على مذهب ابن البلد: التّسلّل الى التاريخ عبر الجغرافيا...! * بقلم الأستاذ: جمال الدين بوغلاّب يساورني سؤال لو صدق ظنّي به لكانت الكارثة، هل يقتات أصحاب الرأي ووسائل الاعلام من هموم الناس؟ ومبرره ان اعلاما وبدواعي »المهنية« ينصرف الى الوصف والوقوف عند أسباب الفعل وردّ الفعل الظاهر دون النفاذ الى جوهر المسألة، وفي ذات الخانة تندرج المقالات وكثير من التحاليل. دون تكليف النفس عناء البحث في علل الأشياء. ومن ذلك ما يحدث اليوم في »العراق« و»فلسطين« و»الصحراء الغربية« وفي »السودان«. وتحريك إرادات دول لا حول ولا قوة لها في السياسات الاقليمية، فما بال المرء بالمسرح الدولي، حتى أضحينا نرى »الحلول« تأتي من »نيفاشا« و»البحر الميت« و»عنتبني« بأوغندا. والحامل على هذا القول هو انه وبمجرد انفضاض قمة المعادلات المستحيلة والحل القاسي لدول العرب، اذ بقمم اخرى تعود لذات المنطقة ومنها »قمة« أو »منتدى« ضفاف البحر الميت التي حضرها الجميع بما فيهم عرّابو »الشرق الاوسطية« وحلفاؤهم الصهاينة من اجل ايجاد مدخل الى نفوس العرب وعقولهم عبر »التنمية« والمال والماء، وفي مطلع الاسبوع المنقضي انعقت قمة دول حوض النيل على مستوى الخبراء بأوغندا حاملة ورقة عمل أساسها رسم خطة جديدة لاعادة تقاسم مياه النيل، وهذا التطابق لا تفسره الصدفة ولا الطفرة، بل هو مؤشر على تعرية وجه آخر للاستعمار وأطماعه يحمل في ذاته بذور قابليته للتسويق خاصة بعد »فضيحة العراق«. ولان للمسألة أصولا فان الباحث لن يضل، وهو ما عبّرت عنه بقوة مقولة الصهيوني »تيودور هرتزل« حين قال: »إنّ المؤسسين الحقيقيين للدولة اليهودية القديمة الحديثة هم مهندسو المياه«. وقد عمدت الوكالة اليهودية قبل إعلان الدولة سنة 1948 الى الاستعانة بخبراء أمثال البريطاني »إيونيدس« الذي شغل منصب مدير دائرة الاراضي في حكومة شرقي الاردن وكذلك الامريكي »جيمس هيس«، والقائمة تطول والمبادرات تتعدد والعرب في سباتهم على أحسن حال، حتى أن موضوع الجغرافيا والثروة لم يعد من أولوياتهم. مادامت الاقطار على ما هي عليه لحدّ الآن!! ولشدة وطأة ما يطرح لابد وان تنبري أقلام وأعلام، فالتاريخ بما هو ثقافة وإرث علمي وانساني ومنظومة معتقدات ومؤسسات استعصى رغم حالة الوهن والاسباب عدة ولا يسعها المقام، وما نشهده اليوم هو محاولة التفاف على التاريخ بواسطة »الجغرافيا«، وما نقوله ليس شعارا ولا بدعة ولا تنميق لفظ ومبنى. ونضرب للفكرة دليلا للاستيضاح، وهي ليست الا مشروع »قناة البحرين«، والتي يراد لها ان تفتح على الساحل الفلسطيني فوق غزّة وعلى مستوى مدينة »أسدود« مرورا بصحراء النقب لتنتهي في مستواها الاول عند البحر الميت، ثم تنحرف نزولا باتجاه »العقبة« على البحر الاحمر والهدف من هذه القناة واضح ومن مراميه ربط البحرين المتوسط والاحمر بممر مائي من أهدافه تحييد قناة السويس وضرب مصر في أحد أبرز مواردها المالية. ومن بين الاهداف الاستراتيجية... احياء »منطقة« النقب وتوطينها بالساكنة الموردة في رحلات »العودة« العقائدية لارض ميعادهم من أجل محاولة جسر هوة التوقعات الديمغرافية... لسكان المنطقة والتمدد »استراتيجيا« نحو »الهدف« المقبل وهو شط العرب والطريق سالكة، والتفوق العسكري والسياسي مؤمن وهم يدركون قبل غيرهم ان »حالة التحييد« التي تعيشها المؤسسات الدولية لن تطول ولابد من استنزافها بالحدّ الاقصى المتاح، وهذا »التياس« الدولي لا يجد حرجا من خلال »الفيتو« في تأمين المطلوب عبر صفقات وتبادل أدوار ومصالح في غرف مغلقة، لا يملك بعض الاعلام الا نقل خبر انعقادها. وان استحال الآن المرور الى الهدف السياسي بمسلكيات سياسية، فاننا نحذر من سياسة الاحتواء عبر مداخل، التحديث والاقراض بعنوان التمويل للتوريط باتجاه استحداث واقع تحكمه توازنات من مرجعيات اقتصادية، ولا ننسى كيف كانت بدايات »الوحدة الاوروبية« عبر مداخلها المتمثلة في اتفاقات حول الطاقة (الفحم الحجري) وكيف انتهت في مرحلة وسطى الى »سوق أوروبية مشتركة« مدخلا لما تحياه اوروبا اليوم، هذا وأن التورط الامريكي الصهيوني في العراق يجد نجدته في حل اوروبي كحليف استراتيجي جار للوطن العربي، وقد يجد في أزماتنا الاقتصادية والانسانية مجالا للتعاطي المقبول شعبيا وحتى قياديا بداعي المصلحة الظرفية، ان التعامل مع الواقع كما هو شيء عقلاني ولكن الكياسة في السياسة تقتضي اسناد هذا التمشي المصلحي المطلوب برؤية خبراء في الشؤون الاستراتيجية حماية لقرارنا السياسي الوطني من التورط في الغايات الكبرى للمشروع الدولي المحكوم بخلفيات عدائية إلغائية هدفها المرحلي التقارب من أجل الفهم والاحتواء وهدفها الاستراتيجي المعلن هو سياسة الحلول والاستبدال، وما بين الموجود والمأمول مسافة تعقل وسيادة.