❊ راضية الزيادي ذات يوم من جوان على غير العادة مرّ ذلك اليوم في صمت... يوم الخامس من جوان 1967 أو ذكرى النكسة. على غير العادة بدت النكسات التي نعيشها كعرب أشد وقعا وأكثر ايلاما من ذكرى تلك التي أطلقنا عليها اسم »النكسة«... في ذلك اليوم طارت المقاتلات الاسرائيلية لتضرب الطائرات والمعدات المصرية في قواعدها ولتحسم معركة لم تقع أصلا ولكنها خلّفت الحزن الجارف في صفوف الجماهير العربية... ما حدث اعتبر نكسة ولكنه كان منطلق انتعاشة وتصميم حقيقيين توجا بنصر عسكري هو نصر أكتوبر ونصر سياسي هو خاصة مؤتمر القمة العربية في الخرطوم واللاءات الثلاث التي أسفر عنها هذا المؤتمر. نكسة 67 كانت منطلق حرب الاستنزاف التي ذكرت العدو باستمرار انه يحتل ويغتصب أوطان غيره وخلال هذه المعارك المتقطعة استعادت الجماهير العربية وهي تتابع أداء أبطالها على الجبهتين المصرية والفلسطينية خاصة ثقتها في عروبتها كما استعادت كرامتها المهدورة. وقد كانت تلك المعارك تتم في سياق واحد هو الثأر لما حدث والاستعداد لاستعادة الحقوق المغتصبة وهو ما حدث في حرب 73 التي بدأت قيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الاعداد لها منذ ذلك الوقت وإن لم تواكب زمن قطافها... نكسة 67 كانت ايضا منطلق حيوية عربية سياسية وشعبية. كل من موقعه نهض يبحث لنفسه عن دور يساهم به في اعادة الاعتبار لأمة مجروحة : السياسي والفنّان والكاتب والعامل والمنتج، كل من موقعه بحث في نفسه عن مساحة الابداع، وكل من موقعه اجتهد في اخلاء ضميره والقيام بواجبه على اكمل الوجوه... مدّ جماهيري واسع توجته قمة الخرطوم عندما تبنت بتصميم شعارات عملية وسياسية لمسح آثار العدوان ولرفض الهزيمة السياسية التي حاول الاسرائيليون فرضها على العرب دعما لهزيمة عسكرية في معركة محدودة تلك التي حدثت في جوان 67. رفض العرب مجتمعين »الصلح والاعتراف والتفاوض« الذي كان الاسرائيليون يريدون فرضه بشروطهم... كانت تلك لاءات الخرطوم التي اعتبرت ولادة جديدة رغم الهزيمة. وبذلك فشل الاسرائيليون في الحاق الهزيمة بعزيمة العرب... اليوم النكسة أصبحت نكسات، العراق يرزح بكامله تحت احتلال غير مسبوق رفع شعار حقوق الانسان والحرية ولكنه استهدف أول ما استهدف حرية العراقيين وكرامتهم وانسانيتهم ليقتل فيهم الرغبة في الحياة وفي المقاومة. ومع كل ذلك لا تبدو الآفاق السياسية واضحة بالنسبة لانسحاب القوات الاجنبية واستقلال العراق وكذلك استبعاد المجموعة المتنفذة في العراق اليوم التي تأتمر بأوامر الاحتلال بعد ان سهلت دخوله العراق ويسّرت استقراره... الوضع في فلسطين لا يختلف بل إن الأحداث تتداخل بين العراق وفلسطين حتى انك تخال ان الامر يحدث في مسرح واحد نفس الممارسات ونفس الضحايا ونفس الجلادين ونفس الآلة الحربية التي تقتل وتدمّر في فلسطين وفي العراق. ولا تبدو الآفاق في فلسطين واضحة ايضا. الهجمة قوية وواسعة تتجاوز العراق وفلسطين وتغيّر الأساليب والأدوات والأهداف والعرب وسط كل ذلك يشعرون بالضياع ويبحثون في ثناياهم عن لاءات جديدة للمقاومة وعن فجر أسعد وأكثر وعود. النكسة أصبحت نكسات ولكنها بالتأكيد لن تكون سوى محطات عابرة في تاريخ أمة خلاّقة أكدت في أكثر من محنة انها لن تموت وانها تتمسك بالحياة حتى وان أعياها البحث عن الطريق.