ماذا يحدث حاليا في ساحة الإبداع؟ أصبحت هناك ظاهرة في واقعنا الأدبي بكافة أشكاله وصنوفه سيطرت فيها الخرافة والأسطورة لتصبح هي المضمون الأساسي للنص... ويطرح ذلك الاتجاه العديد من التساؤلات المتعلقة بالعملية الإبداعية نفسها وعلى رأسها مدى صحة أن يكون ذلك نوعا من الهروب من الواقع أو عدم القدرة على تناوله بالاضافة الى مدى امكانية توظيف تلك الخرافات والأساطير في العمل الأدبي بحيث تثريه... ولا تجعله مجرد «تسلية» و»ترفيه» يهرب بها المبدع من واقعه... ويجر معه المتلقي الى هاوية الانفصال عن المجتمع. طرحت «الشروق» هذه القضية وما يحيط بها من تساؤلات... هواجس... ومخاوف على الأدباء والنقاد فأجمع الفريق الأول على أهمية الخرافة والأسطورة في العمل الأدبي باعتبارها جزءا من نسيج الكيان الإنساني للمجتمع بل وتجعله يعيش في قلب الحدث، وذلك فيما اختلف النقاد حيث رأى البعض أنها خطوة للوراء وانفصال عن الواقع في حين أكد البعض أن «المحك» هو كيفية استخدامها وتوظيفها في العمل الفني... وفيما يلي التفاصيل. من جانبها تؤكد الشاعرة العمانية الدكتورة سعيدة خاطر ذات الحضور في الساحة الثقافية المصرية والعربية أن لجوء الأديب باختلاف عمله الإبداعي الى الأساطير والخرافات يهدف إلى الاستفادة منها وتوظيفها كتراث غني وثري في النص الأدبي ويعمل على خلق عمل ابداعي جيد في حالة ما تم توظيف ذلك بصورة فنية وابتكارية مبنية على فهم كاف ووعي وهضم تام لتلك الخلفيات. وتشير الدكتورة سعيدة الى أن اتجاه بعض الأعمال الأدبية الى ذلك لا يعد اتجاها «أدبيا عربيا» ولكنه ابداع عالم يقوم به الأدباء في كافة الثقافات بحيث يخرج الأديب بها من الواقع أو يستفيد منها في تصوير الواقع نفسه، كما يعمل على تواصل الأجيال والحضارات مستشهدة في ذلك بما دعا اليه الشاعر الانقليزي الشهير توماس اليوت من استخدام للتراث وتوظيفه على اعتبار أنه جزء من الثقافة الانسانية وتؤكد ل»الشروق» أن هذه المعالجة لا تعني أن هذه الأساطير والمخزون منها يعد حاجزا ومعوقا للإبداع ولكن مصدرا من مصادره لإثراء التجربة والعملية الإبداعية. **لا يمكن تجاهلها وتضيف الروائية سكينة فؤاد بأن هذه الخرافات والأساطير ليست الا جزءا من النسيج الانساني في المجتمع الذي يتناوله الكاتب أو المبدع كما أنها جزء من الكيان النفسي والثقافي والروحي التي لا يمكن أن نتجاهلها أبدا خاصة وأن عالمنا العربي مليء بها وتؤكد أن تناولها لا يمكن أن يطغى على الواقع وتقول للشروق انها جزء أساسي من مكونات ذلك الواقع الذي نعيشه ودلالاته أيضا، ولا يعني اللجوء الى الأسطورة أو الخرافة أن الأدب يبتعد عن الواقع بل يجعله أقرب الى المجتمع الذي يعمل فيه المبدع، وتشير إلى أن ذلك ليس خاصية للأدب العربي فقط ولكنها خاصية أدبية في العديد من الثقافات حيث يتم من خلالها قراءة الواقع وليس الانفصال عنه. ويتفق معها الروائي محمد جبريل الذي يعترف بأنه يلجأ الى الخرافات والموروثات الشعبية في أعماله من خلال توظيفها بصورة فنية في نسيجه بهدف توظيف دلالات فنية محددة وليس مجرد الحكي لها ولكن من خلال انتقاء لما يصلح للتعبير عن المضمون والدلالة المطلوبة، ويوضح أن ذلك لا يعني الهروب من الواقع الاجتماعي ولكن اثراء لعملية توصيف ذلك الواقع. **وجهتا... نظر وفي المقابل وعلى جبهة النقاد يرى الدكتور البدراوي نهران أنها تعبر عن ظاهرة سلبية ويقول إنه قرأ العديد من الروايات التي تناولت الخرافات والأساطير ووجد أنها لا تتعدى كونها كذلك، فلا هي عالجت مشكلة اجتماعية أو قضية محورية أو طرحتها للمناقشة وسلطت عليها الأضواء، وبات الأمر يقتصر على اثارة الشاعر من خلال انحرافات على سبيل التسلية والهاء القارىء والمتلقي عن الواقع ومشاكله وينتهي الدكتور البدراوي الى أن مثل ذلك النوع من المعالجة لا ينتمي للإبداع بصلة في وقت تواجه فيه المجتمعات العربية مشاكل مختلفة تستدعي المعالجة بدلا من أن ينعزل المبدع عن الواقع وتحدياته. أما الدكتور مدحت الجبار فيرد على القضية التي طرحتها «الشروق» ويقول إن الموضوعية تقتضي التفرقة بين أديب لديه القدرات والامكانيات في توظيف الخرافات والأساطير سواء بصورة مباشرة أو بتوظيفها في العمل الأدبي وبين آخرين لا يستطيعون ذلك بما يسيء بصورة عامة إلى هذه المعالجات، ويرى بصفة عامة أنها ليست شيئا سلبيا أو ممنوعا باعتباره يمثل نوعا من التواصل مع الانتاج السردي في ضمير الأمة العربية مشيرا الى أن تهافت الأدباء على الخرافة والأسطورة يعد تطورا «طبيعيا» لذلك النص السردي بما يعطي النص عمقا أكبر.