamnation إذ فيه أعدمت هذا الحرف المصوّت، فعليك أن تتخيل شاعرا عربيا يتلعثم في نطق حرف معين مثل الراء ويضطر إلى نظم ديوان كامل لا تقرأ فيه هذا الحرف أبدا، فماذا تسمي هذا الصنيع؟ ألا يدخل في إلزام النفس بشيء لا يقدر عليه الكثيرون؟
هذا وقد سبق أن نشرت من قبل في باريس (2002) ديوانا عنونته "ذكريات محرقة" Réminiscences brûlantes فبينما كنت في أحد مقاهي القصيبة إذ رنّ هاتفي المنقول فإذا برئيس تحرير لمجلة أدبية فرنسية يطلب مني السماح له بنشر قصيدة من ديواني هذا في مجلته فقلت له لا أرى أي مانع والذي يستحق الذكر هو أن الصحيفة الفرنسية لا تنشر إلا ما هو مخطوط فبعد اثنتي عشرة سنة من وجودها تجد نفسها لأوّل مرّة مجبرة على نشر قصيدتي المنشورة، اسمع كيف تبرّر إدارة المجلة هذا الشذوذ عن خطها التحريري: يعرف قراؤنا أن صحيفتهم لا تنشر إلا نصوصا غير مطبوعة، إنّ هذا العدد الخمسين خاص، لذا ننشر بصورة شاذة القصيد التالي، مؤلفه صالح خليفة الحائز على دكتوراه دولة من جامعة ليون وهذا القصيد (إمبراطورية الكاهنة أو جنون القوافي) L'Empire de la Kahéna (ou la folie des rimes) يمثل الأنموذج الفريد للنص الذي لا يمكن ترجمته أبدا إذ يستحيل ترجمة قصيد حيث تتغنى موسيقى الكلمات إلى هذا الحد: (صحيفة لنا ولأصدقائنا، عدد 50 Auvergne, Pour nous et nos Amis, n°). كل من يقرأ أشعاري يسحر بموسيقاها الكثيفة وإيقاعاتها الأخاذة فذات مرة داعبتني فكرة تنقيح بعض القصائد الكلاسيكية المشهورة لشعراء ذوي باع في الإبداع والشهرة وهكذا شيئا فشيئا مسحت ستة قرون من الشعر الفرنسي أي من القرن 15 إلى القرن العشرين م ذلك أنّي نقّحت أشهر قصائد لأشهر الشعراء الفرنسيين فأحصيت ثلاثة وثلاثين شاعرا، لم أترك أحدا ذا قيمة إلا صححت أشهر قصائده، كيف؟ قلت آنفا إن أكبر عائق يتمثل في الشكل (e) فحذفته في ديوانيّ وعنونت الأوّل: "تنقيح أشهر القصائد الكلاسيكية (Remaniement des Poèmes classiques les plus célèbres) والثاني "هؤلاء الآلهة البؤساء الراقدون" (Ces Misérables du Panthéon).
أضرب لك مثلا بسيطا، أطول بحر في العروض الفرنسي مركّب من اثني عشر مقطعا لفظيا (12 syllabes) ويسمّى البحر الإسكندري (alexandrin)؛ الشكل (e) يعد صامتا في أغلب الأحيان أي إنه لا ينطق ورغم هذا الصمت فيحسب في تعداد المقاطع وهنا يكمن الخلل الأكبر في هذا الشعر الكلاسيكي الموزون [الشكل (e) حيّ في التعداد وميت في النطق] فعوض أن تقرأ 12 مقطعا لا تلفظ أحيانا إلا عشرا أو حتى أقلّ وهكذا دواليك، قلما تجد حينئذ المقاطع التي اقترحها الشاعر الفحل من دون أن يجبره أحد على اختياره وحتى يكون المثل أكثر جلاء وفهما تخيّل قصيدا بمائة بيت فالمفروض إذن أن تقرأ 100×12 = ألفا ومائتي مقطع، ماذا تقول لو تحصي ألفا فقط؟ أنا صالح خليفة أقول بكل بساطة وجرأة إنّ الشاعر الجهبذ فلان سرق مني 200 مقطع لفظيّ وفي الحقيقة كلّهم لصوص لا يجيدون نظم الشعر؛ كيف فعلت؟ وماذا فعلت؟ حافظت على موضوعات القصائد المنقحة كما حافظت على قوافيها ثم كتبتها على طريقة أجدادي العرب الأقحاح، تجد إذن النصوص الأصلية وقبالتها نصوصي المنقحة مع ذكر الأخطاء وعددها ولذلك ابتدعت كلمة مشتقة من اليونانية لا يعرفها علماء العروض الفرنسي ولا النحويون في هذا المضمار بالذّات (arythmie prosodique) = انعدام الإيقاع.
ماذا يقول القارئ العربي لو جاءه فرنسي أو ألماني وقال له إنّي نقّحت أشهر قصائد لعظماء شعرائكم وأظهرت عيوبهم الإنشائية الإيقاعية؟
سوف يزيد هذا القارئ العربي حتما في احتقار نفسه واحتقار بني جلدته ويبالغ في تعظيم الغرب ورجاله، بهذه الصورة المعكوسة فقط يمكن لمن يقرأ كلامي أن يفهم إلى أيّ حد حططت من كبريائهم وغرورهم واحتقارهم لبني جنسي وأمتي.
قدّمت ديوانيّ للبروفسور عبد الرزاق بنور، فتح الأول بطريقة فجائية وقرأ مليا النص الأصلي الأول وقبالته النص المنقح الأوّل ثم أغلق الديوان وفتحه بنفس الطريقة وقرأ النص الأصلي الثاني والنص المنقح الثاني ثم أغلق الديوان ثالثة وفتحه بنفس الطريقة وقرأ النص الأصلي الثالث والنص المنقح الثالث ثم أغلق الديوان وصاح "والله نصوصك أفضل من نصوصهم فماذا فعلت؟ هل تعرف أن Heine أراد تقليد Schiller وفي المحاولة الثانية أرهق واعترف بعجزه عن مواصلة التجربة؟ وها أنت تعيد كتابة قصائد لثلاثة وثلاثين شاعرا".
قلت له إنهما ألمانيان وأنا من تونس تعلمت لغة الفرنسيين في قصيبة المديوني ثم إني لا أقلد أحدا بل أصلح أخطاءهم.
أما البروفسور الهادي خليل فقال: ماذا تسمي هذا العمل؟ هل هي العبقرية؟ أم هو التحدي؟ أم إنه التمكن من اللغة الفرنسية؟ أم إنها القريحة الجامحة؟ أم المخيلة الخصبة؟ أم قوة البديهة وسرعة الإبداع؟ كيف لم يتفطن أحد لهذه الهنات ممن درسوا الشعر الفرنسي؟ أين هم الفرنسيون؟ أين هم الأفارقة؟ أين هم المغاربة؟ أين هم الفرنكوفونيّون؟ ويعدون بالملايين؟ أين المتفقهون في هذه اللغة؟
8) علاقتك بالمقاهي حميمية جدا لكل من يعرفك وفي كل قصيدة تذكر المقهى أللتوثيق أم أن لك أغراضا وأهدافا أخرى؟
إنها عادة اكتسبتها في الستينات من القرن الماضي عندما كنت طالبا أدرس التاريخ بدار المعلمين العليا بشارع 9 أفريل بتونس حيث أقمت، كنت أرتاد مقاهي باب منارة وباب الجديد وباب بنات وكلها أحياء شعبية فكنت أرى هناك حاجة الناس وعوزهم وأقرأ همومهم على قسمات وجوههم وقلة حيلهم، كانت هذه العاهات الاجتماعية تزيد في شحذ همتي وحماسي لمواصلة تعليمي فكنت تراني ألتهم كتب كبار المنظرين في الشّعر والأدب والفلسفة وعلم الاجتماع وأقول في نفسي: "هذه الهموم المحيطة بي في انتظاري لو أفشل في دراستي".
لا بد أن أذكر نادرة حصلت لي هنالك، كنت أطالع وأكتب في أحد مقاهي باب بنات بتونس إذ بالبوليس أتى وأخرج كل الزبائن من دون استثناء وأغلق المقهى وكان ذلك في شهر أفريل 1968؛ عندما يمرّ الرئيس بشارع ما لا بد أن تتوقف الحركة ويصفق له الجميع، خرجت مستاء حينئذ لأسباب يطول شرحها، كان الرئيس في سيارة مكشوفة مع زوجه وسيلة آتيا من جهة القصبة وكل الناس في حالة هستيرية من التصفيق إلا أنا كنت واقفا على الرصيف متأبطا كتبي ناظرا إليه نظرة جفاء مبين فأثرت انتباهه فكان يبعث بتحياته إلى الشعب المهستر ولكن جل نظراته كانت موجهة إليّ مركزة على هذا الشاب غير العادي ومرّ الركب ورجعت إلى مقهاي وبعد ثلاثة أشهر وأنا أتقدم لتسلّم جائزته في شهر جوان 1968 شدّته النظرة ذاتها التي رأيتها في وجهه بباب بنات فركّزها وجمع كلّ قواه الذهنية ليتذكرني فكان جبينه يتقطب كلّما اقتربت منه وقبل أن يسلمني الجائزة قال: "من أين أنت؟" (عسى أن يحدد المكان الذي فيه رآني) فقلت من دون كذب "من قصيبة المديوني" فيئس من معرفتي لأنه لم يزر القصيبة منذ 1956. واصلت هذه العادة إلى يوم الناس هذا ذلك أن المقهى يمثل في رأيي ملتقى الناس فهناك يجتمعون ويتكلمون ويتناقشون ويتصايحون وهذا لا يزعجني أبدا إذ تراني على طاولتي أكتب أو أطالع متأثرا حتما بما يدور حولي فأجد نفسي مرتبطا بالمجتمع لا منفصما عنه.
من ناحية أخرى قد تكون عادة فرنسية تشبث بها لا شعوري الذي صقلته ثقافة فرنسا فكنت أعرف منذ الشباب أن كبار الكتاب الفرنسيين ارتادوا المقاهي مثل Flore وProcope وLes Deux Magots...
أذكر الأمكنة التي فيها أكتب نصوصي لا المقاهي فحسب بل حتى القطارات وسيارات الأجرة والحافلات فإن لم تجد ذكر مكان تحت النص المنشور فاعلم أنه كتب في بيتي، لماذا كل هذا الحرص؟
عانيت كثيرا من غموض بعض النصوص وتوقيتها إذ أصبحت محل نقاش حام بين النقاد والمحللين فأردت أن أوفّر عليهم هذه الجهود وهذا العناء ثم أريد القول إني أعيش في بلدي تونس ولا في فرنسا وأتكلم العربية الدارجة مع أهلي وبني جلدتي وعربية الأقحاح في المناسبات الرسمية والفرنسية مع الفرنسيين فقط.
9) رغم أنك أصدرت عددا هائلا من الكتب إلا أنك غير معروف بالشكل الكافي حتى في تونس، من المسؤول عن ذلك؟
سوف يكون عدد دواويني مائة وديوانا في شهر سبتمبر 2014(مازال البعض تحت الطبع) أما في ما يخص الشهرة فدعني أبح لك بأشياء لا يعرفها الكثيرون، تعرفت إلى أستاذين جامعيين بالمنستير لكليهما حصة ثقافية بالإذاعة، ادّعى الأول صداقتي فكان يردد في حلقات مغلقة ضيقة أنه لا يوجد في العالم بأسره خمسة رجال يتقنون الفرنسية مثلي ورغم هذا لم يستقبلني في حصّته أكثر من مرّتين وكان رصيدي وقتها 90 ديوانا أمّا الثاني فإنه طلب صراحة مبلغا ماليا على كلّ حصّة ينشّطها في الإذاعة ويقدّمني فيها؛ إنه الفساد ولست فاسدا ولا مفسدا.
هذا وقد لقيت في مقهى من مقاهي قصيبة المديوني أحد أساتذة اللغة والآداب الفرنسية بجامعة منوبة فأهديت إليه 5 من دواويني صدرت وقتها في باريس (2003) عسى أن يكتب ما يروق له فلم يذكرني إلا في سطر واحد عابر باهت لا طعم له ولا لون ممّا أثار انتباه البروفسور بنور الذي كان يظن أن مسيرتي الشعرية توقفت فتحدث مع زميله فلم يعره شيئا بل أنكر وجود هذه النصوص، اتصل بي وبعثت إليه بعشرة دواوين نشرت في باريس وبعد أن قرأ وتمعّن كتب صفحتين طويلتين عريضتين في جريدة la Presse (30/06 و07/7/2003) مقولته الشهيرة "بزّهم جميعا في لغاتهم وروائعهم".
ضربت لك ثلاثة أمثلة من بعض رجال الصحافة والجامعيين الذين في قلوبهم مرض والذين هم إلى جيوبهم أقرب منهم إلى مصلحة الأمة ومهما يكن من أمر فإني أحصيت خمسين مقالا بشتى صحف تونس وفرنسا والعالم منها مقالك (2004).
أشعر بمسؤوليتي النسبية عن هذا التقصير في الشهرة لأني أسبّق واجبي نحو الأمة على أنانيتي الضيقة فلا تراني أركض وراء السمعة مثل أولائك الشويعرين الذين استوطنوا شاشات التلفزيون بجهلهم وضحالتهم وتزلفهم.
أؤكد لك أنّي لم أعط قرشا ولا درهما لمن كتب عنّي خيرا فكلّهم أشادوا بجودة ما كتبت وما أكتب ورفعته ونقائه، إنك تعرف حتما أن الشهرة في زمن الاستبداد تعطى لمن يخدم مصالحهم ويظهر ولاءه الكامل للسلطان ويتزلف وينشر الرذيلة بقلمه الوسخ النتن ويجمّل انحرافات الأمير والأمراء ويشرّع سياسة الملك الجائر – أي سياسة أسياده داخل جدران السفارات.-
اعلم أنّي بعثت بأكثر من 30 ديوانا إلى رئيس جمهورية تونس (أول رئيس منتخب) راجيا لفت انتباهه فلم يشعرني قط أنه على علم بذلك (وهذه الوثيقة من البريد التونسي تؤكد تسليم الكتب إلى الرئاسة بقرطاج).
من المسؤول عن هذا التقصير؟ الكل مسؤول، فما زال الصحافيون في معظمهم فاسدين يتصرفون وفقا لقناعاتهم المنحرفة الموروثة عن نظام الاستبداد والظلم والجامعيون المناشدون الطامعون في مناصب سياسية تدرّ عليهم أكثر مالا وجاه.
فمسؤوليتي تكمن في كوني لا ألهث ولن ألهث وراء الشهرة أبدا لأن عملي مقدس وأحسبه كذلك، من أجل أمتي المستضعفة أكدح، من أجل أمتي المهانة المسلوبة حقوقها التي لا يعبأ بها إلا من له ضمير حي وشعور بالانتماء إليها عميق.
10) كلمة أخيرة
في العالم المسيحي راهبات بعن أنفسهن لأم الرب الابن ورهبان للرب الابن؛ تحضرني كلمة فرنسية معبّرة جميلة في هذا السياق تعني هبة الإنسان نفسه لخدمة الرب عبر الكنيسة أي الأمة المسيحية. انطلاقا من هذا المفهوم الكاثوليكي الصرف وهبت نفسي لخدمة الأمة في أوسع معانيها فلا أنتظر حينئذ جزاء من أحد ولا شكورا إلا من أناس أخلصوا لها حق الإخلاص. عدت إذن إلى فصلي ونسبي ورجعت إلى القيم الأصيلة التي عن ذويّي ورثتها فالسارق يبقى سارقا والزاني زانيا والقاتل قاتلا والظالم ظالما والمنافق منافقا والعميل عميلا والعدو عدوا والصديق صديقا والمقاوم مقاوما والخائن خائنا... لا تحكمني المصالح الآنية الضيقة كما تحكم أبناء الغرب كافة وعبيدهم في ربوعنا...نعم، حوّلت الكلمات الفرنسية إلى موسيقى ورنّات وصور راقصة وحركات متناغمة ورموز هادفة، حوّلت حصياتها الحقيرة إلى أحجار كريمة أكرم من الماس والياقوت والزبرجد؛ إنه العقل التونسي الذي رفع هذه الأحجار البسيطة الملقاة على قارعة الطريق إلى مكانة شامخة علية، إنه العقل التونسي الذي حوّل الأصوات الرتيبة إلى جمل تطرب القارئ والسامع وتبهرهما على حد سواء، إنه العقل التونسي الذي اقتحم الحديقة الخاصة بالفرنسيين فحوّل نباتها أزهارا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.