مرحلة ثالثة لغة وآداب عربية نشرت مجلة «عمان» الاردنية بعددها الثامن والتسعين مقالا في اربع صفحات بعنوان «الروائي التونسي ابراهيم الدرغوثي في شهادته الرواية بين التراث والتاريخ» فسارعت بقراءة هذه الشهادة الصادرة عن كاتب تونسي كنت قد سمعت عنه وعن ابداعاته وكتاباته لكن حين قرأتُ ما كتب وجدت كاتبا أخر غير الذي كنت أقرأ له. فلئن بدا الدرغوثي ممنهجا في شهادته بأن اورد افكاره في شكل اربعة مشاريع ذات عناوين ثنائية التراث والتاريخ / الحداثة والتراث / الواقع والعجيب / المقدس والمدنس. الا انها كانت على قدر كبير من الفوضى والخلط اذ اعتمدت على تراكيب لغوية ضعيفة لا تعكس المستوى الابداعي تمجيد الذات مع ان المبدع الحقيقي لا يحتاج الى طبلة ومزمار مثل قوله «ذاتي المبدعة» او «فجاءت قصصي مرتبطة بالواقع كأحسن ما يكون «أو» قلة من المبدعين العرب وانا واحد منهم... «فجاءت شهادته خالية من كل موضوعية ادبية بشكل مستفز ومما زاد الطين بلة كثرة الاخطاء وربما أراد ارساء مفاهيم جديدة تتماشى وميولاته الابداعية اذ حشر الدين والتاريخ في بوتقة التراث واستعمل هذا الاخير كمفهوم مركزي لإرساء مشاريعه القصصية والروائية والمتمثل في استحضار المخزون العربي من اساطير وخرافات كمادة ادبية يتجاوز بها عقلانية الحداثة هروبا من الواقع والعودة ادراجنا للتفاسير الماورائية اذ يقول.. هناك انماط معرفية اخرى يمكن للفكر الانساني ان يستثمرها للتعبير عن مشاغله في الحياة كأن يلتفت الى الخرافة او الاسطورة او الماورائيات بصفة عامة متناسيا امرين أولهما ان الاسطورة والخرافة والعجيب والغريب اولهما ان الاسطورة والخرافة والعجيب والغريب ماهي في حقيقة الامر الا افرازات للعقل الذي رفض الدرغوثي الانصياع له. وثانيهما ان ما تحدث عنه يشكل احد الاسباب الرئيسية في انتكاستنا الفكرية نظرا لما التبس بتاريخنا وديننا وتراثنا من خرافات وشعوذة فشوّهته وجعلت الناس يتعلقون بها عوض الاصل المؤسس. ومن خلال شهادته سقط في جدل ساذج حول اصول الكتابة القصصية بأن حاول بشتى الطرق اقناع المتقبل ان اصول القصة عربية وان لقصص «الدى كاميرون» جذورا عربية وآن «ثرفانتس» صاحب «دون كيشوت» استلهم نصه من خلال القصص الرائجة في بلاد الاندلس قبل السقوط النهائي للعرب والمسلمين. وأطنب في استعراض ما قرأه من الارث النثري العربي مبرزا عجز الادباء العرب وقصورهم عن استيعاب هذا المخزون الذي ألهم الكتاب الغربيين ليكون هو «دنجوان» العرب لأنه استطاع المزج بين التراث العربي والنص الحديث بأن طوّر شكل الرواية الغربية واركب على الفرس الاوروبية حصانا عربيا اصيلا ليجيئ نصه الروائي حاملا للصفات الحميدة لكلا الجنسين على حدّ قوله في شهادته المشار اليها. متناسيا هجومه على الادباء الغربيين وتقنيات الكتابة الغربية وادعاءه ان «ماركين» هو تلميذ متوسط الموهبة اذا قارناه «بالقزويني» وابن بطوطة والمقارنة هناك تجوز نظرا للاختلاف الفكري والزمني خاصة بينهم والمقصود هنا الكاتب الكولمبي الشهير «غبريال غارسيا ماركيز» والذي من العيب ان يتعرض له الدرغوثي بتلك الطريقة. وفي سياق حديثه عن الجنس سقط في فخ نصبه لنفسه بأن اعترف ان الابداع متى وضعت له حدود قتلناه ومثل هذا القول يلغي إدعاءاته بالفصل بين ما هو عربي وغربي من جهة وما هو تراث وحديث من جهة ثانية اذ الابداع ليس ملكا لحضارة معينة انما هو مرتبط بالانسان بقطع النظر عن عروبته او غربيته. وفي السياق ذاته ذكر الدرغوثي ما تعرض له من هجوم بسبب تناوله لمسألة الجنس والحال انه موضوع غدا مبتذلا ولا تخلو منه رواية عربية بشكل مباشر او بالتلميح والإيحاء. وينتهي الى اعتراف ليس فيه من المعقولية شيء هو «الانسان حيوان جنسي» عادة نقول الانسان حيوان ونأتي بما يميزه عنه لا بما يتماهى به معه والأصح هو الانسان كائن جنسي. وختم شهادته بخدش شخصي في قيمة كتاباته بأن وجهها لما اسماه «بصاحب القلب الابيض» اذ ركّز على الموقف الانطباعي النفسي واستبعد عن كتاباته المثقف الناقد والحال اننا بحاجة للقراءة المتأملة لا «قلبا ابيض ساذجا» يقرأ او يلقي خلفه دون وعي بما يُكتب ان كل كلمة يكتبها من يدعي الابداع لنفسه يجب ان يعي أبعادها واستتبعاتها حتى لا تعود عليه بالويل والوبال.