القضاء يرفض الإفراج عن هؤلاء..#خبر_عاجل    وزير الخارجية يؤدي زيارة عمل الى برلين تستمر يومين..    دراسة تحذر: اضطرابات نفسية متزايدة بين الشباب    قريبا: توريد 100 ألف طن من السكر...علاش؟    الاتحاد الآسيوي: جدة ستستضيف مباريات كأس رابطة أبطال النخبة المؤجلة بسبب الحرب    هزّة منطقة المنزه: مستجدّات جريمة قتل السفير المتقاعد    القبض على مروج مخدرات صادرة في شأنه بطاقات جلب..وهذه التفاصيل..    ألمانيا: إصابات في اصطدام قطار بناقلة سيارات    عاجل : مستجدات الحالة الصحية لهاني شاكر    تحسبا للتقلبات الجوية.. مرصد سلامة المرور يوصي مستعملي الطريق بالحذر    بعثة اقتصادية مشتركة الى جمهورية مدغشقر من 30 مارس الى 4 افريل 2026    تصفيات كأس أمم إفريقيا تحت 17 سنة: المنتخب الوطني يستهل اليوم المشوار بمواجهة نظيره المغربي    المستقبل الرياضي بقابس يفك ارتباطه مع المدرب محمد الشيباني    اندلاع حريق في مصفاة نفط بولاية تكساس الأميركية    أسعار النفط ترتفع بعد هبوط حاد وسط ترقب لمصير مضيق هرمز    كأس تونس: النتائج الكاملة لمباريات الدور السادس عشر    الرابطة الأولى: محمد الشيباني يلتحق بركب المدربين المغادرين لسباق البطولة    تعطّل خدمات مراكز بيانات "أمازون" في البحرين نتيجة تداعيات الصراع المتواصل في الشرق الأوسط    الأمن الإيراني: اعتقال 30 عميلا لإسرائيل في 3 محافظات    منظمة الطوارئ في إيران تعلن حصيلة الضحايا المدنيين جراء الحرب    ناقلة الغاز الروسية المنكوبة تقترب من سواحل ليبيا.. والسلطات تستنفر    مدينة الثقافة تحتفي باليوم العالمي للمسرح    الدورة الاولى لمعرض الورود والازهار من 26 الى 28 مارس 2026 بمنطقة بوترفس من معتمدية طبرقة    فرصة لكلّ تونسي: سفارة اليابان تنتدب أعوان حراسة    تونس: حجز كميات صادمة من اللحوم في شهر رمضان    أقوى 10 مرشحين للفوز بكأس العالم 2026    بداية من اليوم: استئناف أشغال هدم الجسر القديم على مستوى مستشفى الحروق    تأمين الكراهب القديمة: تنجم الشركات ترفض؟ معلومات متفوتهاش    تونس وألمانيا تحييان سبعين عاماً من العلاقات وتعززان تعاونهما متعدد الأبعاد    عاجل/ ايران تطلق رشقات صاروخية على تل أبيب..    اكتشاف 15 قمرا جديدا حول المشتري وزحل.. وعدد أقمار النظام الشمسي يرتفع إلى 442    مبابي جاهز لخوض كافة المباريات قبل كأس العالم    بطولة ميامي : خروج أوجيه-ألياسيم ومدفيديف من الدور الثالث    غارات على منشأتين للطاقة في إيران ومقرّات للحرس الثوري    طقس اليوم..أمطار متفرقة بهذه المناطق..#خبر_عاجل    ماذا في الاجتماع الوزاري الذي أشرف عليه رئيس الدولة؟    بن عروس: الدورة الثانية لمهرجان موسيقى الطفولة ببن عروس من 26 الى 29 مارس 2026    الحمامات تحتضن الدورة الخامسة للمسابقة الوطنية لنوادي الفنون التشكيلية بمشاركة 105 فنانين    في مشهد سماوي بديع.. القمر يقترن بالثريا الليلة    دار الثقافة ابن رشيق بتونس ...«مقامات».. سهرة رمضانيّة بإبداعات تلمذية    «أجمل ليالي» في صفاقس...عندما عاد صوت أم كلثوم بروح موسيقية جديدة    بالأرقام..حصيلة المراقبة الاقتصادية خلال شهر رمضان..    دهون مفيدة لا تُخيف... 5 أطعمة تدعم صحة القلب يومياً    هيئة الصيادلة تطلق استشارة وطنية لصياغة "كتاب أبيض" حول رهانات المهنة    توننداكس يرتفع في أوّل حصّة من الأسبوع    إطلاق الدورة الثالثة عشرة من المسابقة الوطنية لأفضل تغليف    المعهد الوطني للرصد الجوي يعزز قدرات الاستباق برادارات متطورة لرصد الأمطار قبل تساقطها    بطلة مسلسل "علي كلاي"/ والد أحمد العوضي يفجرها ويكشف حقيقة استعداد ابنه للزواج من يارا السكري..#خبر_عاجل    قفصة: حجز 1200 قرص مخدر وكميات من خراطيش الصيد بمنزل في معتمدية المظيلة    عاجل/ تنبيه لمستعملي هذه الطريق: استئناف الأشغال غدا وتحويل لحركة المرور..    البعثة الدائمة لتونس بجنيف تشارك في اجتماع منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح الصحية    عاجل/ هذا موعد عيد الاضحى فلكيا..    طبيب مختصّ في أمراض القلب : تناول القهوة بمعدل يتراوح بين كوبين وخمسة أكواب يوميًا يحقق فوائد متعددة لصحة القلب    مركز الاصابات والحروق البليغة ببن عروس ينظم اليوم العلمي الثالث يوم 4 أفريل 2026 بالمركز الثقافي والرياضي للشباب    التوقعات الجوية لهذا اليوم…    وقتاش ينجم يكون ''العيد الكبير''؟    هل صحيح اللي ''العرس'' في شوال مكروه؟    حديث بمناسبة ...عيد الفطر في تونس سنة 1909    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عندما سمعني أدونيس أقرأ شعرا بالعاميّة قال لي أتمنّى لو أكتب بالعاميّة...
الشاعر السوري شاهر خضرة في حديث خاص للشعب: أنا لا أكتب الحوليات وأطول قصيدة أنجزها في ليلة واحدة...
نشر في الشعب يوم 13 - 12 - 2008

عرفتهُ سماعا، ثم نصا، ثم احتككت به لماما منذ سنتين تقريبا الان اقتربتُ منه أكثر، لامستُ بعضا من روحه، من فكهه... تبيّنت قدرته الفائقة والعجيبة على حياكة صور شعرية وهو ينثر الحكايات العابرة...
صديق قديمٌ ومتجدّد للعديد من شعراء تونس، ومطلّع بشكل واسع على المدونة الشعرية التونسيّة... كثيرا ما زار تونس ليقرأ شعره واخر زياراته كانت ضمن استضافة من جريدة الشعب ليكون ضيف شرف على الدورة الرابعة لملتقى الشعراء النقابيين التي التأمت بمدينة سوسة...
هو صاحب احدى عشرة مجموعة شعرية هي على التوالي »واضحا، سلسا، غامضا« (99) »الابحار والخوف«(99) »ما بصالحْ« (99) »سونيتات شاميّة« )2001) »الأرض ترفع ساقها« (2002) »الاسماء« (2003) »ذيب الشلايا« (2004) »هذيان الجسد« (2005) »حفيد النبات« (2007) »قمصان اللجاة« (2007) »ومائيل في وحامه الكنعاني« (2007)...
هو الشاعر السوري الدمشقي الشامي شاهر الخضرة...
❊ كيف تقدّم تجربتك الشعرية او تحديدا كيف تصنّفها من داخل التجربة ومن خارجها ان صحت العبارة بعد عشرة مجاميع شعرية؟
كوني بدأت بالنشر متأخرا اي في عام 2000 وبعد تجربة شعرية مرّ عليها ربع قرن لم انشر فيها كنت اكتب الشعر واحتفظ به في الادراج ولم اكن انشر منه الا القليل وأعتبر انني عشت مراحل شعرية في الربع قرن التي كانت صامتا فيها عن النشر.
اولا تلك التي ولجْتُ بها عالم النشر، نشرت قصائدي التي لم يُسمح بنشرها في فترة الثمانينيات، نشرتها كلها. وجدت نفسي ان تلك الحالات الشعرية السابقة والتي لن تعود كما كانت وضعت فيها حرارة الكتابة وان كانت اقل مستوى عمّا اكتبه الآن ولكن باحتكاكي بتجارب الشعراء العرب وغيرهم ممن التقيت بهم وجدتُ نفسي أنني عندما التقي بشاعر كأنما التقي باحدى حالاتي السابقة فيكون لقائي باعثا لحالة عشتها سابقا أو لنقل قادحا لفترة ما عشتها، فلمّا أخذت بالكتابة مثلا حول مخيال الاساطير في بلادنا الكنعانية والسومرية وجدت أن القصائد التي كتبتها ولم أنشرها في الماضي كأنها بذور لا تصلح لأن تكون مشروعا شعريا ولكنها تصلح لأن يُعتنى بها لتنمو بنفس الارض التي بُذرت فيها ولكن بمناخ يلائمها بعد اثراء التجربة، فوجدتني أكتب القصيدة مستخدما هذه الاساطير دون ارباك لتلك الافكار... يعني صرت قادرا أكثر على »شعرنة« تلك الاساطير فمنها ما أتقمصه وصار لدي جرأة كبيرة على الأسطورة والتراث وان كان دينيا فأقول ان مرحلتي السابقة هي مرحلة ارهاصات البذور عندما حان موعد قطافها جاءت بشكل طبيعي وكأني ولدت للتو، وكأني شاعر لا يعترف بالزمن فكل قصيدة هي عمرٌ بحاله وهذا لا ينفي ان لكل قصيدة عمرها الطبيعي، عمر كتابتها وعمر قراءتها وكذلك عمر نشرها... وأستغرب أحيانا من فكرة الاجيال في الشعر، السبعينيات الثمانينيات او التسعينيات في الحقيقة وبرأيي الشخصي لو قرأنا مثلا قصائد نزار قباني التي كتبها في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات فهل يمكن لنا ان نقول انه شاعر من جيل الاربعينيات مثلا؟!! ام انه تجاوز بقصائده كل الاجيال وكأنه كتب لعجوز في ذاكرتها ولصبية نهدتْ للتوّ وبهذا فالشعر الحقيقي منفلت من الزمن ومن التجييل...
أصل الى القول، وربما لأناقض نفسي فيما قلته، أن القصائد التي كتبتها بعد احتكاكي بالتجارب الشعرية ولا أقصد قراءة وانما اقصد احتكاكا مباشرا بالشعراء هي التي جعلت قصائدي أكثر غنى من القصائد التي كتبتها وانا منعزلٌ بين الكتب وأكتب فيها ما يكتنفني مرّة ممّا أقرأ ومرّة ممّا أعيشه معتزلا...
❊ كلامك الأخير يفترضٌ أن تحتك برامبو مثلا أو إليوث او المتنبيّ او المعريّ؟
انا اقول في هذا تأثري فيما كنت اقرؤه كان واضحا وحقيقيّا أيضا ولكن كنت اقرأ وأتأثر وأكتب القصيدة من خلال القراءة والتأثر انما عندما سنحت الفرص لي بأن ألتقي بشعراء عرب وغير عرب وهؤلاء أيضا ممّن قرؤوا رامبو وإليوث والمتنبي والمعرّي وغيرهم من كبار الشعراء فأضيف لي تجربة اخرى متأثرة فأستفدتُ من حالتين أو أكثر من حالة، مرة من تأثري ومرة من تأثره فعندما أستمع لشاعر اعرف كثيرا من مصادر قصيدته كما أعرف مصادر قصيدتي مما جعلني اضع قصيدتي في عدّة معايير: كيف تأثرت أنا وكتبت وكيف تأثر هو وكتب فأجد نفسي اضعف احيانا فيما تمخضت به تجربتي إن من حيث الاسلوب او الشعرية قياسا بهذا الشاعر الاخر الذي اجده حاز السبق او نال حظا اكبر من حظي وتمخض نتيجة تأثره فأنتج قصيدة اجمل من قصيدتي وهذا ما يحفزني لاعيد النظر في بعض مما كتبت لأعمّقها أكثر وبهذا كنت أقول دائما كل من ألتقي به شاعرا او قاصا او روائيا او مفكرا اذا لم يضف لي شيئا جديدا فأنا لست بحاجة اليه لكي اضيع وقتي، لان هناك من الشعراء من تيسر لهم من الظروف ما لم يتيسر لي بأن التقوا بشعراء من العالم ومعرفة لغات كثيرة وأن يقرؤوا اضعاف ممّا قرأت ويتمتعوا بذاكرة حيّة وحس أرهف لالتقاط في الكثير من الاحيان ما لا أنتبه له، وعلى سبيل الذكر انا مثلا قرأت زوربا كما قرأها الكثير من الكتاب والقرّاء واجتمعت بأصدقاء ممن قرأها واخذنا نستحضرها فوجدت ان كل ما يذكرونه موجود في خزائن ذاكرتي دون ان انتبه أو افكر بحفظ تلك الجمل القوية فشعرت كأنني قرأت ونسيت والان جاء من يذكرني بما نسيت وهذ الامر ينسحب على العديد من الكتب...
أذكر مرة كنت في أمسية شعرية لشاعر كبير تربطني بشعره سنوات طويلة من القراءة فقد تأثرت بقراءته للقصيدة وطريقة القائه فظننت انها قصيدة من قصائده الجديدة التي لم اقرأها من قبل وعندما سألته قال عاتبا كيف تسألني هذا السؤال وأنت تقول انك قرأت ديواني ثلاث مرات المنشورة به القصيدة، أي أعني ان القراءة وحدها كثيرا ما اعتبرتها كالطعام آكل لأسٌد جوعي ولا اعرف بماذا احتفظ جسمي وما طرح من الآكل...
في صدد تجربتي الشعرية، ربما لانها مختلفة باختلاف حياة صاحبها عن باقي الشعراء، انا مثلا لا اعيش في اجواء شعرية مدى عمري، عشت مع العمّال سنوات من عمري،، ولا اقصد العمال المرتبطين بتنظيمات او نقابات فيها شيء من الايديولوجيا والثقافة العمالية بل عمال فحسب عشتُ مع السائقين... مع التجار حيث عملت في التجارة أكثر من عشرين سنة و كنت تاجرا ناجحا ووسط التجارة لا مجال سوى التفكير في المال والربح، كذلك مع الطبقة البسيطة من الفلاحين عشت ايضا لا شيء يُذكر سوى هموم الحياة الشخصية وإن اهتموا فبنوع من الحماس لبعض القضايا الوطنية وتنتهي، بينما كنت انقل حياتي مع كل أصناف الناس الى الورق لأجعل منها مادة ادبية. دون ان افكر في يوم من الايام ان اقرأ لهؤلاء قصيدة من قصائدي بل كنت اتحين الفرص وما اقلها لأقرأ ما كتبت على بعض الاصدقاء القلة حين التقيهم وربما يمر العام والعامان ولا ألتقي أحدهم فأكتفي بارسال نصوص لهم كرسائل شخصيّة وتنتهي المسألة بجواب على رسالة لا أكثر ولا أقل.
لكن بعد أن هيأت لي ظروفي الماديّة ان أتفرّغ للشعر قراءة وكتابة منذ عام 1999 تقريبا وبدأت بالسفر والسعي الى ألتقي بشعراء قرأت لهم منهم من كان اسمه يشغل الدنيا كأدونيس مثلا ومنهم من اعتبرهم مثالا لي في الشعر، بعد ان تم لي ذلك كانت الخسائر اكبر من الربح لانني شخص حساس جدا وقد يزعجني اي موقف فيه غرور من كاتب او شاعر وما أكثر تلك الامراض في كتابنا وشعرائنا فالكثير من هؤلاء يحبّون ان تكون دائرا في فلكهم أو مريدا لشعرهم وعليك ان تسجد لنجوميتهم أولا وتقر لهم باوليتهم وتميزهم حتى يقبلوك كمريد وهذا كنت بسبب حياتي البعيدة عن هؤلاء ما لا أستطيع أن أقدمه لاي اسم مهما علا شأنه وأذكر أنّني ركبت الطائرة على حسابي الخاص وذهبت الى بلد عربي كان يحتفي تكريما لشاعر كبير، وجلست اسبوعا كاملا أتابع نشاطات الشاعر وأمسياته ولكني ربأتُ بنفسي ان اقدم نفسي له وان اعرّفه إلى نفسي فرضيت بما كنت أرضى به من قبل أي بشعره فقط وأعتقد أنني لم أحبه شخصيّا ولكن هذا لم ينقص عندي من قيمة شعره وصرت بعده أقول أن الكثير من الكتاب كتبهم افضل منهم.
هذا في الجانب السلبي ولا ينسحب على كل الشعراء فهنالك كتاب وشعراء كبار لا يجبرونك على أن تبذل نفسك لتكون صديقا لهم والصداقة ليست مطلبا من طرف واحد فحسب بل هي من طرفين..
❊ باعتبارك تكتب باللهجة العامة وفي نفس الوقت باللغة الفصحى كيف توازن بين الشكلين او الاسلوبين خاصة من ناحية بناء الصورة الشعرية وايقاع القصيدة؟
صديقي ناجي مرّة قال لي أدونيس وكنا معا في السيارة بعد أن سمع مني قصيدة باللغة الدارجة، قال لي أتمنى لو كنت اجيد كتابة الشعر باللغة الدارجة وهو المعروف بموقفه الرافض للغة العامية وبتشدّده للغة الفصحى عندما قال لي هذا قلت له والله اني كنت اتمنّى أنني لا أعرف الكتابة في اللغة الدارجة وقصدي تلك المعاناة التي اعيشها في التشظي بين اللغتين وأعني أنّني لا اعرف مصدرا معرفيا ثقافيا شعريا باللغة الدارجة فكل ما اعتمدت عليه في حياتي كان عن طريق القراءة بالفصحى ولم أحصل من اللغة العامية سوى ما عرفته من المتحد الاجتماعي الذي عشت فيه طفولتي وجزءا صغيرا من شبابي الاول لأنني غادرت ذلك المتحد الصغير وأعني بها قريتي، غادرتها ولم أتجاوز العشرين من العمر الى مجتمعات عربية مختلفة في لهجاتها عن لهجة القرية التي عشت فيها مثل ليبيا وليس ليبيا الشمال وانما اقصى الجنوب وتحديدا في منطقة فزّان الليبية ومنها الى عمق الصحاري السعودية وليس المدن، وذلك لسنوات تفوق ماعشته في قريتي مرّة ونصفا على الاقل الا أن تلك الجذور القوية للغة الدارجة التي تجذرت في داخلي أبت الا ان تكون الاقوى فمثلا كنت اقلّد بسهولة طيلة عيشي في ليبيا اللهجات المحلية وكذلك في السعودية كنت اقلد اللهجات الخليجية ما عدا ثلاث حالات حين اكون غاضبا وحين أمارس حالة عشق وحين اكتب الشعر... في هذه الحالات تمحي كل اللغات واللهجات التي اكتسبتها وتطفو على تلقائية اللغة التي ولدت بها وفيها.... اقصد لهجة اهل القرية.
❊ يعني هذا انك لا تتكلف اللغة وأنت تنتج قصيدة ما بمعنى انك تكتب ما يطلق عليه قصيدة الحالة؟
لأكن صادقا في الاجابة عن سؤالك هذا بالنسبة لي قد يعتبره الاخرون او من قرأ لي ان هذا القول غير صحيح بسبب صعوبة اللغة وصعوبة اقتناص المعنى والاحاطة به في كلتا القصيدتين، الفصحى والعاميّة واجابتي عن هذا السؤال ببساطة انني لا اتكلم اولا أكتب القصيدة من لغة خام، فأنا استطيع ان اقول ودون غرور انني قرأت من الكتب قديمها وحديثها، وما وجدتُ لنفسي منهلا اكثر من الكتب الصعبة وربّما هذه القراءات تنعكس في قصائدي، أجدها بالنسبة لي امرا طبيعيا وغيري قد يجدني ناحتا او متكلفا وانا لا اكتب الحوليات من القصائد فأطول قصيدة كتبتها انجزتها في ليلة واحدة سوى بعض المطولات التي احتجت لليلتين او ثلاث.
❊ قلتُ انك نهلت من الكتب الصعبة، وسأفترض ان هذه الكتب الصعبة هي كتب المتصوفة مثلا والكتب الفلسفية وربما ايضا الكتب التي ترصد حركة الاساطيرفهل يعني هذا أنّ مدونتك الشعرية تستند لهذا المنحى الصوفي والفلسفي والاسطوري؟
الاجابة بكل تأكيد نعم، كثير من القصائد التي كتبتها اثر تلك الكتب التي قرأتها، ولا اخفي عنك، فقد كتبتها احيانا في الفصحى واحيانا في العاميّة، وكتابي »سونيتات شاميّة« يحتوي على تسع قصائد تحت هذا العنوان كلها إمّا من المخيال الصوفي او الاسطوري او من الفكر الانساني، وسمعت من اناس من بيئة لغة الدارجة يقولون لي لماذا تصعّب علينا حتى الشعر العامي واصبحنا لا نفهم قصائدك رغم انها مكتوبة بلغتنا الدارجة، وجوابي بكل بساطة تلك هي لغتي التي وصلت اليها ولم اصل اليها بسهولة فلا تقرؤوا شعري بسهولة...
لدي قصيدة في العامية عنوانها »خرير الماء« ترجمت الى عدّة لغات أجنبية مع قصائدي الفصحى لم يسألني قارئ بتلك اللغات ممن التقيت هل هذه قصيدة كتبت بالفصحى وتلك بالعامية لانها وصلت الى تلك اللغات كما يصل الشعر الصافي الى اي لغة اخرى بينما في ربوعنا مازال من يقول لمن تكتب قصيدتك العامية ولماذا هي صعبة وغيرها من الاسئلة التي تنتجها مفاهيم ابناء جلدتنا للشعر وكأنّه، أيّ كأن مفاهيمهم هي الشعر.
ومن المفارقات العجيبة ان قصائدي العامية وجدت آذنا صاغية ومحبين في غير بلاد الشام التي اكتب بلهجتها كمصر مثلا وكذلك دول المغرب العربي فاستغرب كيف يتقبل المتلقي المغربي شعري العامي ويعتبرني على أساسه شاعرا بينما الشعراء السوريون يضعونني بين قوسين حينما اذكر كشاعر.
❊ لماذا لم تأخذ مدونتك الشعرية حظّها من النقد بشكل كاف؟
لا بشكل كاف ولا بأي شكل. ما كتب عن شعري لا يتعدّى قراءات بسيطة أو تقديمات لدواويني. أعتقد ان اهم ما كتب كان تقديم المنصف الوهايبي لكتاب »الارض ترفع ساقها« وكذلك ما قدمه حاتم الفطناسي عن كتابي »الاسماء« وأيضا ما كتبه مصطفى الضبع عن كتابي »هذيان الجسد«.
اما كدراسة نقدية فقليل ولايتعدّى بضع مقالات إلاّ أنّني استثني من هذا ما كتبه اصدقائي على الشبكة العنكبوتية وهي قراءات أعتبرها مهمة جدا كالكاتبة والشاعرة الصديقة عائدة النوباني والشاعر الصديق خالد الجبور والشاعر الكاتب أحمد ابراهيم وكذلك ايضا قرأت مقالتين نقديتين لرجلين لا اعرفهما شخصيا كتبا نقدا في قصيدة بعينها وهما من أهم من كتبوا عنّي.
❊ ألا تعتقد ان حركة النقد الشعري قد ساهمت بشكل كبير في تحجيم المدونة الشعرية مقارنة بباقي الاجناس الكتابية؟
انا أقول غير ذلك وربما فيما اقوله اتفق معك فيما طرحته في كل ما قرأت من نقد واقصد في النقد ما بعد التسعينيات يكتب الناقد وهو يظن نفسه إلها يُحيي ويميت فمن اقر له بالعبودية بك من الاشكال فسيحييه في نقده ومن لم يقر له بتلك الالوهية المزيفة فسيمحوه وكأنه يميته هذا عن الشعراء الذين يكتبون الشعر ولا مصلحة للناقد في الكتابة عنه اما ان كان هناك مصلحة فاعتدنا ان نرى الناقد يصنع من الزبيبة خمارة ومن الحبة قبّة!!!
وعلى سبيل المثال فقد قرأت لناقد تونسي نقدا يتجاوز عشرين صفحة والله خمسين صفحة كاملة في قصيدة لشاعر ليس تونسيا بالطبع ولا تسوى تلك القصيدة مثقال ورقها لكن الشاعر صاحب مجلة تدفع بالدولار وتحته كرسي قوائمه من النفط وتساءلت في نفسي اين هذا الناقد من الشعر التونسي ودون ان اسمّي الشعراء في تونس وانا اعتبر ان هؤلاء الشعراء لا يمكن ان تقارن قصائدهم باي شكل من الاشكال بقصيدة ذلك الشاعر النفطي.
وبسياق آخر ايضا في كل ما قرأنا ونقرأ من نقد نجده محدودا في تجارب الرواد وإن جنح قليلا الي تجارب ما بعد الرواد فهو جنوح خجول، وحتى لو كتب النقاد ضد شاعر من الشعراء الروّاد فإن نقده يظل يدور في نفس الفلك، وحتى الرسائل الجامعية التي ينال بها الطلاب شهادات عليا أكثرها حول شعر الرواد ايضا والاساتذة الذين جاؤوا بعدهم لان حالة الابهار للاضواء ظلت هي الطاغية فتجد النقاد سواء كان متخصصا ام دارسا لينال شهادة هو ايضا يريد نصيبه منالضوء فذهب اكثر الشعر الى العتمة وبقي من في الضوء لا يرى سوى نفسه.
انا مثلا أحب الشاعر محمود درويش وحزين ومتألم مثلي مثل كل من حزن وتألم وبكى على رحيل الشاعر المبكر رغم انه رحل وهو في قمة مجده الشعري، لكني أقول من الناحية الشعرية الجوهرية علينا ان ننتخلص من الحزن مع مرور الزمن وننحّي عاطفتنا سواء كانت الشخصية او التعاطفية مع تجربة درويش كشاعر قضية انساني، أي علينا ان نأخذ نفسنا ونستعيد ثباتنا العقلانيونجرّد الرجل من مفهوم اسطرته لنقرأ شعره ونحن على مسافة من تأثير الحالات العاطفية السابقة فنصل الى نتيجة خدم العشر الحقيقي سواء كان ذلك في صالح شعره كليا او في صالحه جزئيا لان العين لا ترى نفسها وهي تبكي.
❊ على ذكر محمود درويش الا تعتقد كشاعر ان رحيله سيزيح غمامة عن اكثر من شاعر؟
انا اعتقد غير ذلك لان هذا الكلام ينطبق فقط على من كانوا يعتبرون انفسهم في الشعر مظللين باجنحة محمود درويش ولكن الشعر العربي بأفقه الواسع والاكبر كثيرا من تجربةشاعر واحد فلا يمكن لي ان أجعله في ظلّ غمامة درويش لان تجربة درويش عند الشعراء الحقيقيين لا تتعدّى ابعادها من الناحية الشعرية فهؤلاء يعنون بالشعر لا بالاسباب التي جعلت الاسم محلقا في الكون وهي اسباب احدها الشعر وليس كلها فانا مثلا لو اخذت شاعرا كبيرا اخر ونظرت اليه كتجربة لا يبهر العالم بشيء آخر غير الشعر لوجدت ان ذلك الشاعر رغم أنه واجه العالم اعزل من كل دعم لوجستي أو نفسي او عاطفيّ ووصل الى أكثر من خمسين لغة فأنا حينها اقول هذه شاعرية خاطبت الانسان من داخلها، وهذا لا يعني مقارنة او مفاضلة بين تلك التجربة وبين تجربة درويش وكما سبق وقلت نحن بحاجة إلى ان لان نأخذ وقتا كافيا لنعود هادئين مطمئنين ونضع تلك التجارب الشعرية ذات الاهمية في تاريخنا المعاصر تحت أعين بصيرة في الشعر الصافي فحسب.
❊ باعتبارك أنك قريب من المشهد الشعري التونسي، حضورا وقراءة، كيف ترى ملامحه العامة وهل هناك تحولات عميقة في المشهد عموما؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال أقول أن ما ينقص الشعر التونسي هو ما ينقص الشعر العربي عموما وهو مسألة ايصال الشعر خارج النطاق المحلي.
أنا ربّما بظرف شخصي استطعت التواصل مع الشعر في بلاد المغرب عموما ومع تونس بشكل خاص وقرأت لاغلب الشعراء واعتبر ان هنالك فارقا وتطوّرا حقيقيا بين ما كتبوا في الثمانينيات وفي التسعينيات وما كتبوا به الان واقصد جيل من اصبح في الستين من العمر او الخمسين ايضا.
وما ألاحظه ان تلك التجارب تحولت للكتابة بالدُّربة والحرفة اكثر منها في حرارة الدفق الشعري التي كانوا يكتبون بها في دواوينهم السابقة وربما اكثر الشعراء ينطبق عليهم هذا القول سواء في تونس او في غيرها، وأرسل استغرابي لمن يمثلون المشهد الشعري ان في تونس اوفي غيرها كيف ينسون ما عانوه حتى وصلوا الى ما وصلوا إليه من تجاوز عقبات ما يُسمّى اسماء طاغية بحضورها في المشهد الشعري العربي عموما والمغاربي خصوصا فاكتفوا بانفسهم وتركوا الآخرين من الاجيال الاصغر ثم الاحدث تعاني نفس ما عانوه من التجاهل والتهميش وربما المحو تماما وعلى سبيل المثال تعرفت الى كاتب كنت سمعت عنه كثيرا واعتقدت حين جلست معه أنه سيكون بفضل تجربته الغنية واتصاله بالشرق والغرب افضل حالا في التعامل مع الآخر كاتبا او شاعرا الا انني لم اسمع منه سوى احتقار تجارب الكتاب الاخرين وان ذكر كاتبا بخير فيكون ذلك الكاتب غير مستطاع ان يطفئ ضوءهُ!!! فهل هذه حالة ذاتية ام حالة عامة؟
اعتقد ان النجوم صغيرة كانت ام كبيرة هي نجوم مريضة الضوء وهذا عنوان لقصيدة كتبتها قبل سنتين من حالة مماثلة.
❊ لك البياض المتبقي...؟
في الختام اقول إنني أدين بجزء من تجربتي الشعرية للشعر التونسي الذي قرأته وأتمنى للتجربة الشعرية التونسية أن تزيدني ثراء وللحق في التجارب الشعرية الشابة ما أضاف لتأثري بتجارب الشعراء الكبار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.