ظل الحديث عن مضار التدخين مقتصرا على الصحة فحسب ولم يقع تسليط الضوء بالقدر اللازم على الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية ل»التدخين»، فلم يعد خافيا اليوم أن التدخين أضحى خطرا يهدّد استقرار الملايين من العائلات ونمو الكثير من البلدان ذلك أن ما يلحقه المدخن بنفسه من أضرار صحية ومادية ينعكس في مرحلة أولى على العائلة التي يحرمها من مواردها الأساسية ليستغل قسطا هاما من قوتها لشراء التبغ وفي مرحلة ثانية المجتمع نظرا لما يتطلبه علاج المصاب بالأمراض الناتجة عن التدخين من مصاريف باهضة ولما تسبّبه هذه الأمراض من تقلّص في مردودية المصابين وفي وفاة الكثير منهم. وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات الهامة والتأثيرات البالغة وتجاوبا مع الشعار الذي وضعته المنظمة العالمية للصحة لليوم العالمي لمكافحة التدخين لسنة 2004 (التبغ والفقر) أقرت تونس الاحتفال بهذه المناسبة تحت عنوان «يضرّ التدخين باقتصاد عائلتك كما يضرّ بصحة أفرادها» لتؤكد ان التدخين آفة تهدّد استقرار أسر ومجتمعات بأكملها وتضع العراقيل أمام النمو الاقتصادي للبلدان. وتعتبر تونس أحد الشركاء الفاعلين في مجال مقاومة التدخين والقضاء عليه وهي حريصة على تدعيم مكاسبها في هذا المجال لاسيما بعد سنها القانون عدد 17 لسنة 1998 المؤرخ في 23 فيفري 1998 والمتعلق بالوقاية من مضار التدخين الذي يحجّر التدخين بالأماكن العمومية والدعاية والاشهار له وتعتبر تونس من البلدان النامية القلائل التي وضعت هذا القانون. وقد أعدت وزارة الصحة العمومية بهذه المناسبة جملة من الأنشطة التحسيسية على المستويين المركزي والجهوي وكثفت جهودها لتكون الرسائل التوعوية حاضرة وقريبة من كل الناس على اختلاف فئاتهم وحثت على احترام تطبيق القانون الذي وضع للغرض من خلال دعوة مختلف الشركاء للانضمام إلى حملتها من هياكل حكومية وجمعيات ومنظمات غير حكومية ومختلف قنوات الاتصال المتاحة عبر تخصيص حصص وبث ومضات اذاعية وتلفزية حول الموضوع بالاضافة إلى وضع لافتات بالأماكن التي يرتادها الناس. والواضح ان مقاومة التدخين لم يعد مرتبطا بفترة زمانية محدودة بل يجب ان تكون مكافحة هذه الآفة هدفا مستديما لأن انعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية اجتاحت العالم فعززت الأمراض وحرمت ملايين العائلات من نعمة الصحة وفرضت عليهم نقمة الأوبئة والعوز. يذكر ان عدد المدخنين في العالم يبلغ حاليا 1.3 مليار فرد 84 منهم في البلدان النامية مع العلم ان الفقراء يلتجئون أكثر من الميسورين إلى الادمان على هذه الآفة، وتفيد الاحصائيات والبحوث التي أنجزت في مختلف بلدان العالم ان المصاريف التي تنفق على التدخين تحتل نسبة كبيرة من ميزانية العائلة خاصة الفقيرة منها بل وتتجاوزه في بعض الأحيان المصاريف المخصصة للتعليم والرعاية الصحية، وتتكبد الدول تبعا لذلك مصاريف باهضة لعلاج المرضى من ذلك ان الصين تنفق سنويا 6.5 مليار دولار لعلاج الأمراض المرتبطة بالتدخين وتشير التوقعات إلى ان 650 مليون مدخن سينتهون إلى الوفاة بسبب التدخين نصفهم سيكون مازال نشطا. كما تساهم زراعة التبغ وتجفيفه في اضرار بالغة الأهمية للبيئة إذ ينتظر أن يتم القضاء على 200 ألف هكتار من الغابات سنويا لهذا الغرض كما تخصص 5 من المساحات الغابية التي تم القضاء عليها في البلدان النامية لزراعة التبغ هذا اضافة إلى كمية الفضلات الكبيرة المنجرة عنه إذ أنتجت الشركات المصنعة للتبغ سنة 1995 (2.3) مليار كيلو من الفضلات و209 مليون كيلوا من المواد الكيميائية.